حذامي محجوب
يقول نيتشة «لدينا الفن لكي لا نموت من الحقيقة». ثمة عودات لا تُقاس بعدد الطائرات التي تهبط في المطارات، ولا بعدد الحقائب التي تُسحب على عربات الأمتعة، ولا حتى بعدد السنوات التي تفصل الغائب عن المكان.
هناك عودات تشبه استعادة قطعة من الروح.
لهذا لم تكن عودة أصالة نصري إلى دمشق، بعد ستة عشر عاماً من الغياب عن المسرح السوري، مجرد عودة مطربة إلى جمهورها، ولا مجرد حفل فني أقيم في صالة الفيحاء في السابع عشر من سبتمبر الجاري.
كانت عودة صوت إلى المكان الذي وُلد فيه، وعودة ذاكرة إلى مدينة ظلت حاضرة في صوت صاحبتها حتى وهي بعيدة عنها.
حين وقفت أصالة على المسرح، لم تكن السنوات الست عشرة مجرد رقم.
كانت تاريخاً سورياً كاملاً مرَّ أمامها وأمام جمهورها: ثورة، حرب، موت، نزوح، انقسام، منفى، سقوط نظام، وبحث شاق عن معنى جديد للوطن.
لذلك كانت دموعها جزءًا من الحفل، كما كان تصفيق الجمهور جزءًا من كل الحكاية، وكأن المسرح لم يكن خشبة للغناء فحسب، بل مساحة حنين التقت فيها سنوات الغياب بسنوات الانتظار.
قالت أصالة أمام جمهورها إنها لم تشعر بأنها كانت في غربة طوال إقامتها في مصر، وإنها حين غادرت سوريا غادرت بسبب ما كان يشعر به السوريون، وحين عادت عادت من أجلهم هم. ثم قالت إن التعافي لا يتحقق إلا بالفن والموسيقى.
ربما هنا تحديداً تكمن دلالة العودة. فالفنان لا يحمل وطنه في حقيبة، ولا يتركه خلفه عند بوابة المطار، ولا يستطيع أن يضعه في صندوق مغلق ثم يمضي.
الفنان يحمل وطنه في صوته، وفي ذاكرته، وفي الأغنية التي يغنيها في بلد آخر، فيكتشف أن آلافاً من أبناء بلده، الموزعين على المنافي، لا يزالون يعرفون الكلمات نفسها، ويحفظون اللحن نفسه، ويتشاركون الحنين ذاته.
فالفن هو الأسلوب، والأسلوب هو الإنسان.
و كل فن يحمل نوراً إلى الآخر.
ولذلك فإن المنفى الفني ليس دائمًا مغادرة جسدية للوطن.
قد يكون الوطن حاضراً بصورة أكثر كثافة في المنفى منه في الداخل.
وقد يصبح الغياب وسيلة أخرى للحضور، حين تتحول الأغنية إلى بيت مؤقت، وحين يجد المغتربون في صوت الفنان شيئاً من الشوارع التي تركوها، ومن البيوت التي أُغلقت، ومن الوجوه التي لم يستطيعوا وداعها كما ينبغي.
كانت أصالة قد غادرت سوريا بعد إعلانها موقفاً مؤيداً للاحتجاجات التي اندلعت عام 2011، ورفضها المشاركة في فعاليات مؤيّدة للنظام السابق، وهو ما عرّضها لحملات إعلامية وأدى إلى فصلها من نقابة الفنانين السوريين.
وكان آخر ظهور لها على مسرح سوري في دمشق عام 2010، قبل أن تنقطع حفلاتها في البلاد طوال السنوات التالية.
لكن اللافت أن أصالة لم تعد إلى دمشق بأغانيها القديمة فقط.
لقد عادت ومعها سوريا نفسها، أو مع صورة لسوريا أرادت أن تستعيدها من خلال الفن.
في حفلتها قدمت أغنيات من مشروعها السوري الجديد، الذي يضم أربعة عشر عملاً مستوحى من التراث الغنائي لمناطق سورية متعددة، من دمشق وحلب وحوران والسويداء والساحل والجزيرة والبادية، إضافة إلى أغنية باللغة الكردية.
كأن الرسالة الفنية تقول إن سوريا التي تعود إليها أصالة ليست دمشق وحدها، ولا لوناً واحداً، ولا ذاكرة واحدة.
إنها سوريا بتعدد أصواتها، بلهجاتها، بأغانيها الشعبية، بموسيقاها وبنغماتها المتنوعة، وبكل تلك التفاصيل التي تجعل الوطن أكبر من النظام السياسي وأبقى من الحكومات.
