د.عبدالله الفايز
شهد المجتمع والاقتصاد السعودي خلال السنوات الأخيرة تحولاً عميقاً في دور المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما بعد إطلاق رؤية السعودية 2030 وما رافقها من إصلاحات سمحت للمرأة بالمشاركة بصورة أوسع في سوق العمل، وفتحت أمامها مجالات مهنية كانت محدودة سابقاً، وأتاحت لها قيادة السيارة والتنقل بصورة مستقلة، إلى جانب تطوير برامج مساندة مثل النقل، ورعاية الأطفال، والعمل المرن والتدريب. وقد أصبح من الممكن النظر إلى هذه التحولات ليس باعتبارها تغييرات اجتماعية أو تنظيمية فحسب، وإنما باعتبارها إعادة توزيع واسعة لرأس المال البشري والدخل والوقت والاستهلاك داخل الاقتصاد السعودي. فالمسألة الاقتصادية الأساسية ليست فقط كم امرأة دخلت سوق العمل، وإنما كم قيمة اقتصادية جديدة أُتيح إنتاجها نتيجة انتقال جزء من القدرات البشرية النسائية من نطاق غير السوق إلى نطاق الإنتاج الاقتصادي، وكيف انعكس ذلك على الأسرة والاستهلاك والنقل والمطاعم والتوصيل وريادة الأعمال والإنتاجية، وما هي في المقابل التكاليف الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية المحتملة لهذا التحول؟ وتكتسب هذه المسألة أهميتها من حجم التغير نفسه. فقد ارتفعت مشاركة السعوديات في قوة العمل من نحو 22 في المائة في خط أساس رؤية 2030 إلى نحو 40 في المائة في عام 2025. وهو تحول كبير خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. كما انخفضت بطالة السعوديات بصورة كبيرة بالتزامن مع ارتفاع المشاركة، وهو ما يشير إلى أن التغير لم يكن مجرد زيادة في عدد النساء الباحثات عن العمل، وإنما صاحبه توسع فعلي في فرص التشغيل. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن مشاركة المرأة السعودية في قوة العمل ارتفعت بنحو 18 نقطة مئوية تقريباً بين 2017 و2024، مع انخفاض معدل البطالة النسائية من أكثر من 32 في المائة إلى نحو 12 في المائة في 2025. ومن منظور اقتصادي، يمكن تفسير هذا التحول باعتباره تحريراً لجزء من رأس المال البشري النسائي الذي كان موجوداً في المجتمع لكنه لم يكن يدخل بصورة كاملة في الإنتاج السوقي. فالمرأة التي كانت تمتلك تعليماً ومهارات وقدرة على العمل ولكنها لا تستطيع الوصول إلى سوق العمل بسهولة كانت تمثل طاقة اقتصادية كامنة. وعندما أزيلت بعض القيود المتعلقة بالعمل والتنقل والقطاعات المهنية، لم ينشأ الإنسان المنتج من الصفر، وإنما انتقلت قدرة إنتاجية كانت موجودة أصلاً إلى النشاطالاقتصادي الرسمي. ولذلك فإن قياس الجدوى الاقتصادية لتمكين المرأة ينبغي ألا يقتصر على عدد الوظائف الجديدة، بل يجب أن ينظر إلى قيمة رأس المال البشري الذي أصبح قابلاً للاستخدام الاقتصادي، وإلى الدخل الذي تولد، والإنتاج الذي تحقق، والوقت الذي تحرر، والأسواق الجديدة التي نشأت، والتغيرات التي حدثت في سلوك الأسر والمؤسسات.
