أحمد آدم
لم يكن مشهد خروج العشرات من الوفود الدبلوماسية لحظة صعود بنيامين نتنياهو منصة الأمم المتحدة مجرد حادثة عابرة، بل كان استفتائاً حياً على عمق «العزلة الدولية» غير المسبوقة التي تطوق إسرائيل. وفيما حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي تحويل القاعة الأممية إلى منصة تعبوية لسباقه الانتخابي الداخلي عبر هجوم حاد طال الأعداء والحلفاء على حد سواء، تكشفت سريعاً حدود هذا الاستعراض. فالواقع السياسي يشي بأن المنطقة تتجه نحو تحولات إقليمية تتجاوز «عقبة نتنياهو»، بينما يندفع هو شخصياً نحو قدرٍ معقد: رحيلٌ قد يُريح المنطقة وإسرائيل، لكنه يفتتح بالنسبة له رحلة مطاردة مفتوحة بين أشباح الاغتيال وشبح السجن.
أولاً: مشهد الأمم المتحدة: الانسحاب الجماعي والهجوم المفتوح
شهد خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (الخميس الموافق 24 سبتمبر2026) انسحاباً جماعياً كبيراً لعشرات الوفود الدبلوماسية بمجرد اعتلائه المنصة وبدء كلمته. تشير التقارير الإعلامية، ومنها ما نقلته وكالات الأنباء مثل أسوشيتد برس، إلى أن نحو 77 وفداً دبلوماسياً غادروا القاعة بشكل جماعي واحتجاجي. كما أظهرت مقاطع الفيديو الحية المنشورة عبر وسائل الإعلام العالمية مثل شبكة BBC البريطانية خروج الوفود تباعاً مما ترك أجزاءً واسعة من المقاعد فارغة تماماً داخل القاعة، وترافق ذلك مع صيحات استهجان وتصفيق في اللحظات الأولى، مما دفع رئيس الجلسة للمطالبة بالنظام عدة مرات. ولم يمر المشهد دون تعليق من نتنياهو حيث استهل كلمته بمهاجمة الدبلوماسيين المغادرين ووصفهم بـ«الجبناء أخلاقياً»، ودعا أي شخص آخر يفكر في المغادرة إلى الخروج فوراً. وقد جاء هذا الانسحاب استجابةً لتحرك مسبق قادته البعثة الفلسطينية في الأمم المتحدة، والتي دعت الدول الأعضاء للاحتجاج على السياسات الإسرائيلية. يذكر أن هذه الخطوة تكررت في دورات الجمعية العامة الأخيرة تعبيراً عن الاعتراض الدولي على الحرب المستمرة في غزة.
1- خريطة الاستهداف: تصفية الحسابات السياسية عبر المنبر الأممي
اتسم خطاب نتنياهو الأخير في الأمم المتحدة بهجوم حاد ومباشر طال الجميع تقريباً، سواء كانوا أعداءً أو حلفاء تقليديين، بالإضافة إلى مسؤولين محليين في نيويورك. وصف المحللون والتقارير الإخبارية، ومنها ما نشرته قناة الجزيرة وصحيفة نيويورك تايمز، هذا الخطاب بأنه كان «هجومياً وشرساً للغاية»، واستغله نتنياهو لتصفية حسابات سياسية وتوجيه رسائل لجمهوره الداخلي نظراً لاقتراب الانتخابات الإسرائيلية. شمل هجوم نتنياهو الأطراف التالية:
أ - الدبلوماسيين المغادرين للقاعة: وصف الوفود التي انسحبت فور صعوده للمنصة بـ «الجبناء أخلاقياً».
ب - حلفاء إسرائيل التقليديين (بريطانيا وفرنسا): وجّه إليهم لوماً لاذعاً بسبب انتقاداتهم للسياسات الإسرائيلية واتهامات الاستعمار، وقال بحدة: «إنهم يتهمون إسرائيل الصغيرة بالاستعمار.. يا لإلهي، هم من اخترعوا هذا المصطلح!». هجوم نتنياهو الحاد على لندن وباريس بشأن «الاستعمار» ليس مجرد انفعال، بل يعكس إدراكه بأن القطب الأوروبي بدأ يبتعد فعلياً عن الغطاء المطلق لإسرائيل عبر عقوبات المستوطنين والاعتراف المتزايد بالدولة الفلسطينية، وهو ما يزيد من ارتهان إسرائيل التام بالداخل الأمريكي فقط.