وهذا تحديداً أحد أهم وظائف الفن: أن يحفظ ما قد تعجز السياسة عن حفظه. فالسياسيون يتغيرون، والحكومات تسقط، والحدود تتبدل أحيانا، لكن أغنية شعبية قد تبقى مئات السنين، وبيت شعر قد ينجو من الرقابة، ولحن قد يحمل ذاكرة مدينة كاملة. قد تتغير أسماء الشوارع، لكن الناس يواصلون غناء الأغنية التي ارتبطت بها.
وقد تتبدل الخطب الرسمية، لكن أغنية واحدة تستطيع أن تستعيد في لحظة ما عجزت الخطب عن استعادته.
في تلك الليلة، كان واضحًا أن السوريين لم يكونوا جميعا يرون أصالة بالطريقة نفسها. هناك من رأى في عودتها لحظة انتصار لصوت غادر لأنه رفض الصمت، وهناك من تحفظ على الحفاوة الرسمية والشعبية بها، وهناك من جعل من الحفل مناسبة لإعادة فتح ملفات الماضي.
بل إن الدعوات إلى إلغاء الحفل سبقت إقامته، وظهرت تسجيلات مصورة لتمزيق ملصقاته، في حين عارض دعاة محافظون إقامة الحفلات الغنائية أصلاً، معتبرين أنها تتعارض مع تصورهم للقيم الدينية.
ومع ذلك أقيم الحفل بحضور جماهيري كبير، وبمشاركة رسمية وفنية واسعة.
وهنا تصبح المسألة أعمق من أصالة.
إنها سؤال سوريا الجديدة نفسها: أي سوريا تريد أن تكون؟ سوريا التي تخاف من اختلاف الأصوات، أم سوريا التي تسمح لكل أصواتها بأن تتجاور؟.
سوريا التي تستبدل سلطة سياسية بسلطة اجتماعية أو دينية جديدة، أم سوريا التي تفتح المجال للفن باعتباره مساحة للحوار لا ساحة للصراع؟
لا ينبغي للفن أن يكون امتحاناً في الولاء السياسي، كما لا ينبغي أن يكون امتحاناً في الالتزام بتصور ديني واحد.
الفنان يغني، والمجتمع يختلف، والاختلاف في حد ذاته ليس خطراً.
الخطر يبدأ حين يريد طرف أن يمتلك وحده حق تحديد ما يجوز للآخرين أن يسمعوه أو يشاهدوه أو يحبوه.
فالمجتمع الذي يمنع أغنية بحجة حماية القيم قد يكتشف لاحقاً أنه لم يحمِ القيم، بل حمى الخوف من الاختلاف.
والمجتمع الذي يطلب من الفنان أن يثبت ولاءه قبل أن يسمح له بالغناء، لا يحمي الوطن، بل يضيّق معنى الوطن حتى يصبح مطابقاً لرأي واحد.
ربما أكثر ما يلفت في قصة أصالة أن الفنانة التي كانت ممنوعة من العودة إلى المسرح السوري في مرحلة سابقة، وجدت نفسها بعد تغير سياسي كبير تقف على المسرح نفسه تقريباً، أمام جمهور يهتف لها، ووزارة ثقافة تكرمها، ووزير ثقافة يصفها بأنها «ابنة الشام». لكن هذه الصورة الجديدة لا تعني أن المجتمع السوري تجاوز كل خلافاته.
على العكس، لقد كشفت العودة أن سقوط نظام سياسي لا يعني بالضرورة سقوط كل الأسئلة التي تركها خلفه.
فالذاكرة لا تسقط بمرسوم، والجروح لا تنتهي بمجرد تغير السلطة، والفنان الذي كان يوماً رمزاً سياسياً قد يستمر البعض في قراءته من خلال موقفه السياسي حتى بعد سنوات.
ولهذا فإن عودة أصالة ليست فقط عودة إلى المسرح، بل اختبار لفكرة المصالحة نفسها. هل يستطيع الوطن أن يستعيد أبناءه المختلفين؟ هل يستطيع أن يقول للفنان: اختلفتَ مع السلطة، لكنك لم تفقد وطنك؟ هل يمكن أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الانتماء إلى الوطن أوسع من الانتماء إلى السلطة؟
ذلك هو السؤال الحقيقي، لأن الوطن الذي لا يتسع إلا لمن يوافقون السلطة ليس وطناً كاملاً، بل مساحة مشروطة بالإذعان.
