مهدي العبار العنزي
حين يُرفع الشعارُ زيفاً يُراد به باطل، تسقط الأقنعة عند أول اختبار حقيقي، وحين تتناقض الأفعال مع مقاصد الانتساب، ينكشف عوار الادعاء. وما أحرى المرءَ اليوم وهو يرى جرأة المعتدين على مقدسات الأمة أن يقف وقفة تأمل واختبار أمام دعاوى الحوثيين الذين طالما تغنّوا بالانتساب لآل البيت الأطهار، بينما كانت معاولهم تنهش في جسد الأمة، وتطال صواريخهم وقذائفهم أطهر بقاع الأرض: «مكة المكرمة».
إن السؤال الذي يفرض نفسه بكل قوة وبداهة إيمانية ووجدانية: ما دمتم تدعون أنكم من سلالة آل البيت.. فهل يقبل آل البيت أن تُضرب مكة؟!
إن التاريخ الإسلامي، وسيرة السلف الصالح من آل بيت النبوة، يبرءون براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب ممّن يتخذون من الانطواء تحت العباءة الشريفة غطاءً لتنفيذ أجندات هدامة. فآل البيت الأطهار -رضوان الله عليهم- هم أول من عظم حرمات الله، وأشد الناس صيانة لبيوت الله، وأحرصهم على حرمة دماء المسلمين وأمنهم. ولم يكن تاريخهم يوماً إلا سياجاً منيعاً لحماية الإسلام ووحدته، لا معاول هدمٍ وتخريب تخدم أعداء الأمة.
إن شرف النسب -إن صحّت دعواه- لا يشفع لصاحبه إن زاغ عن المنهج القويم، ولا يعصمه من الخذلان إن خالف هدي جدّه المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي بعث رحمة للعالمين، لا لترويع الآمنين واستهداف القبلة. فالعبرة في ميزان الإسلام ليست بالدعاوى الفارغة والشعارات الحزبية المضللة، بل بالتقوى والعمل الصالح والذود عن مقدسات الأمة لا التآمر عليها.
إن استهداف مكة المكرمة -مهبط الوحي وقبلة الموحدين- ليس مجرد عدوان عسكري أعمى، بل هو سقوط أخلاقي وعقدي مدوٍّ يفضح زيف كل راية ترفع زيفاً وبهتاناً باسم آل البيت. فالحق أبيض ناصع، والباطل لجلج، ولن تخدع هذه الشعارات المستهلكة واعيًا يعرف قدر المقدسات، ولن تغطي على خزي من وجه سلاحه نحو قلب العالم الإسلامي.
لم يدرك أولئك القوم -في غمرة أطماعهم وعمى بصيرتهم- أن مكة المكرمة دونها ربٌ يحميها، وتاريخ الحوادث شاهدٌ على أن كل يد بغي امتدت بسوء نحو هذا البيت الحرام قد باءت بالخزي والعار والانكسار.
وما زاد الأمر يقيناً وثباتاً هو وقفة هذا الوطن الشامخ، حيث تجلّت إرادة الله ثم إرادة أبناء المملكة الأوفياء من عسكريين ومدنيين، أولئك المرابطون الذين استلهموا من عقيدتهم ووطنيتهم درعاً صلبة، فوقفوا كالطود الشامخ يذودون عن حياض المقدسات بكل بسالة واقتدار. ومعهم وقف العالم الإسلامي بأسره صفاً واحداً، يدرك أن المساس بمكة ليس مساساً بقطعة أرض، بل هو مساس بقلب الأمة النابض ومهوى أفئدة المليارات من المسلمين.سيبقى هذا الوطن -بقيادته الحكيمة ورجاله الأوفياء وشعبه الحي- حصناً منيعاً، وستتحطم على أبوابه العفيفة كل راية ضالة، ليظل بيت الله العتيق آمناً مطمئناً إلى يوم الدين.
حفظ الله بلاد الحرمين الشريفين آمنةً مطمئنة، وكفاها شر كيد الكائدين، وأدام عليها درعاً حازماً يحمي مقدساتها ويصون كرامتها.