جـ - رئيس بلدية نيويورك (زهران ممداني): في خطوة غير معتادة، هاجم نتنياهو رئيس بلدية نيويورك المسلم «زهران ممداني» بشكل مباشر من على منصة الأمم المتحدة، متهماً إياه بمعاداة السامية ونشر الأكاذيب ومحاولة منعه من القدوم، قائلاً له: «لا يمكنك إسكاتي».
د - تركيا والرئيس أردوغان: هاجم تركيا بشدة ووصف رئيسها بـ «الطاغية» واتهم أنقرة بنشر أكاذيب معادية للسامية وإيواء قادة حماس.
هـ - إيران والقوى الإقليمية: واصل هجومه المعتاد على إيران، وحزب الله، وحماس، والحوثيين. ودافع بقوة عن الحرب والضربات الجوية التي شُنت على طهران بالتنسيق مع الولايات المتحدة، معتبراً أن سقوط النظام الإيراني «مسألة وقت فقط».
و - انتقاد ومهاجمة دولة قطر: وجّه نتنياهو انتقادات لقطر بسبب ما اعتبره تقصيراً في ملف مفاوضات الأسرى والضغط على حماس. وأصدرت الخارجية القطرية رداً رسمياً عقب الخطاب رفضت فيه تلك الاتهامات، واصفة إياها بأنها «محاولة بائسة لصرف الأنظار عن انتهاكات حكومته في فلسطين».
ز - ادعاء «التأييد السري»: زعم نتنياهو في كلمته أن العديد من قادة الدول الذين غادرت وفودهم القاعة «يشكرون إسرائيل سراً في الغرف المغلقة» بسبب توجيهها ضربات عسكرية للبرنامج النووي الإيراني، وهو ادعاء اعتبره مراقبون محاولة لإحراج الأنظمة العربية وتبرير العزلة الدولية التي واجهها داخل القاعة. وكذا استمراره في سياسة دق الأسافين بين العرب وايران.
وفي المقابل، وبحسب تقارير عبرية وثقتها منصات إخبارية عربية، تعمد نتنياهو عدم مهاجمة الدول الموقعة على اتفاقيات السلام (اتفاقيات أبراهام)، حيث لُحظ أن وفود دول مثل الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والمغرب آثرت البقاء في مقاعدها وتابعت الخطاب دون المشاركة في المقاطعة الدبلوماسية.
2 - تفكيك «المشهد العاطفي»: بين الانفعال التكتيكي وشائعات البكاء
سرت اشاعة ببكاء نتنياهو اثناء القاء خطابة الا أنه في الواقع لم يبكِ على الإطلاق خلال خطابه في الأمم المتحدة. على العكس تماماً، اتسم أسلوب نتنياهو خلال الكلمة بالهجوم الشديد والغضب والحدة العالية؛ حيث شوهد وهو يضرب بقبضته على المنصة عدة مرات ويرفع صوته بنبرة استعلائية لمهاجمة منتقديه والدول التي غادرت القاعة. ولكن من أين جاءت هذه الإشاعة؟. تداولت بعض الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي ادعاءات حول بكائه، لكن بالرجوع إلى تفاصيل الخطاب والتقارير الموثقة مثل صحيفة نيويورك تايمز، تبيّن أن نتنياهو مرّ بـ«لحظة عاطفية وانفعالية غاضبة» وليس بكاءً، وذلك عند حديثه عن واقعة محددة تخص عائلته وبيئته السياسية:
* إصابة ابن سفير إسرائيل: أبدى نتنياهو تأثراً وغضباً وهو يوجه كلمات الدعم والتضامن لسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة (يحيئيل لايتر)، بعد تعرض ابنه «نيريا» لإصابة خطيرة في عملية عسكرية قبل يوم واحد من الخطاب.
* استحضار سيرة شقيقه: تملكه الانفعال الحاد وهو يستذكر شقيقه الأكبر «يوناتان نتنياهو» الذي قُتل عام 1976 في عملية «عنتيبي» بأوغندا، حيث استخدم عبارته الشهيرة: «سوف ننتصر، ليس لدينا خيار آخر» ليخاطب بها الناخبين في الداخل الإسرائيلي مع اقتراب الانتخابات.