ويمكن دراسة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لتمكين المرأة من خلال تقدير حسابي لأثر العمل والقيادة في الاقتصاد السعودي. ولذلك ينبغي التمييز بين القيمة المضافة المباشرة، والآثار غير المباشرة، والمضاعفات الاقتصادية، والقيمة الاجتماعية التي لا تدخل كلها مباشرة في الناتج المحلي. وبناءً على عدد السعوديات في سن العمل ومستويات المشاركة الحالية. فإذا افترضنا، وجود نحو 9.8 ملايين امرأة سعودية، فإن معدل مشاركة يبلغ 22.8 في المائة يعني قوة عمل نسائية تقارب 2.24 مليون امرأة، بينما يؤدي معدل مشاركة يبلغ 36 في المائة إلى قوة عمل تقارب 3.53 مليون امرأة. أي أن الفرق النظري يبلغ نحو 1.29 مليون امرأة إضافية أصبحت ضمن قوة العمل. وهذا الرقم لا يعني أن جميع هؤلاء النساء دخلن وظائف جديدة بسبب رؤية 2030 وحدها، ولا يعني أن كل زيادة في المشاركة تمثل إنتاجاً صافياً جديداً، لكنه يوضح الحجم الهائل للتحول الذي حدث في عرض العمل النسائي. إذا افترضنا بصورة محافظة أن متوسط القيمة المضافة السنوية للعامل الإضافي يقع حول 100 ألف ريال، فإن 1.3 مليون عاملة إضافية يمكن أن ترتبط بقيمة إنتاجية تقارب 130 مليار ريال سنوياً. وإذا ارتفع متوسط القيمة المضافة إلى 125 ألف ريال، يصبح الرقم نحو 163 مليار ريال، وإذا بلغ 150 ألف ريال فإنه يصل إلى نحو 195 مليار ريال. وبذلك يمكن وضع القيمة الإجمالية النظرية للإنتاج المرتبط بالتوسع في تشغيل المرأة في نطاق يتراوح تقريباً بين 130 و195 مليار ريال سنوياً. إلا أن الاقتصاد الحقيقي أكثر تعقيداً، لأن بعض هذه الوظائف كان يمكن أن يشغلها أشخاص آخرون، وبعض الوظائف تعتمد على إنفاق أو استثمار كان سيحدث بصرف النظر عن جنس العامل، ولذلك يمكن تطبيق معامل تحفظي للإضافية الصافية. وإذا افترضنا أن 60–80 في المائة فقط من هذا الناتج يمثل قيمة اقتصادية إضافية مرتبطة فعلياً بالتحول في مشاركة المرأة، فإن الأثر المباشر الصافي يمكن أن يقع تقريباً بين 78 و156 مليار ريال سنوياً. ولا ينبغي أن ننظر إلى هذه الأرقام باعتبارها مجرد زيادة في الناتج، لأن المرأة العاملة تولد أيضاً تغيراً كبيراً في توزيع الدخل داخل الأسرة. فإذا افترضنا أن متوسط الدخل السنوي للعاملات الجديدات يقع في نطاق 75–110 آلاف ريال، فإن دخول المرأة إلى سوق العمل على النطاق الذي حدث خلال السنوات الأخيرة يمكن أن يرتبط بنحو 100–143 مليار ريالمن دخول العمل السنوية في السيناريو الحسابي. وهذه الأموال لا تمثل كلها ناتجاً إضافياً، لأن الأجور جزء من القيمة المضافة التي سبق احتسابها، لكنها تمثل تحولاً جوهرياً في اقتصاد الأسرة. فقد انتقلت الأسرة في كثير من الحالات من الاعتماد على مصدر دخل واحد إلى وجود مصدرين للدخل، وأصبحت المرأة قادرة على الادخار والاستثمار والمساهمة في شراء المسكن والسيارة والتعليم والرعاية الصحية والترفيه والسفر وغيرها من الأنشطة. ومن هنا فإن أهمية عمل المرأة لا تكمن فقط في الراتب الذي تحصل عليه، وإنما في إعادة تشكيل الهيكل المالي للأسرة السعودية.
