د. بندر خلف الحارثي
كل جامعة يمكن أن تكون مصنعًا للشركات الناشئة. لكن ذلك يحتاج إلى تغيير جذري في البيئة الجامعية. بدل أن ينتهي مشروع التخرج بتسليم تقرير، لماذا لا يكون لبعض المشاريع مسار آخر:
فكرة نموذج أولي حاضنة تمويل شركة
يمكن للجامعة أن تنشئ صندوقًا لرأس المال الجريء، أو تدخل بشراكات مع صناديق قائمة، بحيث تحصل الجامعة على حصة محدودة في الشركات التي تنشأ من ملكيتها الفكرية أو منظومتها البحثية، وفق أطر قانونية وحوكمية واضحة.
وتظهر تجربة جامعة أريزونا ستيت أهمية ربط الابتكار الجامعي بالاقتصاد؛ فالجامعة تشير إلى أن الشركات الناشئة القائمة على ملكيتها الفكرية جمعت أكثر من 1.5 مليار دولار من التمويل الخارجي، وأن منظومة الابتكار لديها أسهمت في إطلاق أكثر من 250 شركة ناشئة.
إن أكبر خطر في فكرة الاستثمار الجامعي هو أن تتحول إلى مشروعات عقارية متفرقة أو شركات بلا جدوى اقتصادية. لذلك فإن الجامعة الاستثمارية تحتاج إلى قواعد صارمة. أولها: لا استثمار بلا دراسة جدوى.
ثانيها: لا مشروع بلا عائد مستهدف ومؤشرات أداء.
ثالثها: لا إدارة استثمارية بلا خبرات مالية متخصصة.
رابعها: فصل القرار الأكاديمي عن القرار الاستثماري مع وجود تكامل بينهما.
خامسها: الإفصاح والشفافية والمراجعة المستقلة.
سادسها: تنويع المخاطر وعدم وضع أموال الجامعة في مشروع واحد.
وسابعها، وربما الأهم: عدم استخدام الجامعة لأموالها في مشاريع لا تضيف قيمة حقيقية لمجتمعها أو رسالتها. فالاستثمار الجامعي ليس هدفًا بحد ذاته؛ إنه وسيلة للاستدامة.
- هل تستطيع الجامعات السعودية أن تمول نفسها بالكامل؟
ربما يكون هذا السؤال جذابًا، لكنه ليس السؤال الصحيح. ليس الهدف أن تصبح الجامعة مستقلة تمامًا.
ستظل الدولة شريكًا رئيسيًا في تمويل التعليم والبحث العلمي، خصوصًا في المجالات التي لا تحقق عائدًا تجاريًا مباشرًا، لكنها ضرورية للأمن الوطني والتنمية والمعرفة.
الهدف الأفضل هو:
تقليل الاعتماد على التمويل الحكومي، وليس إلغاءه.
ويمكن تخيل نموذج مستقبلي تصبح فيه موازنة الجامعة مزيجًا من:
تمويل حكومي + رسوم وبرامج تعليمية + أبحاث ممولة + استشارات + أوقاف + استثمارات + عقارات + شراكات مع القطاع الخاص + ملكية فكرية + شركات ناشئة + تعليم تنفيذي.
وهنا تصبح الدولة ممولًا استراتيجيًا للجامعة، وليست الممول الوحيد لكل بند في موازنتها.
إن هذا التحول يحتاج إلى تغيير مؤشرات الأداء. لا يكفي أن نقول إن الجامعة لديها عدد كبير من الطلاب. ولا يكفي عدد المباني، ولا عدد البرامج، ولا حتى عدد الأبحاث وحده. ينبغي أن نبدأ في قياس مؤشرات جديدة، مثل:
كم ريالًا تجذب الجامعة من خارج الموازنة الحكومية؟
كم تبلغ إيرادات البحث العلمي؟
كم عدد الشركات الناشئة التي خرجت من الجامعة؟
كم قيمة الملكية الفكرية التي جرى تسويقها؟
كم حجم العقود مع القطاع الخاص؟
كم عائد الأصول الجامعية؟
كم قيمة التبرعات والأوقاف؟
كم يبلغ دخل التعليم التنفيذي؟
كم تبلغ نسبة الإيرادات الذاتية من إجمالي إيرادات الجامعة؟
هذه المؤشرات لا تلغي المؤشرات الأكاديمية، بل تضيف إليها بعدًا جديدًا.