ثانياً: الداخل الإسرائيلي: صدمة «الكراسي الفارغة» وتصاعد الانقسام
انقسمت ردود الفعل في الداخل الإسرائيلي بشكل حاد وتراوحت بين الدعم المطلق والهجوم اللاذع، حيث عكست الانقسام السياسي العميق في المجتمع الإسرائيلي. ويمكن تقسيم ردود الفعل إلى مرحلتين:
1 - صدمة العزلة: سجال اليمين والمعارضة حول الانسحاب
شكل مشهد الكراسي الفارغة والانسحاب الجماعي صدمة بصرية تابعتها وسائل الإعلام الإسرائيلية:
أ - أنصار نتنياهو واليمين: قللوا من شأن الانسحاب، واعتبروا أن الوفود المغادرة تمثل دولاً «معادية تاريخياً لإسرائيل» أو داعمة لحماس وإيران. واحتفت المنصات المقربة من الحكومة برد نتنياهو السريع عندما وصفهم بـ»الجبناء أخلاقياً»، معتبرين تصرفه دليلاً على القوة وعدم الاكتراء بالعزلة الدولية.
ب - المعارضة الإسرائيلية وتيار الوسط: اعتبروا مشهد القاعة الشبه فارغة دليلاً دامغاً على العمق الرهيب للعزلة الدولية التي آلت إليها إسرائيل بسبب سياسات الحكومة الحالية. ورأى محللون في صحف مثل يديعوت أحرونوت وهآرتس أن المشهد كان «مهيناً» ومؤشراً على خسارة إسرائيل للدعم الدبلوماسي العالمي، حتى وإن بقيت الولايات المتحدة في مقعدها.
2 - تقييم الخطاب: بين التعبئة الانتخابية واتهامات الإضرار بالحلفاء
جاءت التقييمات في الداخل الإسرائيلي متناقضة تماماً بين الإشادة باعتباره خطاباً تعبوياً قوياً، وبين الانتقاد لكونه خطاباً انتخابياً شخصياً:
* الإشادة (من معسكر اليمين والائتلاف الحكومي):
- استعراض القوة والتحدي: أشاد أنصاره برفضه تقديم أي تنازلات، وتأكيده على مبدأ «ليس لدينا خيار سوى الانتصار».
- الهجوم على الخصوم: نال هجومه المباشر على منتقدي إسرائيل (مثل رئيس بلدية نيويورك ممداني، وفرنسا، وبريطانيا، وتركيا) استحساناً كبيراً لدى جمهوره الذي يفضل النبرة الهجومية والصريحة.
- الملفات الأمنية: اعتبر الائتلاف الحاكم أن رفعه لأدوات بصرية مثل جهاز «البيجر» رسالة ردع قوية لأعداء إسرائيل تفيد بأن الذراع العسكرية والأمنية لإسرائيل قادرة على الوصول للجميع.
* الانتقاد اللاذع (من المعارضة وعائلات الأسرى والشارع الاحتجاجي):
- خطاب انتخابي داخلي: اتهم يائير لبيد وقادة المعارضة نتنياهو بأنه سافر إلى نيويورك لإلقاء خطاب موجه للناخب الإسرائيلي ولصالح بقائه السياسي الشخصي، بدلاً من إلقاء خطاب دبلوماسي يبني تحالفات دولية حقيقية لإسرائيل.
- تجاهل الأسرى والحلول السياسية: انتقدت عائلات المحتجزين الإسرائيليين الخطاب بشدة، واعتبرت أن نبرته الهجومية وإصراره على مواصلة الحروب على 7 جبهات يغلق الباب تماماً أمام أي صفقة تبادل لإعادة أبنائهم، مشيرين إلى أنه فضل «الاستعراض اللفظي» على إنقاذ الأرواح.
- صناعة أعداء جدد: انتقد خبراء في العلاقات الخارجية هجومه غير المبرر على حلفاء تقليديين مثل بريطانيا وفرنسا، معتبرين أن إثارة الأزمات الدبلوماسية مع قوى عظمى من على منصة الأمم المتحدة تضر بمصالح إسرائيل الإستراتيجية.
3 - استطلاعات الرأي: تراجع الائتلاف وصعود «معسكر التغيير»
تأثرت استطلاعات الرأي في الداخل الإسرائيلي بشكل ملحوظ ومباشر بالخطاب والأحداث المحيطة به، خاصة مع اقتراب الانتخابات العامة الحاسمة المقررة في 27 أكتوبر 2026. فقد حقق الخطاب أهدافه التعبوية لجمهور اليمين، لكن تداعيات «مشهد الانسحاب» والعزلة الدولية عمّقت مخاوف تيار الوسط والمعارضة، وهو ما انعكس بدقة على الأرقام الحالية:
أ - تراجع مقاعد الائتلاف الحاكم:وفقاً لأحدث استطلاع رأي نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية في 25 سبتمبر 2026، تراجع مجموع المقاعد المتوقعة لأحزاب ائتلاف نتنياهو الحاكم إلى 49 مقعداً فقط في الكنيست. وجاء هذا التراجع بعد خسارة الأحزاب الدينية الحليفة له (مثل شاس ويهدوت هتوراة) لمقاعد كانت مضمونة لصالح قوى المعارضة.