أما الوطن الحقيقي فهو الذي يستطيع أن يحتفظ بأبنائه المختلفين، وأن يرى في اختلافهم جزءًا من حيويته لا تهديداً لوجوده.
لطالما خافت الأنظمة السياسية من الفنانين، ليس لأن الفنان يمتلك جيشاً أو حزباً أو جهازاً أمنياً، وإنما لأنه يمتلك شيئًا أكثر رهافة وأحياناً أكثر تأثيراً: القدرة على الوصول إلى وجدان الناس.
الفنان يستطيع أن يقول جملة واحدة فتتحول إلى ذاكرة جماعية، ويستطيع أن يغني أغنية فترافق جيلاً كاملًا، ويستطيع أن يبتسم أمام الكاميرا فتتغير صورة مرحلة، ويستطيع، أحياناً، أن يرفض.
وهذه الكلمة الأخيرة هي الأكثر إزعاجاً للسلطات التي تريد أن يكون الفن تابعاً لها. فالرفض، حتى حين يأتي في صورة أغنية أو موقف أو امتناع عن المشاركة، يذكّر الناس بأن الفنان ليس موظفاً في جهاز الدعاية، وأن صوته لا ينبغي أن يكون مِلكاً لمن يدفع أو يحكم أو يمنح التكريم.
لذلك عرفت أنظمة كثيرة في المنطقة والعالم سياسة الاحتواء والإغراء والمنح والتكريم، كما عرفت المنع والمقاطعة والتشويه.
الفنان المقبول هو الذي يصفق، أما الفنان الذي يحتفظ بمسافة نقدية من السلطة فقد يتحول في لحظة واحدة من «صوت الوطن» إلى «صوت الخيانة».
وهنا تبدأ عملية شيطنة الفنان.
لا يعود السؤال: ماذا قال؟ بل يصبح: من يقف وراءه؟ ومن يموله؟ ولماذا قال؟ ولماذا الآن؟ وماذا يريد؟ وكأن الفنان لا يستطيع أن يمتلك ضميره الخاص، وكأن كل موقف لا ينسجم مع السلطة لا بد أن يكون مؤامرة.
هذه واحدة من أخطر المشكلات في العلاقة بين الفن والسياسة: تحويل الفنان من إنسان له حق الاختلاف إلى أداة سياسية، إما مع السلطة أو ضدها.
وفي الحالتين يُحرم من حقه في أن يكون إنساناً حراً، قد يوافق في مسألة ويختلف في أخرى، وقد يحب وطنه ويعارض حكومته، وقد يرفض سياسة معينة من دون أن يرفض البلاد التي ينتمي إليها.
التاريخ العربي مليء بفنانين التصقت أسماؤهم بالسلطة أو بمعارضيها، لكن الزمن يفعل شيئًا غريباً.
يسقط السياسي من الصورة أحيانًا، ويبقى الفنان فيها.
تبقى أم كلثوم، ويبقى عبدالحليم، وتبقى فيروز، وتبقى أسماء أخرى كثيرة عبر العالم العربي، حتى عندما يتغير السياق السياسي الذي ظهرت فيه.
لأن الفن يعيش بطريقة مختلفة عن السياسة. السياسة تحتاج إلى مؤسسات وقوة وتنظيم، أما الفن فيحتاج إلى ذاكرة.
ولهذا قد ينجح النظام في إسكات أغنية اليوم، لكنه لا يستطيع بالضرورة منعها من العودة بعد عشرين عاماً.
قد يغلق النظام المسرح، لكنه لا يستطيع إغلاق ذاكرة الجمهور وذائقته.
وقد يمنع الفنان من السفر أو الغناء، لكنه لا يستطيع أن يمنع الناس من الاستماع إليه سرًا أو ترديد أغانيه في بيوتهم.
وهنا نفهم لماذا تكون عودة الفنان أحياناً أكثر من مجرد عودة شخصية.
إنها استعادة لحق المجتمع في سماع صوته القديم، واستعادة لجزء من ذاكرة حاولت السلطة أن تعيد ترتيبها أو حذفها.
فالفنان لا يعود وحده، إنما تعود معه مرحلة كاملة، وتعود الأسئلة التي رافقت غيابه، ويعود الجمهور إلى اختبار علاقته بالماضي.
