أحمد يحي البارقي
قد يظن بعضهم أن كاتب الرأي يجلس أمام ورقة بيضاء يبحث عن فكرة يملأ بها عموده ثم يبدأ في صياغة الكلمات، لكن الحقيقة أن كثيراً من المقالات تبدأ قبل ذلك بكثير تبدأ برسالة تصل إلى الكاتب أو شكوى يحملها مواطن أو قضية اجتماعية تستحق أن تجد طريقها إلى الضوء.
كاتب الرأي يعيش بين الناس يسمعهم ويقرأ رسائلهم ويتابع قضاياهم وما يصله يومياً ليس مجرد كلمات عابرة بل حكايات وتجارب ومعاناة وآمال لأشخاص يبحثون عن حل أو يريدون إيصال صوتهم إلى من يستطيع أن يساعدهم.
وهنا تتجلى أهمية هذا الدور فصاحب القرار مهما بلغت قدرته وحرصه لا يمكن أن يرى كل التفاصيل، ولا أن يسمع كل الأصوات ولا أن يكون حاضراً في كل موقع لذلك قد تكون المقالة وسيلة لإيصال ملاحظة أو قضية إلى الجهة المعنية، وقد تكون في أحيان أخرى بداية لاهتمام الباحثين والمختصين بمشكلة اجتماعية تحتاج إلى دراسة أعمق وحلول عملية.
وقد تصل إلى الكاتب مشكلة تبدو في ظاهرها فردية لكنها عند التأمل تكشف عن قضية أوسع تمس شريحة من المجتمع، وهنا يأتي دور القلم في طرح السؤال وتسليط الضوء وفتح المجال أمام المختصين لدراسة الأسباب والنتائج والبحث عن المعالجة المناسبة.
لكن هذه المسؤولية ليست سهلة، فالكاتب لا يتعامل مع موضوعات مجردة وإنما مع حياة الناس ومشكلاتهم، ولهذا فإن عليه أن يتحقق مما يكتب وأن يحترم خصوصية أصحاب القضايا، وأن يستمع إلى مختلف الجوانب متى كان ذلك ممكناً وأن يفرق بين نقل المعاناة وبين إصدار الأحكام فالقلم ليس محكمة والصحافة ليست وسيلة للتشهير وإنما منبر للنقاش المسؤول وخدمة المجتمع.
ومع كثرة الرسائل التي تصل إلى كتاب الأعمدة يحمل الكاتب في داخله شيئاً من هموم أصحابها، وقد ينتهي المقال بمجرد نشره لكن بعض القصص لا تنتهي عند الورق بل تبقى عالقة في الذاكرة لأن وراء كل شكوى انتظارا لحل، ووراء كل رسالة أملاً بأن يجد الصوت من يسمعه.
ولذلك فإن كاتب الرأي لا يكتب دائماً بحثاً عن الشهرة أو الحضور، وإنما قد يكتب لأنه يشعر أن هناك قضية تستحق أن تطرح أو صوتاً يحتاج إلى من ينقله أو مشكلة ربما يساعد تسليط الضوء عليها في الوصول إلى معالجتها.
إن قيمة كاتب الرأي لا تكمن في قدرته على صياغة الكلمات فحسب بل في قدرته على الاستماع لما وراء الكلمات، وتحويل ملاحظات الناس وتجاربهم ومعاناتهم إلى قضايا قابلة للنقاش تصل إلى من يعنيه الأمر.
فالكلمة قد لا تحل مشكلة في يوم وليلة لكنها قد تفتح باباً أو تلفت انتباه مسؤول أو تدفع مختصًا إلى دراسة قضية أو تمنح صاحب المعاناة شعوراً بأن صوته وصل.
ختاماً: كاتب الرأي لا يكتب من فراغ أحياناً يكتب من بين الناس ويحمل في قلمه أمانة أصوات لا تستطيع الوصول وحدها.