ب - صعود «معسكر التغيير» والمعارضة: في المقابل، أظهرت الاستطلاعات تقدم أحزاب «المعارضة الصهيونية» لتصل إلى 55 مقعداً. كما رصد استطلاع قناة القاهرة الإخبارية نقلاً عن القنوات الإسرائيلية تقدم «كتلة التغيير» المناهضة لنتنياهو بفارق ضئيل، حيث حصلت على 52 مقعداً مقابل 51 لكتلة نتنياهو، مما يعكس خسارته للصدارة التي حققها مؤخراً.
جـ - تنامي المخاوف الشعبية من «العزلة الدولية»:أفرزت أحداث الأمم المتحدة تأثيراً نفسياً وسياسياً واضحاً على الناخب الإسرائيلي؛ حيث أظهر استطلاع خاص برصد انطباعات الشارع بعد الخطاب تنامي مخاوف الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين من انهيار مكانة تل أبيب الدولية. مشهد القاعة الشبه فارغة والانسحاب الجماعي عمّق القلق لدى الناخبين من خسارة الحلفاء التقليديين (مثل بريطانيا وفرنسا وكندا) الذين فرضوا عقوبات على المستوطنات مؤخراً.
على الرغم من أن نتنياهو تعمد تصميم خطابه باللغة الإنجليزية في «وقت الذروة» التلفزيوني بإسرائيل ليبدو في ثوب «المدافع الصلب والأوحد» عن الأمن القومي، إلا أن النتيجة جاءت عكسية في صناديق استطلاعات الرأي. فقد استغلت المعارضة مشهد الكراسي الفارغة لإقناع المترددين بأن سياسات نتنياهو تقود إسرائيل إلى «عزلة دولية غير مسبوقة»، مما حرمه من فرصة تحقيق قفزة انتخابية كان يأملها من هذه الزيارة.
ثالثاً: المواقف الدولية: اتساع رقعة العزلة وانقسام الحلفاء
أثار خطاب بنيامين نتنياهو وما صاحبه من انسحاب دبلوماسي واسع موجة عارمة من ردود الفعل الدولية المتباينة، والتي عكست الانقسام العالمي الحاد حول الحرب ومكانة إسرائيل الدولية.
1 - واشنطن: غطاء رسمي وشرخ مكتوم في الشارع والسياسة
حافظ الوفد الأمريكي الرسمي على مقعده داخل القاعة ولم ينسحب. ومع ذلك، غلف الفتور الموقف الرسمي نظراً للهجوم غير المباشر لنتنياهو على بعض السياسات الأمريكية، ورغم الإمداد المستمر بالسلاح، تشهد العلاقات شرخاً خلف الكواليس. وقد شهدت شوارع نيويورك المحيطة بمقر الأمم المتحدة احتجاجات شعبية ضخمة. قادت منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام تظاهرات حاشدة نددت بالخطاب وطالبت بوقف فوري للحرب، مما دفع شرطة نيويورك لاعتقال عشرات المتظاهرين بتهمة إغلاق الطرق. كما اندلعت مشادة كلامية علنية؛ فبعد اتهام نتنياهو لرئيس البلدية زهران ممداني بمعاداة السامية، رد ممداني في بيان رسمي بأن نتنياهو «استغل منبر الأمم المتحدة لتكرار أكاذيب لا أساس لها لتبرير الإبادة الجماعية»، مؤكداً أن الخطاب لن يغير حقيقة ملاحقته من المحكمة الجنائية الدولية.
2 - أنقرة: هجوم مضاد وقيادة حراك المقاطعة
شنت الرئاسة التركية هجوماً مضاداً وعنيفاً على نتنياهو بعد وصفه للرئيس أردوغان بـ»الطاغية». وصرح مدير الاتصالات بالرئاسة التركية بأن «تصريحات نتنياهو الشائنة والمثيرة للاشمئزاز لا يمكنها إخفاء مجازره، أو الكارثة الإنسانية في غزة، أو الإجراءات القانونية المرفوعة ضده بموجب القانون الدولي». وكان الوفد التركي من أوائل الوفود التي قادت وأيدت خطة الانسحاب الجماعي بالتنسيق مع البعثة الفلسطينية.
