د. حسين علي غالب بابان
تابعتُ في الفترة الأخيرة حوارات وندوات علمية شارك فيها علماء بيئة وجيولوجيا من دول مختلفة، وكان من اللافت أن جانبًا مهمًا من النقاشات انصبّ على مستقبل المناطق القطبية في ظل التغير المناخي المتسارع.
تشير الدراسات العلمية إلى أن القطبين يشهدان بالفعل تغيرات كبيرة، وأن منطقة القطب الشمالي على وجه الخصوص تتعرض لارتفاع في درجات الحرارة وذوبان متزايد للجليد البحري وتغيرات في التربة والنظم البيئية، ويرى العلماء أن هذه التحولات ستعيد رسم الكثير من ملامح الحياة والنشاط الاقتصادي في المناطق القطبية خلال العقود المقبلة.
من هنا يبرز سؤال مثير للاهتمام: هل يمكن أن تتحول المناطق القطبية مستقبلًا، إلى مناطق جذب سكاني واستيطاني، الأمر ليس مستبعدًا من حيث المبدأ لكنه أكثر تعقيدًا بكثير مما قد يبدو، فالقطب الشمالي يختلف جذريًا عن القارة القطبية الجنوبية، إذ توجد في المناطق الشمالية مجتمعات بشرية ومدن وسكان أصليون منذ آلاف السنين، ومحطات أبحاث علمية يعمل فيها العلماء والموظفون لفترات محددة.
في هذا السياق تبرز تجربة غريبة ولافتة هي (ويستاركتيكا-Westarctica)، التي بدأت فكرتها عام 2001 على يد ترافيس ماكهينري، باعتبارها مشروعًا لإقامة كيان في منطقة ماري بيرد لاند بغرب أنتاركتيكا، ومع مرور السنوات تحولت المبادرة إلى منظمة غير ربحية مسجلة ،كما أن لها أنشطة وبرامج مرتبطة بالتوعية البيئية والتغير المناخي.
لكن من المهم التوضيح أن «ويستاركتيكا» لا تُعد دولة ذات سيادة معترفًا بها دوليًا، بل تُصنَّف باعتبارها مشروعًا غير معترف بها، وحتى القائمون عليها يصفونها بأنها مشروع يسعى إلى إقامة وجود دائم مستقبلًا.
أما فكرة استغلال الثروات الطبيعية في ، فهي تواجه حاليًا قيودًا قانونية وبيئية كبيرة، إذ يحظر بروتوكول حماية البيئة لمعاهدة أنتاركتيكا الأنشطة المتعلقة بالموارد المعدنية باستثناء البحث العلمي، ولا ينتهي هذا الحظر تلقائيًا عام 2048 كما يعتقد البعض.
مع ذلك فإن تسارع التغيّر المناخي وتطور التكنولوجيا والزيادة المستمرة في عدد سكان العالم قد تجعل المناطق القطبية أكثر أهمية اقتصاديًا واستراتيجيًا في المستقبل، وربما نشهد خلال العقود القادمة أشكالًا جديدة من الوجود البشري والعلمي والاقتصادي هناك، وإن كان من المبكر جدًا القول إن القطبين سيتحولان قريبًا إلى مناطق استيطان جماهيري، المؤكد أن ما كان يبدو مستحيلًا أو خياليًا قبل عقود قد يصبح موضوعًا جديًا للنقاش في المستقبل.