ناصر المحيّاني
لقد أدت آخر تطورات الأوضاع الراهنة في المنطقة إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، إذ لم يعد مفهوم الأمن في النظام الدولي المعاصر قابلاً للاختزال في قدرة الدولة على حماية حدودها البرية أو البحرية أو مجالها الجوي بالوسائل العسكرية الوطنية المنفردة، فقد أفضت التحولات الطارئة على طبيعة النزاعات المسلحة ووسائل الهجوم، إلى نشوء نمط جديد من التهديدات يتجاوز الحدود التقليدية للصراع، حيث أضحى مفهوم الأمن ذا طبيعة شبكية عابرة للحدود، تتقاطع فيه حماية الموانئ التجارية والمنشآت الحيوية مع حرية التدفق الآمن للطاقة عبر الممرات المائية الإستراتيجية، مما يتطلب رسم إستراتيجيات ردع جماعية تتجاوز الأطر التقليدية للدفاع.
وفي السياق ذاته، لم يعد الاستهداف الممنهج للمنشآت النفطية أو الموانئ التجارية يهدف -بالضرورة- إلى تحقيق مكاسب عسكرية كلاسيكية، بل بات وسيلة للضغط الجيوسياسي وتعطيل قدرات اقتصادية إستراتيجية أو زعزعة حركة التجارة والطاقة، عبر منطقة تتجاوز آثار الأزمات فيها حدود الجغرافيا إلى الاستقرار الدولي برمته.
وأمام هذا المشهد المعقد، يفرض الواقع طرح تساؤلات مفصلية وهي: «كيف تتشكل المعادلة القانونية والإستراتيجية لأمن المملكة العربية السعودية في ظل هذا المشهد المعقد من التهديدات العابرة للحدود؟ وما الأساس القانوني الحاكم الذي تستند إليه المساهمات الدولية في تعزيز المنظومة الدفاعية؟ وكيف يرتبط ذلك بحماية أمن الطاقة والملاحة البحرية الدولية؟».
وفي إطار تحليل أمن المملكة، تبرز القاعدة الأساسية في النظام الدولي: أن الدولة تتمتع بالسيادة والمساواة القانونية مع غيرها من الدول، إذ تقرر في المادة (2/1) من ميثاق الأمم المتحدة أن المنظمة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها. كما ألزمت المادة (2/3) الدول الأعضاء بتسوية منازعاتها الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر. والأهم في هذا السياق ما جاء في المادة (2/4) من إلزام الدول جميعاً بالامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة؛ وهو الأمر الذي يؤسس لمعادلة قانونية واضحة مفادها: «سيادة الدولة وحظر الاعتداء عليها، وحقها في الدفاع عن نفسها»، وبالتالي فإن حماية المملكة لأراضيها ومنشآتها الحيوية وموانئها ليس امتيازاً سياسياً، بل هو ممارسة أصيلة للسيادة الوطنية تكفلها قواعد القانون الدولي، وضرورة إستراتيجية لا غنى عنها لصيانة الاستقرار الاقتصادي والأمني العالمي.
وفي السياق القانوني، تعد المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة حجر الزاوية في العقيدة الدفاعية للأمن الوطني السعودي، إذ تنص بصورة صريحة ومباشرة على الحق الطبيعي والأصيل للدول في الدفاع الشرعي عن نفسها، سواء كان ذلك بصفة فرادية أو عبر مظلة دفاعية جماعية، في حال تعرضها لأي هجوم مسلح. وقد رسمت هذه المادة إطاراً تنظيمياً دقيقاً يلزم الدول بإخطار مجلس الأمن فوراً بالتدابير الدفاعية المتخذة، مع الإبقاء على المسؤولية الأساسية للمجلس في صيانة السلم والأمن الدوليين، وهو ما يمنح الإجراءات السعودية مشروعية قانونية راسخة، تتكامل مع أحكام الشرعية الدولية لحماية استقرار المنطقة.
وبناء على ذلك، يبرز التنسيق الدفاعي والشراكات الدولية للمملكة كأداة أصيلة لتعزيز الأمن الجماعي، إذ ينطلق هذا التعاون من الموافقة السيادية الصريحة والإرادة السعودية الحرة، وهو ما يتطابق تماماً مع أطر الشرعية الدولية التي تجعل من حماية الممرات الإستراتيجية وأمن الطاقة مسؤولية دولية تشارك المملكة في قيادتها.
ومن هنا، تتجلى الأهمية البالغة للتمييز القانوني والعملي الفاصل بين المنظومات ذات الطابع الدفاعي البحت والمقيد بحدود الإقليم الوطني -كرادارات الإنذار المبكر، ومنظومات الاعتراض الجوي، وعمليات التزوّد بالوقود للطائرات المكلفة بمهام الاعتراض وحماية الأجواء- وبين العمليات الهجومية المستقلة ذات الطابع العملياتي العابر للحدود. وبذلك تتكامل أركان المشروعية في هذه المعادلة عبر اقتران السيادة الوطنية بالموافقات الرسمية المسبقة، وانضباط المهام الدفاعية بحدود الإقليم وغايات الردع.