3 - طهران: التجاهل الميداني ورسائل «سليماني»
جاء خطاب نتنياهو مليئاً بالوعيد لإيران وتنبؤات بسقوط نظامها. ردت البعثة الإيرانية بالإشارة إلى خطاب رئيسها مسعود بزشكيان الذي ألقاه قبلها بيوم، واصفةً إسرائيل والولايات المتحدة بـ»رعاة الإرهاب» في المنطقة. وفي أعقاب الخطاب، حاول سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون التوجه نحو رئيس الوفد الإيراني بشكل استفزازي حاملاً جهاز «ستارلينك» (الذي رفعه نتنياهو كرمز لفك حجب الإنترنت عن الإيرانيين)، إلا أن الوفد الإيراني تجاهله تماماً وتجنب النظر إليه. بالإضافة إلى ذلك، تعمد الوفد الإيراني ترك صورة قاسم سليماني على مقعدهم الفارغ قبل انسحابهم.
4 - بكين وموسكو: التنديد بتوسيع الصراع
أ - روسيا: لم يشارك الوفد الروسي في خطوة المقاطعة والانسحاب احتجاجاً على الخطاب، لكن موسكو انتقدت النهج الإسرائيلي في التعامل مع القضية الفلسطينية والتصعيد الإقليمي، وجددت مواقفها الداعية إلى احترام قرارات الأمم المتحدة والدفع نحو حل الدولتين.
ب - الصين: غادر معظم أعضاء الوفد الصيني القاعة، فيما أبقى الوفد ممثلاً واحداً له. وجددت بكين مواقفها الداعية إلى احتواء الصراع، ومنح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، والدفع نحو إقامة الدولة الفلسطينية على أساس حل الدولتين.
أجمع المراقبون الدوليون على أن هذا الحدث عمق من «العزلة الدبلوماسية غير المسبوقة» لإسرائيل، حيث أظهرت لقطات القاعة الخالية أن حلفاء إسرائيل باتوا قلة محدودة جداً على الساحة الدولية.
رابعاً: إسرائيل والمنطقة ما بعد نتنياهو: مستقبل التحالفات ومصير الرجل
تشير التحليلات السياسية الصادرة عن معاهد دراسات الشرق الأوسط وصحف عالمية مثل نيويورك تايمز إلى أن مستقبل تحالفات إسرائيل الإقليمية يرتبط بالدولة العميقة والمصالح الإستراتيجية المشتركة، وليس بشخص نتنياهو وحده. ومع ذلك، فإن خروجه من الحكم قد يحدث تغييراً ملموساً في «شكل» وطبيعة هذه التحالفات.
1 - اتفاقيات أبراهام: الحفاظ على المصالح وإزالة «العبء السياسي»
يرى خبراء العلاقات الدولية أن هذه الاتفاقيات بُنيت على أسس اقتصادية، وتكنولوجية، وأمنية تتجاوز الحكومات المتغيرة. بقاء وفود هذه الدول في مقاعدها أثناء خطاب الأمم المتحدة الأخير يعكس رغبة في الحفاظ على قنوات الاتصال الدبلوماسية. ويمثل نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة عبئاً ثقيلًا وحرجاً سياسياً أمام الرأي العام في هذه الدول. رحيله وصعود حكومة من تيار الوسط (مثل يائير لبيد أو بيني غانتس) سيعطي هذه التحالفات دفعة إيجابية، حيث سيكون من الأسهل على هذه العواصم تطوير العلاقات علناً دون ضغوط شعبية ضخمة.
2 - القاهرة وعمّان: إنهاء التوتر المكتوم واستئناف الحوار السيادي
العلاقات مع القاهرة وعمان محكومة باتفاقيات سلام تاريخية وتنسيق أمني استخباراتي وعسكري رفيع المستوى لحماية الحدود والمصالح الإقليمية، وهذا لن يتأثر برحيل نتنياهو. وكانت العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين نتنياهو وكل من مصر والأردن قد شهدت توتراً مكتوماً وعلناً في الآونة الأخيرة بسبب السياسات في غزة ومحور فيلادلفيا. رحيل نتنياهو سيفتح الباب فوراً لاستئناف الحوار السياسي الرفيع وتنسيق ملفات إعادة الإعمار وإدارة المعابر بشكل أكثر مرونة.
