د. يحيى جابر
الإعلام يسهم في تشكيل الوعي من خلال حجم الحضور الذي يمنحه للقضايا، وترتيبها، وتكرارها، وموقعها، والزمن الذي تستمر فيه على الشاشة أو الصفحة، أو السوشل ميديا ذات المسؤولية، ولذلك فإن دراسة الإعلام لا تكتمل بالنظر إلى الأخبار الموجودة وحدها، بل تحتاج إلى البحث في القضايا التي غابت، أو حضرت بصورة محدودة، أو فقدت سياقها، أو توقفت متابعتها قبل أن تكتمل صورتها، ومن هنا يبرز مفهوم «الأجندة المحذوفة»، بوصفه مدخلاً لتحليل الإغفال والتهميش داخل عملية بناء الأجندة الإعلامية، مع ضرورة التوضيح العلمي بأن «الأجندة المحذوفة»، ليست نظرية مستقلة راسخة بالصياغة نفسها التي تتمتع بها نظرية وضع الأجندة، وإنما هي مفهوم تحليلي يمكن استخدامه لدراسة ما تستبعده وسائل الإعلام من دائرة الاهتمام، وما تقلل من بروزه، وما تتركه خارج الصورة الإعلامية، وترتبط الفكرة مباشرة بنظرية وضع الأجندة التي ارتبطت بدراسة ماكسويل ماكومبس ودونالد شو المنشورة عام 1972 حول انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 1968، ففي دراسة تشابل هيل أجرى الباحثان مقابلات مع 100 ناخب غير محسوم في 5 مناطق انتخابية بمدينة تشابل هيل، خلال الفترة من 18 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 1968، وقارنا أولويات الناخبين بما ظهر في الصحف والمجلات ونشرات الأخبار التلفزيونية، وانطلقت الدراسة من فكرة أساسية مفادها أن المحررين وموظفي غرف الأخبار والمذيعين لا يختارون الأخبار فقط، وإنما يؤثرون أيضاً في مقدار الأهمية التي يمنحها الجمهور للقضايا من خلال كمية المعلومات وموقعها في التغطية، «المصدر- ماكسويل ماكومبس ودونالد شو، الولايات المتحدة، «وظيفة وضع الأجندة لوسائل الإعلام الجماهيري»، مجلة الرأي العام الفصلية، 1972»، وقد أصبحت هذه الدراسة نقطة تأسيس مهمة في تاريخ بحوث وضع الأجندة، لأن الباحثين انتقلا من السؤال المتعلق بما إذا كانت وسائل الإعلام تؤثر في الجمهور إلى سؤال أكثر تحديداً، وهو كيف تؤثر في ترتيب القضايا داخل اهتمامه، وتظهر قوة هذا الاتجاه البحثي في تحليل تلوي، نشره، يونجوان لوه وهانسل بورلي وألكسندر مو ومينغشياو سوي، عام 2019، إذ حلل 67 دراسة تجريبية عن وضع الأجندة، نشرت بين عامي 1972 و2015، ووجد متوسطاً عاماً لحجم الأثر بلغ 0.487، بينما بلغ المتوسط 0.51 في الدراسات التي اعتمدت على فئات المحتوى، وهي نتيجة اعتبرها الباحثون مؤشراً إلى اتساق ملحوظ في نتائج بوث وضع الأجندة عبر عقود مختلفة، «المصدر- يونجوان لوه، هانسل بورلي، ألكسندر مو، مينغشياو سوي، الولايات المتحدة، «تحليل تلوي لتأثيرات وضع الأجندة العامة لوسائل الأخبار، 1972-2015»، مجلة الصحافة والاتصال الجماهيري الفصلية، 2019»، ومن هذه القاعدة يمكن فهم الوجه الآخر للعملية، فإذا كانت كثافة التغطية تساعد على جعل قضية أكثر حضوراً في ذهن الجمهور، فإن ضعف التغطية أو غيابها يمكن أن يقلل فرص دخول القضية إلى دائرة الاهتمام العام، وهذا هو جوهر مفهوم الأجندة المحذوفة، فالمقصود ليس بالضرورة حذف الخبر حرفياً، وإنما قد يكون تقليص حضوره إلى درجة تجعله غير قادر على منافسة القضايا الأخرى، وقد يحدث ذلك عندما تنشر القضية في مساحة صغيرة، أو في موقع أقل أهمية، أو بعنوان لا يعكس حجمها، أو من دون متابعة، أو من دون استضافة المتخصصين، أو من دون بيانات وأرقام تساعد الجمهور على فهمها، ولذلك فإن الأجندة المحذوفة يمكن أن تظهر في صورة حذف كامل، عندما لا تدخل القضية أصلاً في التغطية، أو حذف