سعود عبدالعزيز الجنيدل
هل نبحث عن الخطأ لنُصلحه، أم نبحث عنه لنثبت أن أحدًا أخطأ؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في بيئات العمل أبعد من ذلك؛ فالفارق بين الحالتين قد يحدد ثقافة مؤسسة كاملة، وطريقة إدارتها للأداء، ونظرتها إلى النجاح والإخفاق.
ليس صعبًا أن نجد نقصًا في أي عمل، فكل عمل بشري قابل للمراجعة، وكل مشروع يمكن تطويره، وكل نتيجة تحتمل سؤالًا إضافيًا. بل إن المراجعة والنقد وقياس النتائج من أهم أدوات التطوير. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول البحث عن الخطأ من وسيلة للتحسين إلى غاية في ذاته.
نبحث عن جزئية ناقصة، أو مؤشر لم يتحقق، أو نتيجة لم تظهر بالصورة المتوقعة، ثم نجعل منها مدخلًا للحكم على العمل كله، وربما على الأشخاص الذين قاموا به.
وهنا تختل المعادلة.
فالسؤال عن النتائج مشروع، بل واجب، لكن النتيجة لا تُقرأ منفصلة عن أسبابها. هل كان الهدف واضحًا؟ وهل وُضعت له أدوات قياس دقيقة؟ وهل مُنحت الصلاحيات؟ وهل توافرت الموارد والوقت والظروف التي تسمح بتحقيقه؟
ليس كل غياب للنتيجة دليلًا على غياب العمل، كما أن كثرة العمل ليست دليلًا كافيًا على جودة النتيجة.
ولهذا فإن الإدارة الناضجة لا تكتفي بالسؤال: ماذا لم يتحقق؟ بل تسأل أيضًا: لماذا لم يتحقق؟ وما الذي تحقق في المقابل؟ وأين يكمن القصور فعلًا؟
الفرق كبير بين الأسئلة الثلاثة.
الأول قد يبحث عن متهم، والثاني يبحث عن سبب، والثالث يبحث عن حل.
وتزداد المشكلة حين تتكرر الإشارة إلى نقص بعينه حتى يصبح عنوانًا دائمًا لكل نقاش، وتُستدعى الملاحظة نفسها كلما أريد تفسير مشكلة أكبر منها.
عندها قد تتحول الثغرة إلى «قميص عثمان»؛ تُرفع في كل مرة لوصم الأشخاص أو الأعمال بالفشل، بينما تظل أسباب القصور الحقيقية بعيدة عن طاولة النقاش.
والأخطر من الخطأ نفسه أن نصنع بيئة يتعلم فيها الناس إخفاء أخطائهم بدل الاعتراف بها؛ لأن الموظف الذي يعرف أن كل نقص سيُستخدم ضده سيتعلم كيف يحمي نفسه، قبل أن يفكر في كيفية تطوير عمله.
وهنا تخسر المؤسسة مرتين: مرة حين يقع الخطأ، ومرة حين تمنع ثقافتها اكتشاف أسبابه الحقيقية.
نحتاج إلى البحث عن الثغرات، بالتأكيد، لكن لكي نغلقها لا لكي نرفعها.
فالقياس وُجد لتحسين الأداء، والمراجعة وُجدت لتصحيح المسار، والنقد وُجد ليقود إلى عمل أفضل.
أما حين يصبح العثور على الخطأ إنجازًا في ذاته، فعلينا أن نراجع السؤال من البداية:
هل كنا نبحث عن الحل... أم عن المخطئ؟