د. طلال الحربي
لا يكفي أن يكون ذوو الإعاقة مستفيدين من خدمات الجمعيات، بل لا بد أن يكونوا شركاء حقيقيين في صياغة قراراتها، ذلك هو المبدأ الذي أرسته اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة حين أقرّت صراحةً بمبدأ «لا عمل لنا بدوننا»، وهو ذاته المبدأ الذي تبنّته المملكة العربية السعودية ركيزةً أساسية في نظام حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ نصّت المادة الثانية منه على «تمكين ذوي الإعاقة من المشاركة الفاعلة في إدارة قضاياهم». وانطلاقًا من هذا المنطلق، ومن موقعي بوصفي باحثًا متخصصًا في إمكانية الوصول وعضوًا في عدد من مجالس الجمعيات والهيئات المعنية بهذا الشأن، أرى أن ثمة فجوةً بنيوية، تتمثل في انعدام التمثيل الحقيقي لذوي الإعاقة في مجالس إدارة الجمعيات التي تُقدَّم باسمهم وتُدار من أجلهم.
إن المشهد الراهن يكشف عن مفارقة لافتة؛ فثمة جمعيات تضمّ في قوائمها الآلاف من المنتسبين ذوي الإعاقة، بينما تخلو مجالس إداراتها من أي صوت يعبّر عن تجربتهم الحية ويترجم احتياجاتهم الفعلية. وهذا النمط لا ينسجم مع فلسفة رؤية 2030 التي جعلت من التمكين والشراكة مرتكزَين لا تزيين خطابيًا، ولا يتسق مع التحولات التشريعية والمؤسسية التي أطلقتها المملكة في السنوات الأخيرة. ذلك أن الخدمات المصممة بمعزل عن أصحاب الحاجة إليها كثيرًا ما تُجانب الهدف، وتُنفق الموارد دون أن تحدث الأثر المأمول. وهذا ليس حكمًا نظريًا، بل هو ما تُثبته الدراسات المقارنة في حوكمة المنظمات غير الربحية، كتلك التي أصدرها المنتدى العالمي للحوكمة، والتي أكدت أن تمثيل المستفيدين في مجالس الإدارة يرفع معدلات الفاعلية المؤسسية بصورة ملموسة.
في هذا السياق، يبرز دور المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي دورًا محوريًا لا يمكن إغفاله. فالمركز، بما يملكه من صلاحيات إشرافية وتنظيمية على قطاع الجمعيات والمؤسسات الأهلية، يجد أمامه اليوم فرصة إستراتيجية لإعادة تشكيل منظومة الحوكمة في هذه الجمعيات، وتحويلها من نماذج بيروقراطية مغلقة إلى بنى تشاركية حيّة. ومن أعمق ما يمكن للمركز القيام به في هذا الإطار، اشتراط وجود تمثيل ملزم من المستفيدين في مجالس إدارة الجمعيات ذات الطابع التخصصي، وذلك عبر نظام كوتا تحدده اللوائح التنظيمية وتُلزم به الجمعيات كشرط للترخيص والتمويل والاعتماد.
وما يجعل هذا الطرح قابلًا للتطبيق فعلًا، هو أنه لا يقتصر على جمعيات الإعاقة وحدها، بل يمتد ليشمل كل جمعية تُقدّم خدماتها لفئة بعينها. فجمعيات دعم مرضى السرطان ينبغي أن يكون بين أعضاء مجالس إداراتها مرضى أو ذوو مرضى ممن اكتووا بنار التجربة وعرفوا مساراتها. وجمعيات الأطفال ذوي اضطراب التوحد يجب أن تضم في هياكلها القيادية آباءً وأمهات تعيش هذه التجربة يوميًا، وكذلك الأمر بالنسبة لجمعيات الأمراض المزمنة والأسرة والطفل وغيرها. إذ لا يستقيم عقلًا ولا منهجًا أن يُصمَّم برنامج دعم لأناس لا يشارك أحد منهم في تصميمه. وهذا المبدأ هو ما تعتمده أفضل الممارسات الدولية في بناء المنظمات غير الربحية الفاعلة، حيث تُعدّ مشاركة المستفيدين في الحوكمة معيارًا للجودة المؤسسية لا إضافةً اختيارية.