ومن هنا يأخذ السؤال منعطفاً أكثر عمقاً: إذا كانت دمشق قد فتحت مسرحها لأصالة بعد ستة عشر عاماً من الغياب، فهل سيأتي يوم تفتح فيه طهران مسرحها للفنانة قوقوش؟ هل يمكن أن تعود قوقوش إلى إيران؟
السؤال يبدو فنيًا، لكنه في الحقيقة سؤال عن الزمن والسياسة والذاكرة وحق الإنسان في وطنه.
قوقوش، واسمها الحقيقي فائقة آتشين، ليست مجرد مطربة إيرانية شهيرة، بل هي جزء من الذاكرة الفنية الإيرانية الحديثة. كانت نجمة قبل الثورة الإيرانية عام 1979، ثم جاءت الثورة، وتغيرت قواعد الحياة الفنية، ومُنعت قوقوش من الغناء، وعاشت سنوات من الصمت والتضييق داخل إيران.
وفي عام 2000 تمكنت من مغادرة البلاد والعودة إلى الغناء خارجها، ومنذ ذلك الحين ظلت في المنفى الفني.
فالمنفى بالنسبة إليها لم يكن مجرد اختيار مهني، بل كان نتيجة تاريخ طويل من الصمت القسري.
والأكثر مأساوية أن الفنانة التي كانت تغني أمام جمهور إيراني واسع وجدت نفسها ممنوعة من استخدام صوتها في بلدها. كأن الوطن قال لها: يمكنك أن تكوني إيرانية، لكن لا يمكنك أن تغني.
وهذه من أكثر المفارقات قسوة في تاريخ الفن، أن يُسمح للفنان بأن يحتفظ باسمه وهويته، لكن يُطلب منه أن يتخلى عن الأداة التي جعلته حاضرًا في وجدان الناس.
في مقابلة مع وكالة «أسوشيتد برس»، تحدثت قوقوش عن حياتها بعد الثورة، وعن منعها من الغناء والتضييق عليها، وعن رغبتها في أن تغني لشعبها داخل إيران.
وقالت إنها لم تستطع التأقلم مع الحياة خارج بلدها، لأنها كانت تريد أن تستمر في الغناء للإيرانيين داخل وطنها. لكنها في النهاية غادرت عام 2000، وواصلت منذ ذلك الوقت تقديم حفلاتها في الخارج للإيرانيين الذين يعيشون هم أيضا بعيدًا عن وطنهم.
كم هو موجع أن يصبح الجمهور نفسه في المنفى.
المطربة في الخارج، والجمهور في الخارج، والوطن وحده في الداخل.
تلتقي الأصوات الإيرانية في مدن العالم، بينما لا تستطيع أن تلتقي في طهران.
تصبح الحفلة في مدينة أجنبية أشبه بقطعة مؤقتة من الوطن، ويصبح المسرح مكانًا يستعيد فيه المهاجرون لغتهم وذكرياتهم، لا لأنهم اختاروا أن يكونوا بعيدين، بل لأن وطنهم لم يترك لهم مساحة كافية ليكونوا فيه كما هم.
ولهذا فإن سؤال عودتها ليس سؤالًا عن موعد حفلة.
إنه سؤال عن إيران التي تريدها قوقوش لنفسها ولأبناء جيلها وللأجيال الجديدة.
وقد عبرت في حديثها عن أملها في أن يأتي يوم يصبح فيه التعبير الفني حرًا في بلدها، وربطت مستقبلها الفني بظروف إيران نفسها.
وهنا علينا أن ننتبه إلى معنى بالغ الأهمية: حين يعود الفنان إلى وطنه، لا ينبغي أن يُنظر إلى عودته بوصفها انتصارًا على الوطن.
الفنان لا ينتصر على وطنه، بل يستعيد وطنه. وهذا فرق كبير.
أصالة لم تعد إلى دمشق لتثبت أن سوريا ملك لها، وقوقوش، إن عادت يومًا إلى إيران، لن تعود لتثبت أنها انتصرت على بلادها. إنهما ابنتان لوطنين، والوطن، في المعنى الإنساني العميق، أوسع من السلطة التي تحكمه في لحظة تاريخية معينة.
هذه الفكرة بالذات هي التي ينبغي أن تتعلمها المجتمعات: أن الاختلاف مع النظام وانتقاد الحكومة لا يعني كراهية الوطن، وأن الفنان الذي يرفض سياسة معينة لا يفقد حقه في وطنه، بل ربما يكون هذا الفنان، في بعض اللحظات، أكثر تعلقًا بوطنه لأنه يرفض أن يراه أقل مما يتمنى له.
إن عودة الفنان تشكل أكثر من مشهد جميل على المسرح.