ويظهر أثر قيادة المرأة بصورة مختلفة. فالقيادة لا تنتج الناتج المحلي مباشرة، لكنها خفضت أحد القيود التي كانت تحول دون الوصول إلى العمل والتعليم والخدمات. حيث كان ما تدفعه المرأة للوصول والرجوع من العمل يقارب مرتبها. مما يضطرها لاستقدام السائق الأجنبي والذي كانت تركب معه وبدون محرم. ولذلك فإن الأثر الاقتصادي الحقيقي للقيادة يكمن في كونها بنية تمكينية لسوق العمل. فعندما تستطيع المرأة الوصول إلى العمل بصورة مستقلة، يصبح نطاق الوظائف التي تستطيع قبولها أكبر، وتقل تكلفة التنقل، وينخفض الاعتماد على أفراد الأسرة أو السائقين والعمالة الأجنبية، ويصبح وقت المرأة أكثر قابلية للتحويل إلى عمل أو تعليم أو إنتاج أو رعاية أو استهلاك. وإذا افترضنا بصورة أخرى أن التنقل المستقل يوفر للمرأة العاملة في المتوسط نصف ساعة يومياً، فإن 1.3 مليون امرأة يمكن أن يحررن نحو 162.5 مليون ساعة سنوياً بافتراض 250 يوم عمل. وإذا أعطينا ساعة العمل قيمة اقتصادية تقديرية تتراوح بين 30 و40 ريالاً، فإن قيمة الوقت المحرر تتراوح بين نحو 4.9 و6.5 مليار ريال سنوياً، ويمكن أن ترتفع إلى نحو 10–13 مليار ريال إذا بلغ متوسط الوقت المحرر ساعة يومياً. وهذه ليست كلها قيمة مضافة مباشرة في الناتج المحلي، وإنما قيمة اقتصادية للوقت الذي أصبح متاحاً للاستخدام في أغراض أخرى. ومن هنا يمكن طرح مفهوم «اقتصاد تحرير الوقت» باعتباره أحد الآثار غير المباشرة المهمة لعمل المرأة وقيادتها. فالأسرة التي يعمل فيها شخصان بدلاً من شخص واحد تواجه ارتفاعاً في قيمة الوقت المتاح، ولذلك تبدأ بعض الأنشطة التي كانت تنتج داخل المنزل بالانتقال إلى السوق. فالطعام الذي كان يطبخ بالكامل في المنزل يمكن أن يصبح جزئياً طعاماً جاهزاً، والتسوق الذي كان يتم بصورة تقليدية يتحول إلى التسوق الإلكتروني، والانتقال الذي كان يعتمد على أحد أفراد الأسرة أو السائق يصبح تنقلاً مستقلاً، وبعض الخدمات المنزلية تنتقل إلى شركات متخصصة. وهذا التحول يؤدي إلى زيادة النشاط الاقتصادي المقاس في السوق، حتى وإن كان جزء من هذا النشاط يمثل انتقالاً لإنتاج كان موجوداً أصلاً داخل الأسرة إلى إنتاج يباع ويشترى في السوق. وهذا يفسر جزئياً التوسع الذي شهدته المطاعم والمقاهي وخدمات التوصيل في السعودية، ولكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن ننسب هذا التوسع كله إلى عمل المرأة. فهناك عوامل أخرىثيرة، منها ارتفاع الدخل، والتحضر، ونمو السياحة والترفيه، وانتشار الهواتف الذكية، والتجارة الإلكترونية، وتغير أنماط الاستهلاك، وارتفاع عدد الشباب، وتوسع القطاع الخاص ما أوجده من فرص عمل. إلا أن زيادة عمل المرأة ترفع قيمة الوقت الأسري، ومن ثم يمكن أن تكون أحد العوامل التي تزيد الطلب على الخدمات التي توفر الوقت. ويمكن في نموذج محافظ افتراض أن جزءاً محدوداً من النشاط الإضافي في قطاع المطاعم والخدمات الغذائية يرتبط بتغير نمط العمل والأسرة، بما قد يمثل عدة مليارات من الريالات سنوياً من النشاط الاقتصادي المرتبط بهذا التحول. ولا ينبغي إضافة هذه القيمة بالكامل إلى أثر العمل، لأن جزءاً منها يمثل استبدال الإنتاج المنزلي بالإنتاج السوقي.
