مهدي آل عثمان
تعيش المملكة العربية السعودية نهضة تقنية متسارعة، أصبح التحول الرقمي فيها والذكاء الاصطناعي جزءاً من تفاصيل العمل والخدمات والاقتصاد، ولم يعد السؤال اليوم: هل نستخدم التقنية في التعليم؟ بل: إلى أي مدى نستطيع أن نجعل التقنية والذكاء الاصطناعي أداة حقيقية لقياس ما يتعلمه الطالب وتحسين نواتج تعلمه؟
فالطالب يقضي عاماً دراسياً كاملاً في صفه، يتلقى عشرات الدروس ويؤدي الواجبات والاختبارات، ثم ينتقل في نهاية العام إلى الصف الذي يليه. لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب هو: ما الذي اكتسبه الطالب فعلياً في المدرسة من المهارات والمعارف التي يفترض أن يتقنها قبل انتقاله؟ وهل أتقن طالب الصفوف الأولية القراءة والفهم والكتابة والمهارات الأساسية في الرياضيات؟ وهل يمتلك طالب المرحلة المتوسطة المهارات التي تؤهله لبناء تعلم جديد؟ وهل الدرجة التي حصل عليها في نهاية الفصل الدراسي تعكس فعلاً مستوى إتقانه؟
وهنا يمكن أن يفتح الذكاء الاصطناعي باباً مختلفاً في تقويم التعليم.
فبدلاً من أن تظل عملية القياس معتمدة بصورة كبيرة على اختبارات تختلف من مدرسة إلى أخرى ومن معلم إلى آخر، يمكن بناء منظومة وطنية رقمية لقياس نواتج التعلم، تعتمد على اختبارات محكمة علمياً، تعدها جهات الاختصاص في وزارة التعليم أو هيئة تقويم التعليم والتدريب، وتُبنى وفق معايير واضحة لكل صف ومادة ومهارة.
ويدخل كل طالب إلى هذه الاختبارات بصورة فردية ودورية خلال العام الدراسي، وليكن مثلاً في منتصف كل فصل دراسي، بحيث لا يكون الهدف منها النجاح أو الرسوب، وإنما تشخيص مستوى التعلم الفعلي في وقت يسمح بالمعالجة والتدخل.
ومن هنا تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي في تحليل نتائج هذه الاختبارات وتحويلها إلى مؤشرات دقيقة تقيس مستوى تعلم الطالب وتكشف جوانب القوة والضعف لديه.
فالمطلوب ليس أن يضع الذكاء الاصطناعي الأسئلة من تلقاء نفسه، وإنما أن تكون هناك بنوك أسئلة وطنية محكمة ومدققة من المختصين، ثم تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الاختبارات، وتحليل النتائج، واكتشاف الفجوات التعليمية، وإنتاج تقارير دقيقة تساعد المدرسة والمعلم والطالب والأسرة.
فبعد انتهاء الاختبار، لا نحتاج فقط إلى معرفة كم الدرجة التي حصل عليها الطالب، وإنما هل لديه ضعف في الفهم القرائي؟ وهل يستطيع استخراج الفكرة الرئيسة من النص؟ وهل يتقن العمليات الحسابية الأساسية؟ وهل يستطيع حل المسألة إذا تغير أسلوب عرضها؟ وهل المشكلة لدى طالب واحد أم لدى مجموعة من طلاب الفصل؟ وهل هناك مفهوم معين لم يتقنه معظم طلاب المدرسة؟
هذه هي القيمة التي يمكن أن يقدمها الذكاء الاصطناعي بشكل أعمق وأدق؛ أن يحول آلاف الإجابات والبيانات إلى صورة تعليمية واضحة يمكن البناء عليها.
فيتلقى المعلم تقريراً يوضح المهارات التي أتقنها طلابه، والجوانب التي تحتاج إلى تعزيز أو إعادة تدريس، والطلاب الذين يحتاجون إلى تدخلات وبرامج علاجية، فيما تحصل إدارة المدرسة على صورة أشمل لمستويات الصفوف والمواد وأبرز الفجوات التعليمية المشتركة. وبذلك يمكن التدخل مبكراً ومعالجة جوانب الضعف قبل أن تتراكم، بدلاً من اكتشافها بعد انتقال الطالب إلى المرحلة التالية.
فالضعف في المهارات الأساسية إذا لم يُعالج مبكراً، يتراكم مع انتقال الطالب من مرحلة إلى أخرى، ويجعل معالجة الفجوات التعليمية لاحقاً أكثر صعوبة.
ولهذا تتضاعف أهمية هذه المنظومة في مراحل التأسيس، خصوصاً في القراءة والكتابة والرياضيات. فلا ينبغي أن ينتقل الطالب من مرحلة تأسيسية إلى مستوى أعلى دون وجود قياس حقيقي يوضح مدى إتقانه للمهارات الأساسية التي سيبني عليها تعلمه اللاحق.