وتأسيساً على ذلك، تشهد العقيدة الأمنية والدفاعية السعودية تحولاً إستراتيجياً متدرجاً من مفهوم الدفاع الوطني المنفرد، إلى بناء منظومات ردع جماعي أكثر تكاملاً وفاعلية، بما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو تعزيز الشراكات الدفاعية الإقليمية في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
وفي هذا الإطار، تبرز اتفاقية مكة للدفاع المشترك، والموقعة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، بوصفها نموذجاً للتعاون الدفاعي القائم على مبدأ الأمن الجماعي، إذ تقرر أن أي هجوم مسلح يستهدف سلامة أراضي أو سيادة إحدى الدول الأطراف، يعد اعتداء عليها مجتمعة. ومن شأن هذا المبدأ أن يعزِّز مصداقية الردع الجماعي، ويرسخ القدرة المشتركة على حماية الأمن والاستقرار الإقليمي في مواجهة التحديات الأمنية المتنامية.
ووفقاً للمنظور القانوني الدولي، تستمد هذه الترتيبات شرعيتها الراسخة من ميثاق الأمم المتحدة، وتحديداً في المادة (52) منه، وهي المادة التي تجيز إنشاء التنظيمات أو الترتيبات الإقليمية لمعالجة المسائل المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين، على أن تنسجم تحركاتها وغاياتها مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها.
ومن هذا المنطلق، يبرز تمييز قانوني جوهري يفصل بدقة بين تدابير «الدفاع الجماعي الشرعي» المستندة إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة باعتبارها حقاً طبيعياً للدول، وإجراءات «الإنفاذ الجماعي القسري» المحصورة بمجلس الأمن في الفصل السابع. ويمثل هذا التفكيك القانوني الحاسم ركيزة أساسية تحمي العقيدة الدفاعية السعودية وشركائها من أي التباس إجرائي، ويؤكد تلازم السيادة الوطنية الحرة مع مقتضيات الشرعية الدولية. فالموافقة السيادية للدولة، مقترنة بحق الدفاع الجماعي الشرعي، تمثِّل أساس المشروعية القانونية لهذه الترتيبات، دون اشتراط صدور تفويض من مجلس الأمن طالما بقيت في نطاق الدفاع المشروع المنصوص عليه في المادة الحادية والخمسين من الميثاق.
وفي سياق ذي صلة، تشكل حماية البنية التحتية للطاقة قاعدة ارتكاز محورية لمنظومة الأمن الدولي المعاصر، وتأسيساً على هذا المنظور الشبكي، يتشابك أمن الطاقة في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة بصورة عضوية مع منظومة الأمن العالمي، ولم تعد الأضرار المترتبة على الهجمات ضد منشآت الطاقة ومسالك تدفقها قابلة للانكفاء داخل الحدود الإقليمية للدولة المستهدفة. وقد أثبتت التحولات الأخيرة المرتبطة باضطراب سلاسل الإمداد عبر البحر الأحمر وما تلاها من مرونة إستراتيجية للمملكة في إعادة توجيه كميات ضخمة من صادراتها النفطية عبر موانئ الخليج العربي، على محورية الدور السعودي في الحد من تداعيات الأزمات الأوسع نطاقاً، والتي تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ومن هنا يتطور مفهوم الأمن الاستراتيجي للبنية التحتية الحيوية، ليتجاوز النظرة الضيقة للمنشآت والأصول الوطنية، مرتقياً بها إلى مصاف المنشآت ذات الوظيفة الدولية غير المباشرة، ويرجع ذلك إلى ارتباطها الهيكلي العابر للحدود بسلسلة مترابطة تبدأ من الإنتاج والنقل، وتمر بالتصدير والملاحة، وصولاً إلى الأسواق العالمية.
وبناءً على ذلك، فإن التدابير الأمنية الرامية إلى حماية الموانئ والمنشآت الإستراتيجية، وفي مقدمتها المواقع الحيوية في ينبع، لا تقتصر على حماية المصالح الوطنية المباشرة، بل تمثِّل ركيزة أساسية للحيلولة دون انتقال آثار المخاطر إلى النظام الدولي، وهو ما يفسر تنامي أهمية الشراكات الدفاعية والتفاهمات الدولية المشتركة لحماية حرية الملاحة واستمرار تدفقات الطاقة العالمية.