وينطبق الأمر نفسه على قطاع التوصيل. فقد تجاوز عدد طلبات التوصيل في السعودية 300 مليون طلب خلال 2025، وأصبح التوصيل جزءاً من البنية اليومية للاقتصاد الحضري. ومن الصعب تحديد النسبة التي يمكن نسبها مباشرة إلى عمل المرأة، لأن القطاع يتأثر بمجموعة كبيرة من المتغيرات، إلا أن التحول في نمط الحياة والعمل والأسرة يمثل أحد العوامل التي تفسر زيادة الطلب على خدمات توفير الوقت. وبالتالي يمكن اعتبار قطاع التوصيل مثالاً على الكيفية التي يؤدي بها التغير في سوق العمل إلى خلق سلاسل اقتصادية جديدة تشمل المطاعم، والمنصات الرقمية، والمستودعات، والسائقين، والدفع الإلكتروني، والخدمات اللوجستية، والتسويق الرقمي. أما قطاع النقل والسيارات فقد شهد هو الآخر إعادة توزيع مهمة للطلب. فالمرأة التي أصبحت تقود أصبحت مستهلكاً مستقلاً للسيارة والتأمين والوقود والصيانة والإطارات ومواقف السيارات ومدارس القيادة وخدمات التمويل والتأجير. لكن من الخطأ احتساب كل هذه النفقات باعتبارها ناتجاً جديداً؛ لأن جزءاً منها كان سيذهب سابقاً إلى السائقين أو وسائل نقل أخرى. ولذلك فإن الأثر الحقيقي يتمثل في تغير هيكل الطلب الاقتصادي، وظهور أسواق وخدمات مرتبطة بالمستهلكة الجديدة، وزيادة قدرة المرأة على الوصول إلى أماكن العمل والتعليم والخدمات. وإذا افترضنا بصورة أولية أن القيمة المضافة الصافية لريادة الأعمال النسائية تقع في نطاق 5–15 مليار ريال سنوياً، فإن ذلك يمثل جزءاً إضافياً من الجدوى الاقتصادية، لكنه أيضاً يحتاج إلى بيانات تفصيلية عن الإيرادات والأرباح والقيمة المضافة حتى يتحول من تقدير تحليلي إلى قياس إحصائي. وربما يكون أثر الإنتاجية أهم من مجرد عدد النساء العاملات. فالسعودية تستثمر منذ سنوات في تعليم المرأة، وتبلغ نسبة النساء ذوات التعليم الجامعي مستويات مرتفعة. وإذا كان الاقتصاد لا يستخدم هذه المهارات بصورة كاملة، فإن المشكلة ليست فقط في عدم وجود الوظيفة، وإنما في وجود فجوة بين رأس المال البشري المتاح والوظائف التي تستفيد منه. ومن ثم فإن انتقال المرأة المتعلمة إلى وظائف تتناسب مع تخصصها وخبرتها يمكن أن يرفع إنتاجية الاقتصاد. وفي المقابل، تشير البيانات إلى استمرار فجوة في متوسط الأجور بين الرجال والنساء، ما يدل على وجود مجال لزيادة كفاءة استخدام رأس المال البشري النسائي. وإذا افترضنا بصورة تحليلية أن تحسين مواءمة امهارات وزيادة الإنتاجية يرفع القيمة المضافة للعمل النسائي بنسبة 5–10 في المائة، فإن ذلك يمكن أن يضيف نحو 6.5–20 مليار ريال سنوياً في السيناريوهات التي حسبناها. وهذا الرقم ينبغي اعتباره فرضية بحثية تحتاج إلى الاختبار وليس نتيجة مثبتة.