نسبي، عندما تظهر ولكن بصورة لا تتناسب مع أهميتها، أو حذف سياقي، عندما تنشر المعلومة من دون خلفيتها وأسبابها ونتائجها، أو حذف زمني، عندما تحظى القضية بتغطية لحظة وقوعها ثم تختفي رغم استمرار آثارها، أو حذف زاوي، عندما تحضر القضية بينما تغيب إحدى زواياها الأساسية، وتظهر خطورة النوع الأخير في القضايا المعقدة، لأن الخبر قد يكون صحيحاً في كل تفاصيله المنشورة، لكنه لا يقدم بالضرورة الصورة الكاملة، فمثلاً يمكن تغطية مشكلة اقتصادية من خلال أرقام الأسعار فقط، بينما يغيب أثرها في الأسرة أو سوق العمل أو القوة الشرائية، ويمكن تغطية قضية بيئية من خلال تصريح رسمي، بينما تغيب الدراسات العلمية أو شهادات السكان، ويمكن تغطية أزمة صحية من خلال عدد الحالات، بينما تقل مساحة الحديث عن أسبابها والوقاية منها وآثارها طويلة المدى، وهنا يصبح السؤال الصحفي الأهم ليس فقط «هل المعلومة صحيحة؟»، وإنما «هل المعلومات التي اخترناها كافية لفهم القضية؟»، وأعتقد أن هذا السؤال يضع المسؤولية المهنية في مكانها الصحيح، لأن الانتقائية لا تعني بالضرورة الكذب، وقد تتكون صورة ناقصة من معلومات صحيحة تماماً إذا جرى اختيار بعضها واستبعاد بعضها الآخر بصورة متكررة، وفي الأزمات والحروب تتضح أهمية هذا المفهوم بصورة أكبر، لأن الحدث العسكري عادة ما يمتلك قدرةعالية على جذب التغطية، فتتقدم العمليات والتحركات والتصريحات والخرائط والصور المباشرة، بينما قد تتراجع القضايا المرتبطة بالتعليم والصحة والنزوح والخدمات والاقتصاد والأمن الغذائي وإعادة الإعمار، ومع استمرار الأزمة يمكن أن تصبح التغطية أسيرة للمشهد اليومي، فيعرف الجمهور ماذا حدث اليوم، لكنه يعرف أقل عن الأسباب والنتائج والتحولات التي تراكمت خلال أسابيع أو أشهر، وهنا لا يعني تحليل الأجندة المحذوفة توجيه اتهام إلى وسيلة إعلامية، لأن العمل الصحفي يخضع لعوامل حقيقية مثل الوقت، والمساحة، وتوافر المصادر، وصعوبة التحقق، والسلامة المهنية، وأهمية الحدث، وإنما يعني قياس الفجوة بين حجم القضية في الواقع وحجم حضورها في التغطية، وهذه نقطة منهجية أساسية، لأن إثبات الإغفال يحتاج إلى مقارنة وليس إلى انطباع، ويمكن للباحث أن يحلل عدد الأخبار المنشورة، ومساحتها، وترتيبها، وعدد مرات تكرارها، ونوعية المصادر، ومدة استمرار المتابعة، وحجم المواد المرئية المصاحبة لها، ثم يقارن هذه المؤشرات بحجم القضية وآثارها الواقعية، وبذلك تتحول الأجندة المحذوفة من فكرة عامة إلى سؤال بحثي قابل للقياس، ويزداد هذا السؤال أهمية في البيئة الرقمية التي تغيرت فيها خريطة الوصول إلى الأخبار بصورة كبيرة، فقد أظهر «تقرير الأخبار الرقمية 2025» الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، والمبني على ما يقارب 100 ألف مقابلة في 48 سوقاً، أن استهلاك أخبار الفيديو عبر الشبكات الاجتماعية ارتفع من 52 في المائة عام 2020، إلى 65 في المائة عام 2025، بينما ارتفع استهلاك أي نوع من فيديو الأخبار من 67 في المائة إلى 75 في المائة خلال الفترة نفسها، «المصدر- معهد رويترز لدراسة الصحافة، المملكة المتحدة، «تقرير الأخبار الرقمية 2025»، 2025»، وهذا التحول مهم في فهم الأجندة المحذوفة، لأن بوابة الوصول إلى الخبر لم تعد المؤسسة الإعلامية وحدها، فهناك المنصة الرقمية، والخوارزمية، ومحرك البحث، والمؤثر، والمستخدم، وكل طرف يمكن أن يؤثر في ما يظهر وما يتراجع وما يختفي من مجال الانتباه، وفي التقرير نفسه قال 44 في المائة من الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً، إن