ولعل من المقترحات التكميلية التي يمكن للمركز الوطني أن يُدرجها في إطاره التنظيمي، تحديد سقف زمني لتولي رئاسة مجالس الإدارة بحيث لا تتجاوز دورتين انتخابيتين متتاليتين، إذ إن الاستمرار المفرط يُعوق الابتكار ويُكرّس النمط التقليدي في إدارة العمل الأهلي. كما يستوجب الأمر مراجعة رسوم العضوية في الجمعيات التي تستهدف فئات ذات احتياجات خاصة، بحيث لا تُشكّل عائقًا ماديًا أمام انخراط أصحاب المصلحة الحقيقيين، فليس من المقبول أن تكون رسوم الانتساب عبئًا يُثبّط المشاركة لمن هم أولى بها. وفوق ذلك كله، لا بد من تعزيز منظومة الشفافية والمحاسبية، وإتاحة قنوات منتظمة تُمكّن المستفيدين من الإسهام في تقييم الخدمات واقتراح مسارات التطوير.
والمؤسف أن غياب هذه المعايير لا يُضعف فاعلية الجمعيات وحسب، بل يُفضي إلى أنماط من الوصاية غير المُعلنة تتعارض مع التوجه الحقوقي الذي اعتمدته المملكة إطارًا جامعًا لسياساتها الاجتماعية. وعندما تُدار شؤون الإعاقة بأيدي من لا يعيشون الإعاقة، وتُصاغ قرارات مرضى السرطان بعيدًا عن أصوات المرضى، وتُخطَّط خدمات التوحد دون حضور أسر الأطفال في قاعة القرار، فإننا إزاء خلل في الحوكمة يتعذّر تبريره مهنيًا أو أخلاقيًا.
تبقى وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ومنظومة المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في موقع يُمكّنهما من قيادة هذا الإصلاح وتأطيره تأطيرًا منهجيًا، لا سيما وأن الوزارة قد أثبتت جدارتها بما أطلقته من برامج تمكينية كبرنامج «مواءمة»، وما قدّمته من خدمات تقييم وإعانة ورعاية لذوي الإعاقة. كما يمثل برنامج الوصول الشامل لمركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة منجزًا نوعيًا يؤشر على قدرة المنظومة على الفعل التحولي. غير أن هذه الجهود جميعها تستدعي مكملًا لها، يتمثل في إصلاح بنى الحوكمة الداخلية للجمعيات حتى تغدو وعاءً حقيقيًا لتلك الطموحات. إن وجود مستفيدين في مجالس الإدارة ليس رفاهية تنظيمية، بل هو ضمانة جوهرية لأن تكون هذه الجمعيات في خدمة من وُجدت من أجلهم، لا في خدمة الخدمات البيروقراطية.
إن الرقعة الزمنية التي نعيشها، في ظل قيادة مستنيرة تبنّت رؤية 2030 شعارًا لمرحلة التحول الوطني، تمثّل لحظة تاريخية لن تتكرر بسهولة، لحظة يمكن فيها لمؤسساتنا الأهلية أن تقفز قفزة نوعية من نموذج الرعاية إلى نموذج الشراكة، وثقافة التمكين التشاركي. وعلى المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي أن يكون في قلب هذا التحول، لا في هامشه، بأن يجعل تمثيل المستفيدين في حوكمة الجمعيات التخصصية شرطًا لا تفاوض فيه، وسياسة لا تقبل الالتفاف عليها. وحينها فقط يكون شعار «التمكين» قد انتقل من فضاء الخطاب إلى صميم الواقع.