علي بن عبدالله علي الوهابي
لم يعد الذكاء الاصطناعي شأنًا تقنيًا محصورًا في المختبرات وشركات التكنولوجيا. لقد خرج من تلك الدائرة ليصبح واحدًا من أهم ملفات الاقتصاد والسياسة والأمن في العالم وأحد العوامل التي يمكن أن تعيد رسم موازين القوة خلال العقود المقبلة.
ولهذا تبدو الدعوات الصينية الأخيرة إلى تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي أكبر من مجرد تصريح عابر في سياق العلاقات المتوترة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
فالصين والولايات المتحدة تتنافسان بشدة على الريادة في هذه التكنولوجيا لكنهما في الوقت نفسه تواجهان سؤالًا مشتركًا لا تستطيع أي منهما الإجابة عنه منفردة.
كيف يمكن الاستفادة من القدرات الهائلة للذكاء الاصطناعي دون أن يتحول تطوره المتسارع إلى مصدر لمخاطر يصعب احتواؤها؟
هنا تكمن المفارقة.. منافسة يصعب إيقافها
من الصعب تصور أن تتخلى واشنطن أو بكين عن سباق الذكاء الاصطناعي. فالدولة التي تمتلك التفوق في النماذج المتقدمة والرقائق ومراكز البيانات والقدرات الحوسبية ستملك أدوات تأثير واسعة في الاقتصاد والصناعة وربما في المجالات الأمنية والعسكرية أيضًا.
ولهذا فإن التنافس بين البلدين لن يتوقف لمجرد أن قادتهما تحدثوا عن التعاون.
لكن التعاون في هذا الملف لا يعني بالضرورة إنهاء المنافسة. وقد يعني شيئًا أكثر واقعية وهو إدارة المنافسة بدل تركها تتحول إلى سباق مفتوح لا تحكمه قواعد واضحة.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها.
فالذكاء الاصطناعي يختلف عن كثير من التقنيات السابقة. تطوره قد ينتج قدرات جديدة لم تكن متوقعة وقد تنتقل آثارها بسرعة من قطاع إلى آخر ومن دولة إلى أخرى.
وهذا يجعل الخطأ في التعامل معه أكثر كلفة من السابق.
عندما لا تكفي الحدود
المشكلة أن الذكاء الاصطناعي لا يعترف بالحدود السياسية.
فإذا استخدمت أنظمة متقدمة في هجوم إلكتروني واسع أو في تضليل المعلومات أو استهداف بنية تحتية حساسة فإن آثارها قد لا تتوقف عند الدولة التي بدأ منها الاستخدام.
ومن هنا تأتي أهمية وجود قنوات اتصال بين الدول الكبرى حول حوادث الذكاء الاصطناعي ومخاطره.
الأمر لا يتعلق بالتحالف أو الاتفاق الكامل بقدر ما يتعلق بوجود وسيلة للحوار عندما تحدث أزمة قد تتجاوز آثارها حدود الدولة التي بدأت فيها.
وهذا ما يجعل الحديث عن التعاون الأمريكي الصيني في هذا المجال مختلفًا عن التعاون التقليدي.
فالطرفان لا يحتاجان إلى الاتفاق في كل شيء حتى يتحدثا عن المخاطر التي قد تهدد الجميع.
شي وترامب واختلاف الرؤية
الحوار لا يعني أن الرؤى أصبحت واحدة.. فالولايات المتحدة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مجالًا إستراتيجيًا تسعى إلى الحفاظ فيه على تفوقها التقني. وفي المقابل تعمل الصين على تعزيز قدراتها المحلية وتوسيع حضورها في هذه الصناعة.
كما أن الخلافات بين البلدين تمتد إلى الرقائق وسلاسل الإمداد والتجارة والأمن والتكنولوجيا.
ومع ذلك فإن وجود هذه الخلافات لا يمنع ظهور مساحة محددة للحوار حول المخاطر التي قد تنتج عن التطور السريع للذكاء الاصطناعي.
وهنا يصبح التعاون أكثر واقعية عندما يكون محددًا وواضحًا.
