د. طلال الحربي
حين أطلق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، رؤية المملكة 2030، لم تكن وثيقةً إنشائية تُضاف إلى أدبيات التخطيط، بل كانت إعلانًا عن تحوّلٍ بنيوي في فلسفة الاقتصاد الوطني، ينقله من اقتصادٍ ريعي يرتهن لتقلبات سلعة واحدة إلى اقتصادٍ منتجٍ متنوع الروافد، يقوم على المعرفة والابتكار والشراكة مع رأس المال العالمي. وفي قلب هذا التحوّل تقف وزارة الاستثمار بوصفها الذراع التنفيذية التي تترجم الطموح إلى تدفقات رأسمالية، والرؤية إلى مصانع ومقرات وفرص عمل، والخطاب الاستراتيجي إلى أرقام تُقرأ في النشرات الإحصائية الرسمية وتقارير المؤسسات الدولية.
لقد أدركت القيادة الرشيدة مبكرًا أن الاستثمار ليس رقمًا في ميزان المدفوعات فحسب، بل هو المحرك الأعمق للناتج المحلي الإجمالي، والمولّد الأكثر استدامة للوظائف النوعية، والجسر الذي تعبر عليه التقنية والمعرفة والخبرة الإدارية إلى الاقتصاد الوطني. فكل ريال يُستثمر في قطاعٍ إنتاجي يتضاعف أثره عبر سلاسل الإمداد والخدمات المساندة، ويتحول إلى دخلٍ للأسر وإيرادٍ غير نفطي للدولة وخبرةٍ متراكمة لدى الكوادر الوطنية، ومن هنا جاء التحوّل المؤسسي من هيئةٍ لمنح التراخيص إلى وزارةٍ تصوغ الاستراتيجية الوطنية للاستثمار وتشرف على تنفيذها، وتهيئ البيئة التشريعية، وتقيس الأداء بمؤشراتٍ دقيقة، وتنافس على رأس المال العالمي في سوقٍ لا تعرف المجاملة.
وتكشف الأرقام حجم ما تحقق بصورةٍ لا تحتاج إلى بلاغة. ففي عام 2017، عام انطلاق الإصلاحات الكبرى، لم تتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة نحو ثمانية وعشرين مليار ريال، لترتفع في عام 2025 إلى ما يقارب مئة وثلاثة وثلاثين مليار ريال، أي قرابة خمسة أضعاف خلال ثماني سنوات. وسجّل الربع الأخير من 2025 وحده صافي تدفقاتٍ بلغ 48.4 مليار ريال بنموٍ سنوي يقارب تسعين في المئة، فيما ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاد السعودي بنسبة تسعة عشر في المئة ليبلغ 3.32 تريليونات ريال بنهاية العام ذاته. وهي أرقامٌ تعكس ثقةً دولية متنامية تُوِّجت بدخول المملكة قائمة العشرة الأوائل عالميًا في مؤشر كيرني لثقة الاستثمار الأجنبي المباشر لعام 2026، بعد أن كانت في المرتبة الرابعة والعشرين عند ظهورها الأول في المؤشر عام 2023.
