صبحي شبانة
من الصعب في تقدير كثير من الخبراء والمحللين العسكريين، أن يُقال إن المملكة دخلت حرب اليمن وهي تبحث فقط عن حسم عسكري سريع، إذ لو كان ذلك هو هدفها الوحيد، لكان بإمكانها أن تتعامل مع الحرب بمنطق مختلف تمامًا، يجعل إسقاط الحوثيين وإنهاء المعركة في أقصر وقت ممكن أولوية تتقدم على ما عداها، غير أن المملكة اختارت طريقًا أكثر تعقيدًا، فلم تتعامل مع اليمن بوصفه أرضًا معادية ينبغي إخضاعها، ولا مع شعبه باعتباره طرفًا في الخصومة، وإنما باعتباره بلدًا عربيًا شقيقًا، تجمعها به روابط التاريخ والجغرافيا والمصالح والمصير المشترك، وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي كثيرًا ما تغيب عن قراءة المشهد اليمني، فامتلاك القدرة على الحسم العسكري شيء، واختيار استخدام هذه القدرة دون قيود شيء آخر، وبين الأمرين مسافة واسعة تصنعها حسابات الدولة، وحرمة الدم، وحماية المدنيين، ومستقبل البلد الذي تدور فيه الحرب، فالحرب التي يكون هدفها إسقاط الخصم بأي ثمن يمكن أن تنتهي سريعًا إذا أُطلقت القوة من عقالها، أما الحرب التي تضع في حساباتها ألا يتحول الانتصار العسكري إلى هزيمة إنسانية، وألا يؤدي تدمير الخصم إلى تدمير البلد نفسه، فإنها بالضرورة تصبح أكثر تعقيدًا وأطول زمنًا.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس فقط، لماذا طال أمد الحرب في اليمن، وإنما لماذا اختارت المملكة طريقًا أطول وأكثر تعقيدًا، وهي التي تملك من أدوات القوة ما يجعلها قادرة على خوض مواجهة عسكرية مختلفة، والإجابة في تقديري تبدأ من طبيعة الموقف السعودي نفسه، فالمملكة لم تدخل اليمن بحثًا عن أرض جديدة، ولا رغبة في إخضاع شعب، ولا سعيًا إلى تغيير هوية بلد عربي، وإنما دخلته في إطار موقف معلن لدعم الدولة اليمنية ومؤسساتها، ومواجهة خطر مليشيا انقلابية استولت على مؤسسات الدولة الشرعية بقوة السلاح، وأطاحت بمسار التحول السياسي الذي كان اليمنيون قد اتفقوا عليه، ثم تحولت الحرب معها تدريجيًا إلى صراع تتداخل فيه الحسابات اليمنية والإقليمية والدولية، لهذا فإن قراءة طول الحرب هي قراءة تختزل مشهدًا بالغ التعقيد في معادلة واحدة، لأن الفارق كبير بين جيش نظامي يمتلك أحدث منظومات التسليح والتقنية والتدريب، وبين مليشيا انقلابية مدعومة من الخارج، تخوض حرب استنزاف، وتتحرك داخل تضاريس وعرة، وتستفيد من طبيعة الحرب غير النظامية، ومن امتداد الصراع إلى المجالين السياسي والاجتماعي، ومن الدعم والخبرات التي تصلها من خارج الحدود، فمثل هذه الحروب لا تُحسم بمجرد التفوق في الطائرات والصواريخ والمدرعات، وإنما تحتاج إلى حسابات أخرى تتعلق بما بعد المعركة، وبالشكل الذي سيبدو عليه البلد عندما تصمت المدافع.
وهنا يصبح الفرق جوهريًا بين أن تنتصر في معركة، وأن تنجح في إنهاء حرب، فالمعركة يمكن أن تُحسم بالقوة، أما الحرب فلا تنتهي بالضرورة بانتهاء العمليات العسكرية، لأن ما يبقى بعدها هو الشعب، والدولة، والاقتصاد، والحدود، والمدن، والعلاقات بين مكونات المجتمع، ولذلك فإن الحسم الذي يترك وراءه بلدًا أكثر انقسامًا ودمارًا ليس بالضرورة هو الحسم الذي تبحث عنه دولة تنظر إلى أمنها على المدى البعيد، وتدرك أن استقرار اليمن ليس قضية تخص اليمنيين وحدهم، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بأمن المملكة وأمن المنطقة كلها، ومن هذه الزاوية تحديدًا ينبغي فهم السياسة السعودية في اليمن، فالمملكة لا تنظر إلى اليمن باعتباره جبهة بعيدة يمكن التعامل معها بمنطق الحرب وحده، وإنما باعتباره جارًا وشقيقًا وامتدادًا طبيعيًا لأمنها الإقليمي، ولذلك ظل البعد السياسي والإنساني حاضرًا إلى جانب البعد العسكري، وظلت فكرة الوصول في النهاية إلى تسوية سياسية تحفظ لليمن دولته ووحدته واستقراره هي الهدف الذي يمنح المواجهة العسكرية معناها، ويحول القوة من غاية في ذاتها إلى وسيلة لحماية الأمن وفتح الطريق أمام السلام.