ومن الآثار المهمة أيضاً تقليص الاعتماد الاقتصادي على دخل الزوج. ففي النموذج التقليدي ذي مصدر الدخل الواحد، يمكن أن يؤدي فقدان وظيفة الزوج أو انخفاض دخله إلى صدمة كبيرة للأسرة. أما وجود دخل نسائي مستقل فيزيد من مرونة الأسرة وقدرتها على تحمل البطالة والمرض وتقلبات الاقتصاد. وهذه قيمة اقتصادية حقيقية حتى لو لم تظهر مباشرة في الناتج المحلي. ويمكن قياسها مستقبلاً من خلال مؤشرات مثل انخفاض تقلب دخل الأسرة، وزيادة الادخار، وارتفاع القدرة على تحمل الصدمات، وتحسن الاستثمار في تعليم الأبناء، وارتفاع ملكية الأصول، وزيادة القدرة على التخطيط المالي طويل الأجل. غير أن أي دراسة جادة للجدوى الاقتصادية لتمكين المرأة يجب ألا تحسب المنافع فقط، بل يجب أن تدرس أيضاً التكاليف والآثار المقابلة. ومن أهمها الأثر الديموغرافي المحتمل. فقد انخفض معدل الخصوبة في السعودية من نحو 2.8 طفل للمرأة في 2011 إلى نحو 2.1 في 2022، وهو انخفاض مهم ينبغي أخذه في الاعتبار عند دراسة التحول الاجتماعي والاقتصادي. ولكن لا يمكن علمياً القول إن عمل المرأة هو السبب المباشر لهذا الانخفاض؛ فالخصوبة كانت تتراجع قبل رؤية 2030، وهناك عوامل عديدة يمكن أن تؤثر فيها، منها ارتفاع مستوى التعليم، والتحضر، وارتفاع تكاليف السكن والزواج، وتغير العمر عند الزواج، وتغير التفضيلات الأسرية، وتكاليف رعاية الأطفال، وطبيعة الحياة الحضرية. ولذلك فإن العلاقة بين العمل والإنجاب يجب أن تطرح باعتبارها فرضية تحتاج إلى دراسة، وليس حقيقة سببية محسومة. ومع ذلك فإن من المهم اقتصادياً إدخال هذا العامل في النموذج. فقد يكون انخفاض عدد الأطفال في المدى القصير مصحوباً ببعض الوفورات في تكاليف الأسرة والتعليم والرعاية، ولكنه قد يؤدي في المدى الطويل إلى انخفاض حجم قوة العمل المستقبلية وارتفاع نسبة كبار السن إلى السكان العاملين. وبالتالي فإن الأثر الديموغرافي يجب أن يحسب على مدى عقود وليس سنة واحدة. ويمكن التعبير عنه بالمعادلة التالية: الأثر الديموغرافي الصافي يساوي الوفورات قصيرة الأجل الناتجة عن انخفاض عدد المعالين مطروحاً منها الخسارة المحتملة في قوة العمل والإنتاج في المستقبل. وهذا يجعل المسألة الديموغرافية واحدة من أهم المجالات التي تحتاج إلى نمذجة مستقبلية ضمن رؤية 2030 وما بعدها. وبناءً على هذه الحسابات يمكن وضع ثلاثة سيناريوهات أولية للجدوى الاقتادية. في السيناريو المحافظ، يمكن أن يتراوح الأثر الاقتصادي السنوي الصافي المباشر وغير المباشر القابل للإسناد إلى تحول مشاركة المرأة بين نحو 96 مليار ريال، وفي السيناريو المتوسط يمكن أن يبلغ نحو 150 مليار ريال، بينما يمكن أن يصل في السيناريو المرتفع إلى نحو 210–212 مليار ريال. وبالمقارنة مع ناتج محلي يقارب 4 تريليونات ريال، فإن هذه القيم تعادل تقريباً 2.4 في المائة في السيناريو المحافظ، و3.7 في المائة في السيناريو المتوسط، ونحو 5.2 في المائة في السيناريو المرتفع.