ولعل برنامج المقرات الإقليمية يقدم الشاهد الأبلغ على أن مستهدفات الرؤية لم تكن سقفًا بعيد المنال، بل كانت في بعض محاورها منصةً تجاوزها الأداء الفعلي قبل موعدها بسنوات. فقد وُضع للبرنامج مستهدفٌ باستقطاب 500 مقر إقليمي بحلول عام 2030، فإذا بالعدد يتخطى ذلك مبكرًا ويقترب اليوم من سبعمئة وخمسين شركةً عالمية اتخذت من الرياض مركزًا لإدارة أعمالها في المنطقة، مستفيدةً من حوافز ضريبية تمتد ثلاثين عامًا، ومن سياسةٍ حصيفة ربطت التعاقد الحكومي بالوجود الفعلي على أرض المملكة. وهذا ليس تحولًا في الأرقام فحسب، بل هو إعادة رسمٍ لخريطة مراكز القرار الاقتصادي في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق المتصاعد جاء الأمر الملكي في الثاني عشر من فبراير 2026 بتعيين معالي الأستاذ فهد بن عبدالجليل آل سيف وزيرًا للاستثمار، استكمالًا لمسيرةٍ وتدشينًا لمرحلةٍ تتطلب عقلًا ماليًا واستراتيجيًا يجيد لغة الأسواق العالمية. ومسيرة معاليه شاهدٌ على أن القيادة تختار رجالها بمعيار الكفاءة والإنجاز؛ إذ أمضى ما يزيد على عقدٍ ونصف في القطاع المصرفي متقلدًا مناصب قيادية في البنك السعودي البريطاني وإتش إس بي سي السعودية، ثم انتقل إلى وزارة المالية مستشارًا لمعالي الوزير، حيث أسس مكتب إدارة الدين العام وقاده حتى غدا المركز الوطني لإدارة الدين، الذي رسّخ حضور المملكة في أسواق الدين الدولية وأدار إصداراتها السيادية باقتدار. ثم انضم إلى صندوق الاستثمارات العامة عام 2021 رئيسًا لقطاع التمويل الاستثماري العالمي، فرئيسًا لقطاع إستراتيجية الاستثمار والدراسات الاقتصادية، مسؤولًا عن الإستراتيجية الاستثمارية طويلة المدى للصندوق وتوزيع أصوله وإطار الاستدامة وإستراتيجية الذكاء الاصطناعي. وفي كل محطةٍ من هذه المحطات كان النجاح قاسمًا مشتركًا، والبناء المؤسسي بصمةً لا تخطئها العين.
ومنذ توليه الحقيبة الوزارية، لم تكن الأشهر الأولى مرحلة تعارفٍ مع الملفات بقدر ما كانت مرحلة حراكٍ مؤسسي متسارع؛ إذ أُسندت إليه رئاسة مجلس إدارة هيئة المدن والمناطق الاقتصادية الخاصة، والإشراف العام على برنامج تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص «شريك»، في تكاملٍ يجمع خيوط المنظومة الاستثمارية في يدٍ واحدة: المناطق الخاصة التي تستقطب الصناعات النوعية، والشراكة مع كبريات الشركات الوطنية، واستقطاب رأس المال الأجنبي. ويعمل معاليه ومعه فريقٌ من الكفاءات الوطنية الشابة في الوزارة بروح الفريق الواحد، يطوفون العواصم ويحاورون المستثمرين، ويذللون العقبات التنظيمية، ويحولون الاهتمام العالمي بالمملكة إلى صفقاتٍ ملموسة في قطاعات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والطاقة المتجددة والسياحة والتصنيع المتقدم.
ولا يعني هذا أن الطريق قد اكتمل؛ فمستهدف المئة مليار دولار سنويًا من الاستثمار الأجنبي المباشر بحلول 2030 طموحٌ كبير يليق بدولةٍ بحجم المملكة، والمسافة إليه تستدعي مضاعفة الجهد وتعميق الإصلاحات وتسريع التحول من جذب المحافظ المالية إلى جذب الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل. غير أن ما تحقق حتى الآن يمنح المتابع يقينًا بأن المنهج صحيح، وأن الأدوات فاعلة، وأن الرجال على قدر المسؤولية.
إن وزارة الاستثمار اليوم ليست جهازًا حكوميًا يؤدي مهامه الروتينية، بل هي خط المواجهة الأول في معركة التنويع الاقتصادي، وواجهة المملكة أمام رأس المال العالمي، وأحد أوضح البراهين على أن رؤية 2030 لم تعد وعدًا مؤجلًا، بل واقعًا يتشكل كل يوم بالأرقام والمنجزات. وبين قيادةٍ تحلم بجرأة وتنفّذ بحزم، ووزيرٍ يحمل خبرة ربع قرن في أروقة المال والاستثمار، وفريقٍ وطنيٍ يعمل بإيمان، تمضي المملكة بخطى واثقة نحو موقعها المستحق بين أكبر اقتصادات العالم وأكثرها جاذبية.