3 - الرياض والتطبيع: ربط الاستقرار بـ «المسار الفلسطيني» لا بالأشخاص
تؤكد التقارير أن الموقف السعودي لا يرتبط بوجود نتنياهو أو غيابه، بل بـ محددات إستراتيجية ثابتة أعلنتها الرياض مراراً، وعلى رأسها إيجاد مسار موثوق ولا رجعة فيه لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وكان نتنياهو ومعسكره اليميني يرفضان حل الدولتين تماماً. إذا جاءت حكومة إسرائيلية جديدة تقدم تنازلات حقيقية في الملف الفلسطيني، فقد يمهد ذلك الطريق لإحياء المفاوضات الإقليمية الكبرى برعاية أمريكية.
رحيل نتنياهو لن يؤدي إلى انهيار تحالفات إسرائيل في المنطقة لأنها قائمة على مصالح دول؛ لكنه سيزيل «العقبة النفسية والسياسية الأكبر» التي تعيق تطور هذه العلاقات، وتحولها من مجرد «تنسيق أمني وعسكري خلف الكواليس» إلى سلام سياسي واقتصادي أكثر استقراراً وقبولاً لدى الشعوب العربية.
4 - المأزق الشخصي لنتنياهو: شبح الاغتيال والسجن («سيريح ولن يستريح»)
خروج نتنياهو من السلطة لن يعني بأي حال من الأحوال دخوله مرحلة الاستقرار أو الطمأنينة الشخصية. فتؤكد التقارير الأمنية والاستخباراتية أن بنيامين نتنياهو يواجه تهديدات وجودية وأمنية غير مسبوقة في تاريخ القيادات الإسرائيلية، تجعله هدفاً دائماً للعديد من الأطراف التي تسعى للانتقام منه، وتتوزع هذه المخاطر على جبهات متعددة:
أ - جبهة الاغتيالات الخارجية (إيران وحلفاؤها)
* إيران: وضعت طهران نتنياهو على رأس قائمة الاغتيالات، خاصة بعد الضربات الإستراتيجية التي استهدفت منشآتها العسكرية وقادتها، ومحاولات الاستفزاز المستمرة التي يمارسها ضدها (آخرها في خطاب الأمم المتحدة).
* فصائل المقاومة (حزب الله وحماس): تنظر هذه الفصائل إلى نتنياهو باعتباره المسؤول المباشر عن عمليات اغتيال قادتها الكبار واستهداف كوادرها وتدمير البنى التحتية في غزة ولبنان. هذه التنظيمات تمتلك «حساباً مفتوحاً» وثأراً شخصياً ومؤسسياً معه لن يسقط بمجرد خروجه من مكتب رئيس الوزراء.
ب - التهديدات الأمنية «الداخلية» في إسرائيل
المفارقة أن نتنياهو يواجه تهديدات بالقتل من داخل مجتمعه أيضاً. هناك مخاوف حقيقية لدى جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) من إمكانية تعرضه للاغتيال على يد متطرفين يمنيين أو عائلات الأسرى الغاضبة، والذين قد يرون في أي تسوية سياسية مستقبلية أو فشل في استعادة المحتجزين دافعاً للانتقام منه، على غرار واقعة اغتيال إسحاق رابين عام 1995.
جـ - الملاحقة القضائية والقانونية (السجن كبديل للاغتيال السياسي)
إذا نجا نتنياهو من محاولات الاغتيال الجسدي، فإنه لن ينجو من «الاغتيال السياسي والمدني»؛ حيث تنتظره ملفات ثقيلة بمجرد رفع الحصانة عنه:
* المحاكم المحلية: قضايا الفساد والرشوة وخيانة الأمانة التي تلاحقه في القضاء الإسرائيلي سيعاد تفعيلها بقوة، ويرى كثير من المحللين أن السجن هو المصير الأقرب له بعد الحكم.
* المحاكم الدولية: تظل مذكرات الاعتقال والملاحقة من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب قائمة، مما سيقيد حركته ويمنعه من السفر إلى معظم دول العالم، ليتحول إلى «سجين» داخل حدود بلاده.
رحيل نتنياهو قد يمنح المنطقة وإسرائيل فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه بالنسبة له شخصياً سيكون بداية لرحلة مطاردة طويلة ومعقدة؛ حيث سيفقد المزايا الأمنية الاستثنائية التي توفرها له رئاسة الوزراء، ليجد نفسه محاصراً بين شبح الاغتيال الجسدي من الخارج، والملاحقة القضائية والسجن من الداخل. انه سيريح ولكن لن يستريح.