سلمان بن أحمد العيد
تشهد المملكة العربية السعودية تحولًا متسارعًا في مسيرتها نحو اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية، مع تنامي دور الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أهم محركات النمو الاقتصادي والابتكار في العالم. ولم يعد الذكاء الاصطناعي في المملكة مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح عنصرًا رئيسًا في مسار التحول الوطني، وداعمًا لتطوير القطاعات الحكومية والاقتصادية والخدمية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ويأتي هذا التحول فى ظل رعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين وسمو الأمير ولي العهد حفظهما الله، ودعم متواصل للابتكار والتقنيات المتقدمة، بما أسهم في تعزيز البيئة الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وفتح المجال أمام الاستثمارات النوعية والشراكات الدولية، وتطوير القدرات الوطنية في المجالات التقنية الحديثة.
وقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة توسعًا واضحًا في البنية التحتية الرقمية اللازمة لنمو اقتصاد الذكاء الاصطناعي. ووفق بيانات رسمية، ارتفعت القدرة التشغيلية لمراكز البيانات في المملكة من 68 ميجاوات عام 2021 إلى أكثر من 440 ميجاوات في عام 2025، مع وجود أكثر من 60 مركز بيانات طورتها أكثر من 20 شركة، واستثمارات تجاوزت 16 مليار ريال. كما واصلت القدرة التوسعية نموها خلال عام 2026، في مؤشر على تزايد الطلب على الحوسبة السحابية والخدمات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وفي قلب هذا التوجه، تبرز الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» بوصفها جهة وطنية محورية في تنظيم وتطوير قطاع البيانات والذكاء الاصطناعي. وتعمل المملكة على بناء منظومة متكاملة تشمل البيانات، والحوسبة، والبنية التحتية، والابتكار، والمهارات، والسياسات والتنظيمات، بما يعزز الانتقال من مرحلة تبني التقنيات إلى مرحلة تطوير حلول وتقنيات وطنية قادرة على المنافسة عالميًا.
ويمثل إطلاق شركة «هيوماين» في عام 2025 محطة بارزة في هذا المسار، إذ تعمل الشركة على الاستثمار والعمل عبر سلسلة القيمة في الذكاء الاصطناعي، بما يشمل مراكز البيانات المتقدمة، والبنية التحتية للحوسبة، والخدمات السحابية، والنماذج المتقدمة والتطبيقات والحلول. ويعكس ذلك توجهًا نحو بناء قدرات متكاملة داخل المملكة، مع إمكانية تطوير حلول محلية وتقديمها على المستويين الإقليمي والعالمي.
ولا يقتصر اقتصاد الذكاء الاصطناعي على البنية التقنية والاستثمارات، بل يمتد إلى بناء الإنسان وتأهيل الكفاءات. فقد ركزت المبادرات الوطنية على تنمية المهارات الرقمية ورفع الوعي بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب دعم البحث والتطوير والابتكار. وتشير البيانات الرسمية إلى تدريب أكثر من 11 ألف متخصص، ووصول برامج التوعية والتدريب إلى أكثر من مليون مشارك، بما يعكس أهمية رأس المال البشري في المرحلة الجديدة من الاقتصاد الرقمي.
كما تتجه المملكة إلى توسيع الاستخدامات العملية للذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات الاقتصادية والخدمية. ومن الأمثلة الحديثة إطلاق وزارة الاقتصاد والتخطيط النسخة التجريبية من أداة «INSAIGHTS» المعتمدة على الذكاء الاصطناعي الوكيلي، والتي تتيح للمستخدمين الوصول إلى تحليلات ورؤى مبنية على آلاف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، بما يدعم اتخاذ القرار القائم على البيانات.
وفي الجانب التنظيمي، تولي المملكة أهمية متزايدة للاستخدام المسؤول والآمن للذكاء الاصطناعي، مع تطوير الأطر والسياسات المرتبطة بالبيانات وحوكمتها. كما عزز انضمام المملكة إلى الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي عام 2026 حضورها في النقاش الدولي حول تطوير المعايير والاستخدام الأخلاقي والمسؤول لهذه التقنيات.
ومع إعلان عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» في المملكة، تتجه السعودية إلى مرحلة جديدة تتكامل فيها الاستثمارات والبنية التحتية والكوادر البشرية والتنظيمات والتطبيقات. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متناميًا بأن الاقتصاد العالمي يتجه نحو نموذج يعتمد بصورة أكبر على البيانات والحوسبة والابتكار، وأن امتلاك القدرات في هذه المجالات يمثل عاملًا مهمًا في تعزيز التنويع الاقتصادي وخلق فرص جديدة للأعمال والاستثمار.
وبهذه الخطوات، تواصل المملكة بناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي ترتبط بأهداف رؤية السعودية 2030، وتجمع بين الاستثمار في التقنية، وتنمية المواهب، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع الابتكار والشراكات الدولية. ومع استمرار هذا المسار، يتشكل أمام الاقتصاد السعودي مجال واسع لتطوير منتجات وخدمات قائمة على الذكاء الاصطناعي، ودعم القطاعات الحيوية، وتعزيز حضور المملكة في الاقتصاد الرقمي العالمي.