إنها إعلان بأن المنفى ليس قدرًا أبديا، وأن الأبواب يمكن أن تُفتح، وأن المدن تستطيع أن تعتذر لأبنائها، ليس بالضرورة بالكلمات، بل بإعادتهم إلى الحياة الفنية والثقافية.
إن عودة أصالة إلى الشام تقول للسوري الذي اضطر إلى الرحيل: ربما تستطيع يومًا أن تعود أنتَ. وعودة أي فنان إيراني إلى طهران، إذا حدثت في المستقبل، يمكن أن تحمل الرسالة نفسها.
لكن العودة الحقيقية لا تكتمل بمجرد فتح المطار. العودة الحقيقية تحتاج إلى ضمان ألا يصبح الفنان مرة أخرى رهينة لموقفه السياسي.
عودة تحتاج إلى أن يستطيع أن يغني لمن يحب، وأن يصمت حين يريد، وأن ينتقد حين يرى أن النقد واجب، وأن يختلف مع السلطة من دون أن يفقد حقه في الوطن.
فليس المهم أن يعود الفنان مرة واحدة وسط التصفيق، بل أن يظل قادرًا على البقاء بعد انتهاء الحفل، من دون أن يخشى أن يتحول التصفيق إلى مراقبة، أو التكريم إلى قيد جديد.
ربما هذه هي الخلاصة التي تتركها لنا قصة أصالة، وقصة قوقوش، وقصص عشرات الفنانين الذين عرفوا المنفى أو المنع أو الصمت.
الوطن ليس الحكومة، وليس الحزب، وليس النظام، وليس الشخص الذي يجلس على كرسي السلطة.
الوطن هو المكان الذي تتشكل فيه ذاكرتنا الأولى: رائحة البيت، لهجة الأم، شوارع الطفولة، صوت المؤذن، أجراس الكنائس، أغاني الأفراح، مقاهي المدن، حكايات الجدات، وأغنية نسمعها للمرة الأولى ولا نعرف أنها سترافقنا طوال العمر.
ولهذا لا تستطيع السياسة أن تمتلك الوطن بالكامل.
قد تمتلك السلطة الإعلام، وقد تمتلك المنابر، وقد تمتلك القوانين، وقد تستطيع لفترة أن تمنع فنانًا من الغناء، لكنها لا تستطيع أن تمنع الإنسان من الحنين.
والحنين هو آخر مساحة حرة لا تستطيع الأنظمة السيطرة عليها، لأنه لا يحتاج إلى تصريح، ولا يعترف بالحدود، ولا يتوقف عند نقاط التفتيش.
ربما لا نعرف متى يمكن لقوقوش أن تقف مرة أخرى على مسرح في طهران، ولا نعرف إن كانت الظروف السياسية والفنية القادمة في إيران ستسمح بذلك، لكن السؤال نفسه يستحق أن يُطرح.
لأن الفن لا ينبغي أن يكون لاجئًا دائماً، ولا ينبغي أن يُطلب من الفنان أن يختار بين وطنه وصوته، ولا ينبغي أن تتحول الأغنية إلى وثيقة ولاء، ولا أن يصبح المسرح محكمة سياسية.
لقد عادت أصالة إلى دمشق، فبكت وغنى معها السوريون.
وفي تلك اللحظة لم تعد السنوات الست عشرة سنوات غياب، بل أصبحت جزءًا من معنى العودة.
أما قوقوش، التي عاشت سنوات من الصمت ثم ربع قرن تقريبًا من الغناء خارج إيران، فلا يزال سؤالها مفتوحًا: هل يمكن أن يأتي يوم تغني فيه من جديد باللغة الفارسية، لا أمام الإيرانيين في المنفى، بل أمام الإيرانيين في طهران؟
ربما تكون الإجابة السياسية صعبة، لكن الإجابة الإنسانية أبسط بكثير: كل فنان يستحق أن يغني في وطنه، وكل وطن يستحق أن يستعيد أبناءه دون أن يطلب منهم أولًا أن يتخلوا عن ذاكرتهم.
فحين يعود الفنان، لا يعود الصوت وحده. تعود معه ذاكرة البلاد، وتعود معها الأسئلة التي حاولت السنوات أن تؤجلها، وتعود الأغنية لتقول، بهدوء لا تملكه السياسة أحياناً:
إن الأوطان لا ينبغي أن تطرد أصواتها.. لأن الوطن الذي يخاف من فنه ومن أغنيته، قد يكتشف ذات يوم أنه كان يخاف من ذاكرته.