من التجارب التي تستحق الدراسة تجربة Arizona State University. فالجامعة لا تقدم نفسها باعتبارها مؤسسة تعليمية فقط، وإنما باعتبارها منظومة للابتكار والشراكات وريادة الأعمال والتنمية الاقتصادية.
وتشير بياناتها إلى أن أثرها الاقتصادي في ولاية أريزونا بلغ نحو 6.6 مليار دولار في السنة المالية 2025، إلى جانب منظومة كبيرة من الابتكار والشركات الناشئة والبراءات.
الدرس هنا ليس أن تنسخ الجامعات السعودية نموذج ASU حرفيًا، وإنما أن تتعلم كيف يمكن للجامعة أن تقيس نفسها ليس فقط بما يحدث داخل الحرم الجامعي، بل بما تحدثه من أثر خارجه.
وفي هذا المجال، تقدم Harvard University درسًا مختلفًا. فالجامعة لا تنظر إلى الوقف باعتباره مالًا يُنفق، وإنما باعتباره أصلًا يجب الحفاظ على قيمته وتنميته، ثم استخدام جزء من عوائده في تمويل التعليم والبحث والمنح والأساتذة. وهذا جوهر مهم في الإدارة الاستثمارية.
أما University of Michigan فتقدم نموذجًا مهمًا في تحويل البحث العلمي إلى نشاط اقتصادي. الأرقام الحديثة لافتة: 673 إفصاحًا عن اختراع، و326 اتفاقية ترخيص وخيار، و31 شركة ناشئة في عام مالي واحد. وهنا يمكن للجامعات السعودية أن تسأل نفسها:
كم بحثًا لدينا يمكن تحويله إلى منتج؟
كم براءة اختراع لدينا؟
كم شركة ناشئة خرجت من مختبراتنا؟
كم عقدًا بحثيًا وقعناه مع الصناعة؟
وكم من المعرفة التي ننتجها يمكن أن تتحول إلى اقتصاد؟
- مبادرات وطنية طموحة لاستثمارات الجامعات
السؤال المنطقي، لماذا لا تطلق الجامعات السعودية مبادرة وطنية طموحة يمكن تسميتها مثلًا: جامعة 30/30. بحيث تستهدف الجامعات خلال فترة زمنية محددة الوصول إلى أن تمثل 30% من إيراداتها التشغيلية من مصادر غير حكومية، ثم رفع النسبة تدريجيًا وفق قدرات كل جامعة.
على أن تأتي الإيرادات من سلة متنوعة:
- 20% أبحاث وشراكات صناعية.
- 20% استثمار وأصول.
- 15% أوقاف.
- 15% تعليم تنفيذي وتدريب.
- 10% استشارات.
- 10% ملكية فكرية وشركات ناشئة.
- 10% مصادر أخرى.
ولا يعني ذلك أن تكون هذه النسب موحدة لكل الجامعات؛ فجامعة بحثية كبرى تختلف عن جامعة إقليمية أو جامعة متخصصة. لكن وجود هدف وطني واضح للإيرادات الذاتية يمكن أن يغير طريقة التفكير في الإدارة الجامعية.
ويمكن أيضًا التفكير في إنشاء صندوق استثمار جامعي وطني بالشراكة بين عدد من الجامعات، بحيث يستثمر في:
- الشركات الناشئة الجامعية.
- التقنيات التعليمية.
- التكنولوجيا.
- الذكاء الاصطناعي.
- الصحة.
- الطاقة.
- العقار التعليمي.
- البحث والتطوير.
ويستطيع الصندوق أن يستفيد من حجم الجامعات السعودية مجتمعة بدل أن تعمل كل جامعة منفردة. وبذلك يمكن تحويل جزء من القدرات البحثية للجامعات إلى محفظة وطنية للابتكار.
ومن المبادرات الممكنة كذلك أن يكون لكل جامعة شركة استثمارية احترافية، لا تدير النشاط الأكاديمي، وإنما تدير الأنشطة الاقتصادية للجامعة. تتولى هذه الشركة: استثمار الأصول، وإدارة الشركات التابعة، وتطوير الشراكات، وإدارة الملكية الفكرية، واستقطاب المستثمرين، وتطوير المشاريع التجارية، وإدارة المحافظ الاستثمارية.