ليس المطلوب أن تتوقف الدول عن تطوير قدراتها أو أن تتخلى عن مصالحها المطلوب أن تحاول الوصول إلى قواعد تقلل بعض الاستخدامات الخطرة وأن تكون هناك قنوات اتصال سريعة عندما تقع حوادث قد تحمل تداعيات واسعة.
التكنولوجيا أسرع من السياسة
ربما تكون هذه هي المشكلة الأكبر.. التكنولوجيا تتحرك بسرعة هائلة بينما تتحرك التشريعات والقواعد الدولية بوتيرة أبطأ بكثير.
قد تظهر خلال فترة قصيرة قدرات جديدة في الذكاء الاصطناعي تحتاج المؤسسات الحكومية إلى سنوات لفهم آثارها ووضع القواعد المناسبة للتعامل معها.
وهنا يجد العالم نفسه أمام سباق من نوع مختلف.
سباق بين سرعة التطور التقني وسرعة قدرة الإنسان على وضع القواعد التي تحكمه.
ولا يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي وحده. فآثاره تمتد إلى مستقبل الوظائف والتعليم والإعلام والصناعة والطب والأمن وحتى طريقة اتخاذ القرارات.
ومن الخطأ النظر إلى هذه المسألة باعتبارها قضية تخص الولايات المتحدة والصين فقط.
فكل دولة ستتأثر بما يحدث في هذا المجال سواء امتلكت نماذج متقدمة أم كانت مجرد مستخدم لهذه النماذج.
هل يمكن أن تجتمع المنافسة والتعاون؟
ربما يكون السؤال الأدق ليس هل ستتعاون الصين والولايات المتحدة أم ستتنافسان.
فالواقع قد يجمع الأمرين في الوقت نفسه.
يمكن للدولتين أن تتنافسا على الرقائق والنماذج والاستثمارات والأسواق وأن تحاولا في الوقت ذاته التعاون في بعض الملفات المرتبطة بسلامة الذكاء الاصطناعي.
وقد يكون هذا الشكل الأكثر واقعية للعلاقة بينهما خلال السنوات المقبلة
فالتعاون الكامل يبدو بعيدًا في ظل حجم الخلافات القائمة بين البلدين. وفي المقابل فإن إنهاء المنافسة أمر يصعب تصوره في ظل الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية لهذه التكنولوجيا.
أما التعاون المحدود في المجالات التي تمس سلامة العالم كله فقد يمثل مساحة يمكن للطرفين الالتقاء فيها.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
من السهل إصدار البيانات والتصريحات التي تؤكد أهمية التعاون. لكن الاختبار الحقيقي سيكون في التفاصيل.
هل ستنجح واشنطن وبكين في إنشاء آليات اتصال فعالة عند وقوع حوادث خطرة؟
هل تستطيعان تبادل المعلومات في المجالات التي تتفقان على خطورتها؟
وهل يمكن الوصول إلى قواعد مشتركة ولو كانت محدودة بشأن بعض الاستخدامات التي قد تشكل خطرًا كبيرًا؟
هذه الأسئلة قد تكون أهم من التصريحات السياسية نفسها.
فالذكاء الاصطناعي يتقدم بسرعة ولا ينتظر الخلافات السياسية حتى تنتهي.
والعالم أمام مرحلة جديدة لا يكفي فيها امتلاك التكنولوجيا المتقدمة. فكلما زادت قدرة هذه الأنظمة زادت الحاجة إلى فهم مخاطرها ووضع قواعد للتعامل معها.
وقد تكون الرسالة الأهم في الدعوات إلى الحوار بين واشنطن وبكين أن المنافسة على الذكاء الاصطناعي ستستمر لكن إدارة مخاطر هذه المنافسة أصبحت ضرورة لا يمكن تأجيلها.
فليس المطلوب أن يتفق المتنافسون على كل شيء.
يكفي أحيانًا أن يتفقوا على ألا يسمحوا لاختلافاتهم بأن تدفع التكنولوجيا إلى مسار يصعب على الجميع السيطرة على نتائجه.
وفي النهاية قد لا يكون السؤال الحقيقي هو من سيحكم عصر الذكاء الاصطناعي.
بل من سيكون قادرًا على إدارة هذا العصر بطريقة تضمن أن تبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسان وأن يظل الإنسان قادرًا على التحكم في نتائجها.