د. أحمد فاتح محمد
من نافلة القول إن قوة أي مجتمع ورقيه الحضاري لا يقاسان فقط بحجم القوانين التي يسنها أو بدقة الأنظمة التي يصيغها، وإنما بمدى ما تحظى به هذه الأنظمة من احترام وامتثال في سلوك الأفراد والمؤسسات. فالنص القانوني - مهما بلغ من الإحكام والعدالة والموضوعية - يظل حبراً على ورق ما لم تسنده ثقافة مجتمعية واعية تجعل من احترام النظام قيمة وطنية وسلوكاً ذاتياً نابعاً من الإحساس بالمسؤولية، لا مجرد خشية من العقاب. من يتابع من خارج المملكة مسار منظومة التشريعات المتخصصة في المملكة نموذجاً لتحديث البيئة النظامية وقواعد التقاضي بما يخدم استقرار التعاملات وحماية المراكز القانونية. لكن تظل فاعلية أي منظومة تشريعية مرتبطة بمدى وعي المخاطبين بأحكامها ومن هنا ينبثق السؤال الأهم: كيف يترجم هذا المنجز التشريعي إلى وعي مبكر منذ الصغر بحيث يجعل من احترام النص التزاماً مدنياً نابعاً من المعرفة لا مجرد خوف من الجزاء؟ إن تربية الفئات العمرية المبكرة على الوعي النظامي لم تعد مسألة ترف فكري أو اختصاصاً مقصوراً على كليات الحقوق والقانون والمعاهد الإدارية القانونية وأروقة المحاكم بل هي ركيزة أصيلة من ركائز التربية الوطنية. فالطفل الذي لا يتعلم في بيته ومدرسته أن التعدي على النظام العام هو تعد على حقوق المجتمع بأسره سيصعب عليه في كبره أن يستوعب مفهوم المواطنة الحقة والتزاماتها. كما أن ترك شباب في مواجهة الفضاءات الرقمية المفتوحة دون تسليحهم بالحد الأدنى من المعرفة والتوعية القانونية يجعلهم عرضة للوقوع في تجاوزات ومخالفات جسيمة قد تعصف بمستقبلهم وهم لا يدركون فداحة ما يقترفون. يقتضي هذا المسار تكاملاً وظيفياً تتشارك فيه المنظومة التعليمية والمؤسسات الإعلامية والأسرة عبر إدماج المبادئ القانونية الأساسية في المقررات الدراسية والمحتوى العام، بما ينقل النص النظامي من دائرته النظرية المجردة إلى ممارسة سلوكية يلتزم بها الفرد في مقاعد الدراسة، وميدان العمل ومختلف التعاملات اليومية. إن قوة الدول ورسوخها لا ينفصلان عن سيادة أنظمتها وكفاءة تطبيقها. والوصول إلى مجتمع يدرك فيه الأفراد أن احترام القانون هو الضمانة الحقيقية لحرياتهم وحقوقهم المشتركة سوف يظل ركيزة أساسية لتحصين المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية والشرط الأهم لاستدامة أي مشروع تنموي طموح.