شبكات التواصل الاجتماعي والفيديو هي مصدرهم الرئيسي للأخبار، مقابل 38 في المائة لدى الفئة بين 25 و34 عاماً، وفي الولايات المتحدة وصلت نسبة الاعتماد على شبكات التواصل والفيديو للوصول إلالأخبار إلى 54 في المائة، متقدمة على التلفزيون بنسبة 50 في المائة ومواقع الأخبار والتطبيقات بنسبة 48 في المائة، «المصدر- معهد رويترز لدراسة الصحافة، المملكة المتحدة، «تقرير الأخبار الرقمية 2025»، 2025»، وهذا يعني أن مفهوم الأجندة المحذوفة دخل مرحلة جديدة، فالمحتوى قد يكون منشوراً بالفعل، لكنه لا يصل إلى الجمهور الذي يفترض أن يراه، وقد تكون المادة الصحفية موجودة في موقع المؤسسة، لكنها لا تظهر في الصفحة الأولى للمنصة، أو لا تحصل على انتشار مماثل لمادة أكثر إثارة، أو تضيع بين آلاف المواد المتنافسة على الانتباه، وهنا يصبح الغياب عن مجال الرؤية قريباً في أثره من الغياب عن النشر، وهذه الظاهرة ترتبط بما يسمى اقتصاد الانتباه، حيث تصبح قدرة المحتوى على جذب المشاهدة والمشاركة والتعليق عاملاً مؤثراً في انتشاره، لكن الأهمية العامة لا تتطابق دائماً مع قابلية الانتشار، فالقضية العلمية المعقدة قد تكون شديدة التأثير في المجتمع، لكنها أقل قدرة على جذب التفاعل من مقطع قصير مثير للجدل، والبحث المتخصص قد يحتاج إلى دقائق لقراءته، بينما يمكن لمعلومة عاطفية أو مثيرة أن تنتشر خلال دقائق، ولذلك فإن اعتماد الانتشار معياراً وحيداً يمكن أن يؤدي إلى تضخيم موضوعات معينة وتقليص حضور موضوعات أخرى، من دون وجود قرار مباشر بحذفها، وهذا أحد الفروق المهمة بين الإعلام التقليدي والبيئة الرقمية، ففي المؤسسة التقليدية كان المحرر يقرر إلى حد كبير ما يستحق الصفحة الأولى أو العنوان الرئيسي، أما اليوم فقد أصبح توزيع المحتوى عملية مشتركة بين المؤسسة والمنصة والخوارزمية والجمهور، وتؤكد نتائج تقرير الأخبار الرقمية 2026 هذا التحول، إذ أصبحت شبكات التواصل ومنصات الفيديو، كما ارتفع استخدام روبوتات المحادثة للحصول على الأخبار إلى 10 في المائة، مقارنة بـ7 في المائة في العام السابق، ووصل إلى 16 في المائة لدى من هم دون 35، «المصدر ــ معهد رويترز لدراسة الصحافة، المملكة المتحدة، «تقرير الأخبار الرقمية 2026»، 2026»، وهذه الأرقام تفتح باباً جديداً في دراسة الأجندة، لأن الإنسان قد لا يتعامل مع الأخبار مباشرة من المؤسسة الصحفية، بل قد يحصل عليها من منصة أو مؤثر أو محرك بحث أو روبوت محادثة، وبالتالي تصبح عملية اختيار ما يظهر أمامه أكثر تعقيداً، وقد لا يعرف أصلاً ما الذي لم يظهر له، وفي هذه النقطة تحديداً تكمن قوة الأجندةلمحذوفة، لأن الغياب لا يعلن عن نفسه، فالخبر الموجود يمكن البحث عنه، والتأكد من صحته، أما الخبر الذي لم يصل إلى مجال الانتباه فلا يملك الجمهور وسيلة مباشرة لمعرفة أنه غاب، ولذلك فإن الوعي الإعلامي يحتاج إلى عادة المقارنة بين المصادر، ومراجعة أكثر من منصة، والعودة إلى البيانات الأصلية، وقراءة الأخبار عبر الزمن، وعدم اعتبار كثافة التغطية دليلاً تلقائياً على حجم الأهمية، وفي الانتخابات يمكن أن تظهر الأجندة المحذوفة عندما تركز وسائل الإعلام على مجموعة محددة من الملفات، فتتحول هذه الملفات إلى محور المناظرات والنقاشات، بينما تبقى قضايا أخرى خارج المنافسة السياسية، وقد يكون ذلك نتيجة تقييم تحريري طبيعي لأهمية الموضوعات، أو نتيجة اهتمام الجمهور، أو نتيجة أجندة سياسية، أو نتيجة توفر المصادر والمعلومات، ولذلك لا يجوز تفسير كل غياب باعتباره