وعلى نحو وثيق، تتصل المعادلة الدفاعية السعودية بمبادئ قانون البحار كإطار حاكم لأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إذ لا ينظر القانون الدولي لهذه المساحة المائية الحيوية والممرات المترابطة بها كعنصر جغرافي مجرد، بل كشريان إستراتيجي تحكمه قواعد ملزمة تنظم الملاحة الدولية وحقوق الدول المطلة. واستناداً إلى ذلك، تكفل المادة (38/1) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، حق المرور العابر لجميع السفن والطائرات دون إعاقة عبر المضائق الدولية، مقترنة بالالتزام الصارم الوارد في المادة (39/1/ب) والتي تلزم السفن والطائرات أثناء عبورها بالامتناع التام عن أي تهديد بالقوة أو استعمالها ضد سيادة الدول المطلة أو سلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي. كما تقرر في المادة (44) التزام الدول المشاطئة بعدم تعليق أو إعاقة هذا المرور العابر، وبالتالي فإن هذه المنظومة القانونية المتكاملة، تبرهن على أن صيانة أمن الملاحة وحمايتها من التهديدات الشبكية عند هذه الممرات، ليس مجرد مصلحة اقتصادية طارئة، بل هو جزء أصيل لا يتجزأ من النظام القانوني الدولي للبحار، ومسؤولية تشارك المملكة في قيادتها لحفظ الاستقرار العالمي.
وفي سياق متصل، يتجلى البعد الدولي لحماية الممرات المائية في قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2722 لسنة 2024) الذي تناول أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ضمن غطاء قانوني أممي، يتجاوز النطاق التقليدي للنزاعات المسلحة، وقد أعاد مجلس الأمن -من خلاله- التأكيد على أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار هي المرجعية الحاكمة لكافة الأنشطة البحرية، مجدداً إداناته القاطعة للهجمات غير المشروعة التي تعيق حركة التجارة العالمية، وتقوض الأمن والسلم الدوليين.
وتكمن القيمة الإستراتيجية لهذا القرار في تأكيده الصريح على حق الدول -بموجب القانون الدولي- في حماية سفنها والتصدي لأي اعتداء يستهدفها، وهو ما يؤسس لمعادلة جيوسياسية متكاملة، ترقى بموجبها الهجمات على الناقلات التجارية، إلى مرتبة التهديد المباشر لحرية الملاحة والاقتصاد العالمي بكافة ارتداداته الدولية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب تدابير المملكة الرامية لحماية السواحل والمنشآت الحيوية والموانئ الإستراتيجية أبعاداً أوسع نطاقاً، إذ تلتقي الإجراءات السيادية السعودية مع المقاصد العليا للقرارات الأممية، لتشكل صمام أمان يضمن تدفق الطاقة وصيانة المنظومة الأمنية البحرية العالمية.
ونستخلص من ذلك، أن المعادلة الإستراتيجية للأمن والاستقرار الإقليمي التي تقودها المملكة العربية السعودية، لا تقوم على منطق القوة المجردة، بل ترتكز على تلازم متوازن بين السيادة الوطنية والشرعية الدولية، بما يجعل حماية الأراضي والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، امتداداً طبيعياً لحقوق الدولة المقررة في القانون الدولي، والتزاماً مسؤولاً تجاه أمن المنطقة والعالم في آن واحد.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتنامي التهديدات العابرة للحدود، يتأكد أن أمن المملكة لم يعد شأناً محلياً منعزلاً، بل أصبح عنصراً محورياً في استقرار الأسواق العالمية للطاقة، وحماية سلاسل الإمداد الدولية، وصون حرية الملاحة في أكثر الممرات المائية أهمية وحساسية على المستوى الدولي.
وبالتالي فإن أي استهداف للمنشآت الإستراتيجية أو الموانئ أو للممرات البحرية، لا ينعكس على الأمن الوطني للمملكة فحسب، بل يمتد أثره المباشر إلى الأمن الاقتصادي العالمي بأسره. وعلى هذا الأساس، تكتسب الشراكات الدفاعية والتنسيق الأمني الإقليمي والدولي مشروعيتها من قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، بوصفها أدوات ردع وحماية تهدف إلى منع التصعيد وصون الاستقرار، لا إلى تجاوز حدود السيادة أو الانتقاص منها. وهنا تتجسد خصوصية النموذج السعودي في قدرته على الجمع بين متطلبات الردع الفعال، والالتزام التام بأحكام الشرعية الدولية.
وعليه، لم يعد أمن المملكة العربية السعودية مجرد شأن سيادي وضرورة وطنية، بل أصبح ركناً أساسياً في منظومة الاستقرار الإقليمي والدولي، نظراً لدورها المركزي في حماية الملاحة وإمدادات الطاقة الدولية، لتشكل نموذجاً متقدماً يجمع بين صيانة السيادة الوطنية والاضطلاع بالمسؤولية الدولية، في إطار من الالتزام بأحكام الشرعية الدولية وسيادة القانون.
** **
كاتب ومحلِّل سياسي - باحث في الشأن الدولي والسياسي