ومن المفيد كذلك مقارنة هذه النتيجة بتقدير اقتصادي كلي مستقل. فقد استخدمت دراسات لصندوق النقد الدولي علاقات كمية تربط ارتفاع مشاركة المرأة في قوة العمل بارتفاع الناتج في اقتصادات الخليج. وعند تطبيق مثل هذه العلاقات بصورة تقريبية على الارتفاع الكبير الذي شهدته مشاركة السعوديات، يمكن الوصول إلى أثر اقتصادي كلي أعلى من 200 مليار ريال. وهكذا يمكن صياغة الصورة الاقتصادية الكاملة على النحو التالي: المرأة التي دخلت سوق العمل لم تضف موظفة جديدة إلى الاقتصاد فقط، وإنما أضافت إنتاجاً ودخلاً واستهلاكاً وادخاراً واستثماراً ورأس مال بشرياً جديداً إلى الدورة الاقتصادية. والمرأة التي أصبحت تقود لم تحصل فقط على وسيلة انتقال جديدة، وإنما انخفضت تكلفة وصولها إلى سوق العمل والتعليم والخدمات، وأصبح وقتها أكثر قابلية للاستخدام الاقتصادي. والأسرة التي أصبح لديها دخلان لم تحصل فقط على أموال إضافية، وإنما تغيرت قدرتها على تحمل المخاطر والاستثمار والاستهلاك. كما أن الاقتصاد الذي دخلته المرأة لم يحصل فقط على موظفات، وإنما حصل على مستهلكات جديدات، ورائدات أعمال، ومستثمرات، ومديرات، وصاحبات قرار، ومساهمات في قطاعات جديدة. ولكن هذه الصورة الإيجابية اقتصادياً لا تعني أن التحول بلا تكاليف أو آثار جانبية. فارتفاع مشاركة المرأة قد يرفع الطلب على الحضانات والرعاية والنقل والخدمات، وقد يؤدي تغير نمط الحياة إلى زيادة الإنفاق على المطاعم والتوصيل والخدمات المنزلية، وقد يترافق مع تغيرات في الزواج والإنجاب وتكوين الأسرة. ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الأكثر نضجاً بعد المرحلة الأولى من رؤية 2030 لم يعد مجرد «كيف ندخل المرأة إلى سوق العمل؟»، وإنما أصبح: كيف نبني اقتصاداً يسمح للمرأة بالعمل والإنتاج، وفي الوقت نفسه يحافظ على قدرة الأسرة على الاستمرار والنمو، ويمنع تحول العمل إلى ضغط إضافي على الأسرة، ويعالج الآثار الديموغرافية المحتملة؟ ومن هنا يمكن أن تنتقل السعودية إلى المرحلة الثانية من السياسة الاقتصادية للمرأة، وهي الانتقال من تمكين المرأة من العمل إلى تعظيم القيمة الاقتصادية والاجتماعية لعمل المرأة. وهذا يعني زيادة مواءمة الوظائف مع المؤهلات، وتقليص فجوة الأجور، وتوسيع العمل المرن والعمل عن بعد، وتطوير الحضانات ورعاية الأطفال، وتحسين النقل الحضري، ودعم ريادة الأعمال النسائية، وربط التعليم بسوق العمل، وتجيع الوظائف ذات الإنتاجية العالية، وفي الوقت نفسه بناء سياسات أسرية تساعد المرأة على الجمع بين العمل وتكوين الأسرة. وبذلك يمكن النظر إلى تجربة السعودية منذ 2016 باعتبارها تجربة اقتصادية واجتماعية واسعة لإعادة توزيع رأس المال البشري. فقد انتقل جزء كبير من المرأة السعودية من موقع المستهلكة أو المعالة اقتصادياً إلى موقع المنتج والمستهلك والمستثمر وصاحب القرار الاقتصادي. وتبقى المهمة العلمية الآن هي الانتقال من التقدير النظري إلى القياس الفعلي وربط مشاركة المرأة بالإنتاجية والأجور والقطاعات والإنفاق الأسري والنقل والمطاعم والتوصيل وريادة الأعمال والزواج والخصوبة، ثم بناء نموذج مدخلات ومخرجات ونموذج ديموغرافي طويل الأجل يحدد القيمة المضافة الصافية ِبدقة أكبر.