وهذا هو ما يجعل السؤال عن طول الحرب أكثر عمقًا من مجرد التساؤل عن القدرة على الحسم، فالقضية لم تكن يومًا، هل تستطيع المملكة أن تستخدم قوة أكبر، وإنما كيف يمكن استخدام القوة من دون أن يتحول اليمن نفسه إلى ضحية لها، وكيف يمكن مواجهة مليشيا مسلحة تهدد الدولة وأمن المنطقة، من دون أن يصبح الشعب اليمني هو من يدفع الثمن الأكبر، وكيف يمكن أن ينتهي الصراع بانتصار الدولة اليمنية واستعادة مؤسساتها، لا بمجرد إسكات السلاح لفترة ثم عودته من جديد، إنها في جوهرها معادلة صعبة بين القوة والمسؤولية، وبين الحسم العسكري والحل السياسي، وبين متطلبات الأمن وحرمة الإنسان، وهي معادلة تجعل الطريق الأقصر إلى الانتصار العسكري ليس بالضرورة هو الطريق الأقرب إلى السلام، وربما يكون هذا تحديدًا هو المفتاح الذي يمكن من خلاله فهم لماذا طال أمد الحرب في اليمن، ولماذا اختارت المملكة طريقًا أطول إلى الحسم.
وهنا تتغير قواعد اللعبة، فالجيش النظامي يستطيع أن يتقدم على الأرض، ويسيطر على المدن والمنشآت والمواقع العسكرية، غير أن طبيعة المليشيا الانقلابية، بما تحمله من دعم وتسليح خارجي، تجعلها تتعامل مع الهزيمة الميدانية بمنطق مختلف عن منطق الدول والجيوش النظامية، فهي تنسحب من موقع لتعود إليه لاحقًا حين تسنح الفرصة، وتستبدل بالمواجهة المباشرة على الجبهات أدوات أخرى تخدم مشروعها التخريبي، من إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى استهداف الملاحة الدولية في الممرات البحرية، بما يحوّل الصراع من معركة محدودة على الأرض إلى تهديد يتجاوز حدود اليمن ليطال أمن المنطقة والعالم، ولذلك فإن طول الحرب لا يمكن أن يُقرأ وحده باعتباره مؤشرًا على توازن القوة العسكرية بين الطرفين، لأن الحروب الحديثة لا تُحسم دائمًا بحساب عدد الطائرات والمدافع والصواريخ، وإنما تتداخل فيها الجغرافيا والسياسة والمجتمع والاقتصاد والبيئة الإقليمية والدولية.
العامل الأهم في الحالة اليمنية هو أن المملكة لم تتعامل مع الشعب اليمني باعتباره خصمًا، وهذه نقطة جوهرية، فبين المملكة واليمن تاريخ طويل من العلاقات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وملايين اليمنيين عاشوا ويعيشون في المملكة، وتداخلت مصالح الشعبين بصورة تجعل اليمن بالنسبة إلى السعودية أكثر من مجرد جار جنوبي، ولذلك فإن أي عملية عسكرية في اليمن لا يمكن فصلها عن حسابات إنسانية وأخلاقية وسياسية تتجاوز الحساب العسكري المباشر، ومن هنا يمكن فهم التوازي بين العمل العسكري والجهد الإنساني السعودي في اليمن، ففي الوقت الذي كانت فيه المملكة تواجه التهديدات العسكرية، واصلت عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تقديم برامج ومساعدات لليمنيين في مجالات الغذاء والصحة والإيواء والمياه والتعليم وغيرها، وهذا التوازي يكشف عن فارق أساسي في النظرة إلى الصراع، هناك فرق بين مواجهة جماعة مسلحة وبين معاقبة شعب بأكمله، ولعل هذا هو أحد أكثر الجوانب التي تحتاج إلى قراءة هادئة في الملف اليمني، فالمشكلة ليست في وجود القوة العسكرية، وإنما في كيفية استخدامها، وما الهدف النهائي منها، لقد كان بإمكان الحرب أن تتحول إلى معركة مفتوحة لا سقف لها، لكن ذلك كان سيعني بالضرورة كلفة بشرية واقتصادية وإنسانية أكبر، وربما كان سيترك وراءه مجتمعًا يمنيًا أكثر انقسامًا ودولة أكثر ضعفًا، وهو ما لا يخدم في النهاية الشعب اليمني.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية لم تكن، ولا ينبغي أن تكون، ضد اليمنيين، المعركة كانت وما زالت مع مشروع إيراني يريد أن يجعل من الدولة اليمنية رهينة لذراعه المسلحة، ومن الجغرافيا اليمنية ورقة ضغط في صراع إقليمي أوسع، وتزداد خطورة هذا البعد عندما نضع في الاعتبار الموقع الجغرافي لليمن، المطل على باب المندب والبحر الأحمر، وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى أمن الملاحة الدولية وأمن دول المنطقة، فاليمن ليس ساحة داخلية معزولة، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن يتحول إلى تهديد يتجاوز حدوده، وهو ما جعل الملف اليمني جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي والدولي، وفي المقابل لا يمكن تجاهل أن مليشيا الحوثي الانقلابية وسّعت، عبر سنوات الحرب، ترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ووسائل الحرب غير التقليدية، بفضل الدعم العسكري والتقني الإيراني المباشر، وهو ما تؤكده تقارير دولية وأممية متعددة، بما يجعل من المليشيا أداة وظيفية ضمن مشروع إقليمي أوسع لا طرفًا يمنيًا خالصًا، كما أن طبيعة الحرب نفسها جعلت من الصعب الوصول إلى نهاية عسكرية تقليدية، لأن الجماعات المسلحة لا تحتاج إلى امتلاك قوة عسكرية مماثلة لقوة الدولة حتى تستطيع إطالة أمد الصراع.