تعمداً، بل يجب دراسة الظروف التي أنتجته، وفي هذا السياق تقدم دراسة ماكومبس وشو الأصلية درساً مهماً، فالباحثان لم يقولا إن الإعلام يحدد للناس ماذا يفكرون بالتفصيل، وإنما بحثا في العلاقة بين ترتيب القضايا في الإعلام وترتيب أهميتها لدى الجمهور، وهذا التفريق العلمي يمنع المبالغة في تفسير النظرية، ويجعلها أكثر دقة، «المصدر ــ ماكسويل ماكومبس ودونالد شو، الولايات المتحدة، «وظيفة وضع الأجندة لوسائل الإعلام الجماهيري»، مجلة الرأي العام الفصلية، 1972»، ومن هنا يمكن تطوير مفهوم الأجندة المحذوفة إلى أداة عملية داخل غرف الأخبار، عبر إجراء مراجعة دورية للقضايا التي غطتها المؤسسة، والقضايا التي لم تغطها، والقضايا التي غطتها مرة واحدة ثم تركتها، ومقارنة ذلك بأهميتها المجتمعية، مع تحليل تنوع المصادر، وتمثيل المناطق والفئات، واستمرار المتابعة، وحضور البيانات والخبراء، لأن الصحافة الجيدة لا تكتفي بأن تكون المعلومات التي تنشرها صحيحة، وإنما تسعى أيضاً إلى أن تكون الصورة التي تقدمها متوازنة وقابلة للفهم، وهنا يظهر الفرق بين «الخبر الصحيح» و»التغطية الكاملة»، فقد يكون الخبر صحيحاً لكنه ناقص السياق، وقد تكون الأرقام دقيقة لكنها لا تكشف الاتجاه العام، وقد يكون التصريح حقيقياً لكنه يمثل طرفاً واحداً من القضية، ولذلك فإن بناء الصورة الإعلامية يحتاج إلى الجمع بين الخبر والسياق، وبين الرقم والتفسير، وبين التصريح والتحقق، وبين الحدث ونتائجه، وفي تقديري أن أخطر أشكال الجندة المحذوفة هو ذلك الذي لا يشعر به المتلقي، لأن الصمت الكامل قد يثير التساؤل، بينما الحضور المحدود أو المتابعة المبتورة قد يمنح انطباعاً بأن القضية أخذت حقها إعلامياً، وهي في الحقيقة لم تحصل إلا على جزء صغير من المساحة التي تحتاج إليها، ولهذا فإن هناك دائما أسئلة فالقارئ الواعي لا يكتفي بسؤال «ما الذي شاهدته اليوم؟»، وإنما يسأل «ما الذي كان ينبغي أن أشاهده ولم يظهر أمامي؟»، والصحفي المحترف لا يكتفي بسؤال «ما الخبر الذي نملكه؟»، وإنما يسأل «ما المعلومات الضرورية التي قد تكون غائبة عن هذا الخبر؟»، والمؤسسة الإعلامية لا تكتفي بقياس عدد المشاهدات، التي قد يكون معظمها وهميا، وإنما تحتاج إلى قياس القيمة العامة للمحتوى، لأن ما يحقق أعلى تفاعل ليس بالضرورة ما يحقق أعلى منفعة للمجتمع، وهنا تتضح القيمة الحقيقية لمفهوم الأجندة المحذوفة، فهو لا يدعو إلى افتراض مؤامرة خلف كل غياب، ولا يمنح الباحث حق اتهام وسائل الإعلام بمجرد عدم نشر موضوع، وإنما يضع أمامه سؤالاً مهنياً ومنهجياً مهماً، وهو كيف تتكون الصورة التي تصل إلى الجمهور، وما الذي يدخل إليها، وما الذي يبقى خارجها، ولماذا، ومع انتقال الجمهور من الصحف والقنوات إلى المنصات الاجتماعية والفيديو والذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً، لأن المنافسة لم تعد فقط على نشر المعلومة، وإنما على الوصول إليها، وعلى ترتيبها، وعلى إبقائها في الذاكرة، ومن هنا فإن الأجندة المحذوفة تمثل زاوية مهمة لفهم الإعلام المعاصر، لأنها تذكرنا بأن صناعة الوعي لا تتم فقط بما يوضع أمام العين، وإنما أيضاً بما لا يصل إليها، وأن قراءة المشهد الإعلامي بصورة مهنية تتطلب النظر إلى الحاضر والغائب معاً، إلى الخبر المنشور والخبر الذي لم يجد طريقه إلى الواجهة، وإلى القضية التي تصدرت العنوان والقضية التي بقيت في الهامش، لأن ما يوجد خارج الإطار قد يكون أحياناً ضرورياً لفهم ما يوجد داخله.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام