د.شريف بن محمد الأتربي
لسنوات طويلة، كانت المعادلة التعليمية تبدو واضحة وبسيطة: يقضي الطالب اثنتي عشرة سنة دراسية في التعليم العام، ثم يقضي أربعًا أو خمس سنوات في التعليم الجامعي ليحصل على الشهادة الجامعية، وبعدها ينتقل إلى سوق العمل.
كانت الرحلة تبدو وكأنها طريق مستقيم له بداية معروفة ونهاية واضحة:
مدرسة، ثم جامعة، ثم وظيفة.
وكانت الشهادة الجامعية هي المحطة التي تثبت أن صاحبها أنهى رحلة التعليم، وأصبح جاهزًا للانتقال إلى الحياة المهنية.
لكن هذه المعادلة التي بدت مستقرة لعقود بدأت تتغير بصورة واضحة.
فاليوم، لم يعد السؤال الذي يواجه الجامعة هو: ماذا سنعلّم الطالب خلال السنوات الأربع القادمة؟ وإنما أصبح السؤال الأهم: ما الذي سيحتاجه هذا الطالب بعد عشر سنوات؟ وبعد عشرين سنة؟
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فنحن نعيش في زمن يمكن أن تختفي فيه مهنة، وتتغير أخرى، وتظهر مهن لم تكن موجودة أصلًا عندما التحق الطالب بالجامعة.
ولذلك فإن الدفاع عن الشهادة الجامعية لا ينبغي أن يكون دفاعًا عن شكلها التقليدي، كما أن نقد الشهادة لا يعني إلغاءها.
الشهادة لن تنتهي، ولكن وظيفتها تتغير.
ما زالت الشهادة الجامعية مهمة؛ فهي دليل على مسار أكاديمي ومعرفي طويل، وعلى قدرة صاحبها على التعلم والبحث والتخصص والالتزام.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشهادة من دليل على التعلم إلى بديل عن إثبات الكفاءة.
فصاحب العمل لا يريد أن يعرف فقط ماذا درس الخريج، بل يريد أن يعرف:
ماذا يستطيع أن يفعل؟
هل يستطيع تحليل مشكلة حقيقية؟
هل يستطيع العمل مع فريق؟
هل يستطيع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة؟
هل يستطيع التواصل والإقناع؟
هل يستطيع تحويل المعرفة إلى منتج أو خدمة أو حل؟
وهل يستطيع أن يتعلم من جديد عندما تتغير طبيعة عمله؟
هذه الأسئلة بدأت تدفع الجامعات إلى إعادة النظر في مفهوم الدرجة الجامعية نفسها.
ففي الولايات المتحدة، يعرض تقرير Deloitte لعام 2025 تحولًا متزايدًا نحو مسارات أكثر مرونة، تشمل التعليم القائم على الكفاءة، والتعلم التجريبي، والتقييم من خلال المشروعات وملفات الإنجاز والأداء، إلى جانب الشهادات المصغرة والمسارات المرتبطة باحتياجات سوق العمل. كما يناقش التقرير إعادة النظر في نموذج الدرجة الجامعية التقليدية وربطها بصورة أوضح بالمهارات والنتائج القابلة للإثبات.
وهذا يعني أن النقاش لم يعد حول إضافة مقرر أو حذف مقرر، بل حول إعادة تعريف الجامعة نفسها.
من «ماذا درست؟» إلى «ماذا تستطيع أن تفعل؟»
هذه ربما تكون أهم نقلة في مفهوم التعليم الجامعي.
في الماضي كان السؤال:
ما تخصصك؟
ثم أصبح: ما درجتك؟
أما المستقبل، فيبدو أنه يتجه إلى سؤال أكثر مباشرة:
ما الذي تستطيع أن تقدمه؟
وهنا تكتسب المشروعات والتجارب العملية وملفات الإنجاز والشهادات المهنية والمهارات القابلة للإثبات أهمية متزايدة.
فالطالب الذي يدرس الهندسة لا يكفي أن يعرف المعادلات؛ بل ينبغي أن يستطيع استخدامها في حل مشكلة حقيقية.
وطالب إدارة الأعمال لا يكفي أن يحفظ نظريات الإدارة؛ بل ينبغي أن يستطيع إدارة مشروع.
وطالب الإعلام لا يكفي أن يدرس نظريات الاتصال؛ بل ينبغي أن يستطيع إنتاج محتوى وتحليل جمهور وبناء حملة.
وطالب الحاسب لا يكفي أن يعرف البرمجة؛ بل ينبغي أن يستطيع بناء منتج رقمي أو حل مشكلة حقيقية.
وهكذا يصبح المشروع جزءًا من التعلم، والتجربة جزءًا من التأهيل، والإنجاز جزءًا من إثبات الكفاءة.
حين تعيد بعض الجامعات الأمريكية النظر في نموذجها تقدم بعض الجامعات الأمريكية نماذج واضحة لهذا التحول.
فجامعة Western Governors University تعتمد التعليم القائم على الكفاءة، بحيث يتقدم الطالب عندما يثبت إتقانه للمهارة، وليس لمجرد أنه قضى عددًا محددًا من الساعات داخل الصف. ويمكن إثبات الكفاءة من خلال اختبارات أو مشروعات أو أداء عملي.
وهنا يتغير السؤال جذريًا:
لماذا نقيس التعلم بالوقت الذي قضاه الطالب في الجامعة، إذا كان بإمكاننا قياسه بما أصبح قادرًا على فعله؟
وهذا الاتجاه لا يعني بالضرورة إلغاء الساعات الدراسية أو النموذج الجامعي التقليدي، وإنما إعادة النظر في العلاقة بين الوقت والتعلم، بحيث تصبح القدرة المثبتة على تطبيق المعرفة جزءًا أكثر وضوحًا من الحكم على مخرجات التعليم.
لكن التغيير لا يتوقف عند طريقة قياس التعلم.
إنه يمتد إلى المكان الذي يحدث فيه التعلم نفسه.
الجامعة نفسها.. هل ستبقى كما نعرفها؟
إذا كان التعلم يتجه من المحاضرة إلى التجربة، ومن التلقي إلى التطبيق، فمن الطبيعي أن نسأل:
هل ستظل قاعات المحاضرات التقليدية هي قلب الجامعة في المستقبل؟
ربما لن تحتاج الجامعة المستقبلية إلى العدد نفسه من القاعات التي يجلس فيها مئات الطلاب للاستماع إلى محتوى يمكن الوصول إليه رقميًا، بقدر حاجتها إلى المعامل، ومراكز المحاكاة، والاستوديوهات، وورش التصنيع والتجريب، ومختبرات الذكاء الاصطناعي والبيانات، ومساحات العمل الجماعي، ومراكز الابتكار وحاضنات الأعمال.
وقد يصبح المبنى الجامعي نفسه جزءًا من المنهج.
وهذا ليس مجرد تصور نظري.
فجامعة Minerva تقدم نموذجًا مختلفًا للتجربة الجامعية؛ إذ يتعلم طلابها في مدن عالمية متعددة، وتصبح البيئة المحيطة جزءًا من التجربة التعليمية، مع اعتماد كبير على النقاشات التفاعلية والمشروعات المرتبطة بالواقع.
وفي Northeastern University، يمثل نظام التعليم التعاوني Co-op جزءًا أساسيًا من التجربة التعليمية، حيث يتناوب الطالب بين الدراسة الأكاديمية وفترات عمل كاملة، فينتقل من الجامعة إلى بيئة العمل ثم يعود إليها بخبرة مهنية يوظفها في تعلمه.
أما University of Waterloo، فقد طورت نموذجًا يقوم على التناوب بين الدراسة والعمل، بما يتيح للطالب اكتساب خبرة مهنية فعلية قبل التخرج.
هذه النماذج لا تعني أن الجامعة التقليدية ستختفي، لكنها تكشف أن شكل الجامعة ليس قدرًا ثابتًا.
فإذا كنا نبني جامعات جديدة للمستقبل، فلا ينبغي أن نكرر تصميم جامعات الماضي ثم نضع داخله تقنيات حديثة.
لا يكفي أن نضع شاشة ذكية داخل قاعة محاضرات تقليدية ونقول إننا بنينا جامعة المستقبل.
ربما نحتاج إلى قاعات أقل وأكثر مرونة، تقابلها معامل ومختبرات متخصصة، وبيئات محاكاة، واستوديوهات إنتاج، ومساحات للمشروعات والابتكار وريادة الأعمال، ومراكز للبيانات والذكاء الاصطناعي، ومرافق مشتركة تربط الجامعة بالقطاع الخاص والمجتمع.
وربما يصبح جزء من «الحرم الجامعي» خارج أسوار الجامعة أصلًا.
فالجامعة التي نحتاجها ليست بالضرورة جامعة أكبر مساحة، وإنما جامعة أكبر تجربة.
من الجامعة إلى سوق العمل.. مبكرًا
إذا كان الطالب يستطيع أن يكتسب خبرة حقيقية قبل التخرج، فلماذا ننتظر السنة الأخيرة حتى نضعه أمام سوق العمل؟
ربما تكون الجامعة المستقبلية أقل انعزالًا عن المجتمع وأكثر اتصالًا به.
قد يقضي الطالب جزءًا من رحلته في الجامعة، ثم ينتقل إلى شركة، أو مستشفى، أو مصنع، أو مختبر، ويعود بخبرة جديدة إلى الجامعة ليبحث ويحلل ويبني عليها.
وقد يعمل مع فريق متعدد التخصصات على مشكلة حقيقية، ثم يعود إلى المعرفة النظرية التي اكتشف أثناء التجربة أنه يحتاج إليها.
هنا لا يعود العمل نهاية التعليم، ولا الجامعة بداية العمل. بل يصبح الاثنان جزءًا من رحلة واحدة.
وقد تتسع هذه الفكرة أكثر؛ فالشراكات بين الجامعات والشركات يمكن أن تجعل المؤسسة المهنية شريكًا في التعليم، لا مجرد جهة تستقبل الخريج بعد التخرج.
وعندها يصبح المستشفى بيئة تعلم لطالب الطب، والمصنع مختبرًا لطالب الهندسة، والشركة مجالًا لتطبيق معارف الإدارة، والاستوديو مساحة عملية لطالب الإعلام، والمختبر البحثي قاعة درس لطالب العلوم.
وعندها يصبح السؤال عند تصميم الجامعة:
كم طالبًا تستطيع القاعات أن تستوعب؟
أقل أهمية من سؤال: كم تجربة تعليمية حقيقية تستطيع الجامعة أن توفر؟
لا نريد خريجًا لوظيفة.. بل إنسانًا لعصر كامل
إذا كانت الجامعة تريد أن تستعد للمستقبل، فعليها أن تتوقف عن سؤال:
ما الوظائف التي يحتاجها السوق الآن؟
وأن تبدأ بسؤال أعمق:
ما الإنسان الذي يستطيع أن يتكيف مع وظائف لم تظهر بعد؟
ومن هنا يمكن أن تبدأ التحولات الحقيقية.
أن يصبح المشروع أحد الأوعية الأساسية للتعلم، لا نشاطًا إضافيًا في نهاية المقرر.
وأن تبدأ الخبرة المهنية مبكرًا، بدل أن تكون التدريب الصيفي الأخير قبل التخرج.
وأن يدخل الذكاء الاصطناعي إلى كل تخصص، لا بوصفه تخصصًا منفصلًا، بل أداة يتعلم الطالب استخدامها، والتحقق من مخرجاتها، واتخاذ القرار بشأنها.
وأن تتراجع الحدود الصارمة بين التخصصات؛ فمشكلات المستقبل لن تأتي مكتوبًا عليها: هذه مشكلة هندسية، وهذه اقتصادية، وهذه تقنية.
وأن يمتلك كل طالب ملف إنجاز رقميًا يتجاوز كشف الدرجات، ويظهر مشروعاته ومهاراته وتجربته العملية وما يستطيع إنجازه بالفعل.