لكن يجب أن تعمل هذه الشركة وفق حوكمة مستقلة ومؤشرات أداء واضحة، لا أن تكون مجرد ذراع بيروقراطية جديدة.
إن التحدي الحقيقي أمام الجامعات السعودية ليس نقص الأموال فقط بل هو نمط التفكير. فالجامعة التي ترى أن الحل لكل احتياج جديد هو طلب زيادة في الميزانية، ستظل مرتبطة بالموازنة.
إن المستقبل ليس للجامعة التي تنفق أكثر. الجامعة الأقوى مستقبلًا لن تكون بالضرورة الجامعة التي تحصل على أكبر ميزانية. قد تكون الجامعة الأقوى هي التي تستطيع أن تحقق أكبر قيمة من كل ريال تستثمره الدولة فيها.
فالاستثمار في الجامعة لا ينبغي أن يقاس فقط بما يعود عليها ماليًا، بل بما يعود على الاقتصاد والمجتمع وسوق العمل.
إذا استثمرت الجامعة مليون ريال في مركز أبحاث، ثم خرج منه منتج وشركة ووظائف، فقد حققت عائدًا اقتصاديًا يتجاوز بكثير العائد المالي المباشر.
وإذا أنشأت برنامجًا أكاديميًا بالشراكة مع قطاع صناعي وخرج منه آلاف الخريجين الذين حصلوا على وظائف نوعية، فهذا أيضًا عائد استثماري.
وإذا استثمرت في مختبر ذكاء اصطناعي وأسهم في تأسيس شركات تقنية، فهذا استثمار. وإذا استثمرت في أستاذ متميز واستقطب منحًا بحثية دولية، فهذا استثمار.
إذن العقلية الاستثمارية لا تختزل العائد في الريال فقط؛ بل تنظر إلى العائد المالي والعلمي والاقتصادي والاجتماعي معًا.
نحتاج إلى جامعة تصنع المال ولا تستهلكه فقط. وبالتالي الجامعات السعودية أمام فرصة تاريخية. لدينا رؤية وطنية طموحة، ونظام جامعات يتجه نحو الاستقلالية المنضبطة، واقتصاد يتوسع في الاستثمار، وقطاع خاص يبحث عن المعرفة والابتكار، وأصول جامعية كبيرة، وطاقات بشرية عالية، وشريحة واسعة من الشباب، وسوق متنامٍ للتعليم والتدريب والبحث والتطوير.
لكن كل هذه المقومات لن تتحول تلقائيًا إلى استدامة مالية. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الجامعة السعودية. من مؤسسة تعليمية تعتمد على الموازنة إلى مؤسسة معرفية متعددة الإيرادات. من مستهلك للأصول إلى مستثمر فيها. من ناشر للمعرفة إلى مسوق لها. من منتج للأبحاث إلى منتج للابتكار. من طالب شراكات إلى شريك استراتيجي للقطاع الخاص.
من مؤسسة تنفق المال إلى مؤسسة تستثمر المال والمعرفة والأرض والإنسان والسمعة لصناعة قيمة جديدة.
ولعل السؤال الأهم الذي يجب أن تواجهه مجالس الجامعات خلال السنوات المقبلة ليس:
كم تحتاج جامعتنا من الدولة؟
بل:
ماذا تستطيع جامعتنا أن تنتج، وكم تستطيع أن تمول من رسالتها بنفسها؟
عندما يتغير هذا السؤال، ستتغير معه طريقة التفكير في الموازنة، والأصول، والبحث العلمي، والاستثمار، والشراكات، وحتى في اختيار التخصصات.
وعندها فقط يمكن أن ننتقل من مفهوم «تمويل الجامعة» إلى مفهوم أكثر استدامة وجرأة وهو «استثمار الجامعة».
فالدولة لا تحتاج فقط إلى جامعات تنفق عليها؛ بل تحتاج إلى جامعات تستثمر فيها، ثم تعيد جزءًا متزايدًا من قيمة هذا الاستثمار إلى الاقتصاد والمجتمع والدولة.
** **
أستاذ إدارة الأعمال - جامعة الطائف