وهذا لا يعني منع الطالب آلياً من الانتقال بسبب اختبار واحد، ولا جعل الذكاء الاصطناعي صاحب القرار في مستقبله التعليمي، فالقرار التعليمي أكبر من نتيجة اختبار منفرد، ويجب أن يبقى للمعلم والمتخصصين الدور المهني الأساسي. وإنما تكون هذه الاختبارات أداة تشخيص وإنذار مبكر تكشف مواطن الضعف وتتيح بناء الخطط العلاجية قبل أن تتفاقم المشكلة.
ومن هنا يمكن أن يتغير مفهوم الاختبار نفسه؛ فلا يكون نهاية لعملية التعلم، بل بداية لمرحلة جديدة من التحسين.
يُختبر الطالب، فإذا ظهر ضعف في مهارة معينة، يعود المعلم إلى تعزيزها، وتقدم المدرسة برنامجاً علاجياً، ويتابع ولي الأمر ابنه، ثم يُعاد القياس لمعرفة مقدار التحسن.
وعندها تصبح لدينا دورة تعلم مستمرة: تعليم، ثم قياس، فتحليل، فتدخل، ثم إعادة قياس، ضمن منظومة إلكترونية منظمة وسلسة توظف أدوات الذكاء الاصطناعي في متابعة التقدم وتحسين نواتج التعلم.
وهذا يحقق أيضاً قدراً أكبر من العدالة للمعلم والمدرسة؛ فلا ينبغي أن يقتصر تقييم المدرسة أو المعلم على النتيجة النهائية للطلاب، بل يجب أن يراعي مستوى الطالب عند بداية القياس ومقدار التقدم الذي حققه. وهنا يتيح التحليل الرقمي تتبع نمو الطالب بين اختبار وآخر، بما يكشف بصورة أكثر دقة أثر المدرسة والمعلم في تحسين مستواه.
كما تستطيع الوزارة، من خلال البيانات المجمعة، تكوين خريطة تعليمية أكثر دقة توضح المدارس المتميزة والطلاب المتقنين، وتكشف أين توجد مواطن الضعف في القراءة أو الرياضيات، وما المهارات التي يحتاج طلاب منطقة أو مرحلة معينة إلى تعزيزها، وأين نجحت المدارس في معالجة الفجوات وتحسين النتائج.
ومن ثم تتحول القرارات من اجتهادات عامة إلى قرارات مبنية على البيانات.
ويمكن كذلك أن يحصل ولي الأمر على تقرير مبسط عن ابنه، لا يقتصر على رقم أو تقدير، وإنما يوضح المهارات التي أتقنها، والجوانب التي تحتاج إلى دعم، وما يمكن للأسرة القيام به للمساعدة في تحسين مستواه.
وهنا تصبح الأسرة شريكاً أكثر وضوحاً في عملية تحسين التعلم.
وقد قطعت المملكة شوطاً كبيراً في التحول الرقمي في التعليم، وأصبحت منصات مثل «مدرستي» والأنظمة التعليمية المختلفة جزءاً من رحلة الطلاب التعليمية، كما يتزايد توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة بما يخدم جودة التعليم ويحسن مخرجاته.
والخطوة التي تستحق التفكير اليوم هي الانتقال من رقمنة التعليم إلى ذكاء القياس التعليمي.
فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر دوره على مساعدة الطالب في إعداد بحث أو المعلم في إعداد عرض، بل تكمن قيمته الأكبر في تحليل البيانات والمؤشرات التعليمية، والكشف المبكر عن مواطن الضعف، ودعم اتخاذ القرارات التي تسهم في تحسين نواتج التعلم.
وإذا استطعنا بناء منظومة وطنية محكمة تقيس تعلم الطالب بصورة دورية، وتحلل نتائجه، وتعيدها سريعاً إلى المعلم والمدرسة والأسرة، فإننا سنجيب عن السؤال الأهم في التعليم: ليس كم درساً قدمنا للطالب، وإنما ماذا تعلّم منها فعلاً؟
وعندها تصبح التقنية والذكاء الاصطناعي شريكاً فاعلاً في تحسين التعليم، وتمنحنا البيانات القدرة على اكتشاف مواطن الضعف ومعالجتها قبل انتقال الطالب إلى مرحلة جديدة، بينما يبقى المعلم هو من يصنع التعلم، والمدرسة هي التي تقوده، والأسرة هي التي تدعمه.
وبتضافر الجهود، يمكن بناء منظومة تعليمية توظف الذكاء الاصطناعي في القياس الدقيق، وتحليل البيانات، بما يتيح اكتشاف جوانب الضعف مبكراً، ومعالجتها وفق خطط مدروسة، وتحسين نواتج التعلم بصورة مستمرة وأكثر كفاءة.