وأن تصبح بعض الشهادات والاعتمادات المهنية جزءًا من التجربة الجامعية، بدل أن يبدأ الطالب البحث عنها بعد التخرج.
والأهم أن تستمر علاقة الجامعة بخريجها بعد التخرج؛ لأن عالمًا يتغير بهذه السرعة لا يمكن أن يتعامل مع التعليم باعتباره رحلة تنتهي عند سن الثانية والعشرين.
قد يحتاج الخريج بعد سنوات إلى مهارة جديدة، أو شهادة قصيرة، أو تحديث مهني، أو إعادة بناء لمساره المهني.
وهنا تصبح الجامعة شريكًا في التعلم مدى الحياة، لا محطة تنتهي بمجرد استلام الشهادة.
الجامعة التي نحتاجها في المملكة
وهنا يأتي دور جامعاتنا.
فالمملكة لا تحتاج إلى نسخ تجربة أمريكية أو سنغافورية أو أوروبية، وإنما تستطيع أن تستفيد من الاتجاهات العالمية وتبني نموذجها الخاص، مستندًا إلى احتياجات اقتصادها ومجتمعها وأهداف رؤية المملكة 2030 والتحولات التي يشهدها سوق العمل.
لدينا فرصة للانتقال من جامعة تمنح الدرجة إلى جامعة تصنع القدرة؛ تستشرف احتياجات المستقبل بالشراكة مع سوق العمل، وتفتح أبوابها للشركات والباحثين والخبراء ورواد الأعمال، وتتيح للطالب التعلم داخلها وخارجها، وتقيس جودة تجربته بما أصبح قادرًا على إنجازه، لا بعدد الساعات التي قضاها على المقعد.
كما يمكن أن تعيد الجامعات النظر في مؤشرات نجاحها نفسها؛ فلا يكون عدد الخريجين هو المؤشر الوحيد، بل ما يحدث لهم بعد التخرج: قدرتهم على العمل، والتنقل بين المسارات، والتعلم المستمر، وإنتاج المشروعات، والمساهمة في الاقتصاد والمجتمع.
لا نعرف وظائف 2045.. لكننا نعرف كيف نبني إنسان 2045
قد لا نستطيع أن نعرف الآن أسماء الوظائف التي سيعمل فيها أبناؤنا بعد عشرين عامًا.
وقد لا نستطيع أن نتنبأ بدقة بما ستفعله التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بسوق العمل.
لكننا نستطيع أن نعرف نوع الإنسان الذي نحتاج إلى بنائه.
إنسان يعرف كيف يتعلم ويفكر ويسأل ويحلل ويتعاون، ويستخدم التقنية دون أن يصبح تابعًا لها، ويتعامل مع التغيير دون خوف، ويبدأ من جديد عندما تتغير قواعد اللعبة.
وهنا تصبح الشهادة الجامعية أكثر قيمة، لا أقل.
فالشهادة التي تثبت فقط أن صاحبها أمضى سنوات في الجامعة قد لا تكون كافية.
أما الشهادة التي تعكس أن صاحبها تعلم، وجرّب، وأنجز، وحل مشكلات، وعمل مع الآخرين، وأتقن مهارات حقيقية، واستطاع أن يتعلم من جديد، فستكون أكثر قيمة.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
هل انتهى زمن الشهادة الجامعية؟
بل السؤال الأهم:
هل انتهى زمن الجامعة التي تكتفي بمنح الشهادة؟
فلا نريد جامعة تجهز أبناءنا للعام القادم.
نريد جامعة تجهزهم لعشرين عامًا من التغيير.
ولا نريد خريجًا يسأل بعد التخرج:
أين توجد الوظيفة التي تناسب شهادتي؟
بل نريد خريجًا يستطيع أن يقول:
هذه معرفتي، وهذه مهاراتي، وهذه تجاربي، وهذه قدراتي، وهذه القيمة التي أستطيع أن أضيفها.. فما المشكلة التي تريدون مني أن أحلها؟
عندها لن تكون الشهادة مجرد ورقة تثبت الكفاءة.
بل ستكون الكفاءة نفسها هي التي تمنح الشهادة قيمتها.