إن اختزال الأزمة اليمنية كلها في البعد العسكري سيكون خطأً آخر، فحتى لو تحقق انتصار عسكري حاسم، فإن السؤال الأصعب سيبقى، ماذا بعد، كيف تُبنى الدولة، وكيف تُجمع الأطراف اليمنية على صيغة سياسية قابلة للحياة، وكيف تُدمج القوى المختلفة في إطار دولة واحدة، وكيف يمكن ضمان ألا تعود البلاد بعد سنوات قليلة إلى نقطة الصفر، هذه الأسئلة هي التي تجعل الحل السياسي في اليمن ضرورة، لا خيارًا ثانويًا، ومن هنا يمكن فهم إصرار المملكة على أن الطريق النهائي للخروج من الأزمة يمر عبر التسوية السياسية، وليس عبر استمرار الحرب إلى ما لا نهاية، وقد ظهر ذلك في المبادرات والتحركات السعودية المتعاقبة التي سعت إلى تثبيت الهدنة، وفتح قنوات الحوار، ودعم المسار السياسي، والتوصل إلى صيغة تنهي الحرب وتحفظ لليمن وحدته وأمنه واستقراره، فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تصنع دولة مستقرة، والسلاح يستطيع أن يغير موازين القوة في الميدان، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع توافقًا سياسيًا أو يعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
وهنا تبدو المفارقة اليمنية بوضوح، قد يكون إسقاط موقع عسكري أسهل من بناء سلام دائم، وقد يكون تحقيق تفوق ميداني أسهل من تحويل هذا التفوق إلى استقرار سياسي قابل للاستمرار، وهذا تحديدًا هو معنى الطريق الأطول إلى الحسم، فالمملكة لا تحتاج إلى أن تثبت تفوقها العسكري في اليمن من خلال حرب بلا نهاية، كما أن مصلحة السعودية ليست في بقاء اليمن ساحة مفتوحة للصراع، مصلحتها الأساسية هي أن ترى جارها الجنوبي دولة مستقرة، موحدة، قادرة على حماية حدودها وأمنها، وأن يعود اليمن إلى دوره الطبيعي في محيطه العربي ولذلك فإن قراءة الحرب اليمنية من زاوية عسكرية فقط تظل قراءة ناقصة، فالسؤال ليس لماذا لم تُحسم الحرب في أسابيع، بل السؤال الأعمق هو، أي حسم كان مطلوبًا، هل هو حسم عسكري يترك وراءه بلدًا أكثر خرابًا وانقسامًا، أم حسم سياسي وأمني ينتهي باستعادة الدولة اليمنية لقدرتها على إدارة شؤونها وحماية أراضيها، ويغلق الباب أمام تحويلها إلى ساحة صراع إقليمي، الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حرب تريد إسكات السلاح مؤقتًا، ومسار يريد أن يمنع عودته مرة أخرى.
إن طول أمد الأزمة اليمنية ليس مقياسًا لموازين القوة العسكرية، بل هو انعكاس لطبيعة الصراع نفسه وتعقيداته المتشابكة، فالحرب في اليمن أبعد من أن تُختزل في معادلة عسكرية بين جيش نظامي ومليشيا مسلحة، إنها صراع على الدولة، وعلى مستقبل اليمن، وعلى أمن المنطقة، وعلى طبيعة الدور الذي ستلعبه الجغرافيا اليمنية في السنوات المقبلة، وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو أن يتحول التفوق العسكري السعودي إلى ورقة تدفع نحو السلام واستعادة الدولة اليمنية عافيتها، لا إلى وقود لحرب لا تنتهي، فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من السنوات في ساحات القتال بقدر ما يحتاج إلى دولة تستعيد مؤسساتها، وشعب يستعيد أمنه، وحدود آمنة، ومحيط إقليمي يساعده على الخروج من أزمته بدل أن يجعله ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، وهنا ربما تكمن الإجابة الأهم عن سؤال طال أمده، لماذا لم تختر السعودية الطريق الأقصر إلى الحسم، لأن الطريق الأقصر عسكريًا ليس بالضرورة هو الطريق الأقرب إلى السلام.