أ.د. يحيى بن محمد شيخ أبو الخير
أخوض مع قرائي الكرام في هذا المقال تجربة استقرائية أزاوج فيها بين مجالين هما: الفيزياء والشعر. ولهذين المجالين علاقة وثيقة ببعضهما البعض وخاصة في مجال الخيال الذي يعد قاسماً مشتركاً بين العلمين في قضايا سهم الزمن. فحين تمتزج الفيزياء بالخيال الشعري، أي حين يلتقي الفيزيائي بالأديب الشاعر، فإن التقاءهما لا يعني إلغاء أحدهما الآخر. فالفيزيائي لا يفرض على الشاعر قوانينه، ولا الشاعر في المقابل يملي على الفيزيائي قيمه، بل يبقى الفيزيائي فيزيائياً، ويبقى الشاعر كذلك شاعراً. كما تبقى مقاربات الشعراء للسرد الزمني الرياضي مجرد شواهد ثقافية تضفي على المادة الفيزيائية ربما بعضاً من تجليات الشعراء فتكسبها أبعاداً مجازية مُؤَنسِنَةٍ لنسيجها الزمكاني. وقبل أن أعرض الشواهد التي تُبرِز مدى المقاربة بين الشعر والفيزياء في بعض القضايا المتعلقة بسهم الزمن، أود أن أوضح أن المقصود من ذلك ليس الزعم أن الشعراء قد وصفوا بصورة استباقية القانون الثاني للديناميكا الحرارية أو المفهوم الفيزيائي الحديث لسهم الزمن. وإنما المقصود من هذا العرض هو إيضاح أن التجربة الشعرية قد التقطت بوسيلتها الخاصة بعض السمات التي تجعل الزمن الإنساني ذا اتجاه قد مضى بعضه دون أن يترك أثرا، بينما خَلًّفَ البعض الآخر أثراً يخلده. ولكن في كل الأحوال لا توجد عودة تلقائية عكوسية تعيد ما مضى إلى حالته السابقة. وتعد هذه اللا- عكوسية هي موطن المقاربة في نهاية المطاف بين الشعر والفيزياء في مجال سهم الزمن موضوع هذا المقال وغايته.
بعد الاستهلال الآنف الذكر لا بد، بادئ بدء، الإشارة إلى معلومة مهمة وهي: أن قوانين الفيزياء الكلاسيكية والنسبية تبدي تناظراً زمنياً لا تختلف حلوله رياضياً سواء تحرك الزمن إلى الأمام أو إلى الخلف. ولكن الغريب في الأمر أن الواقع الذي نعيشه يفرض أحوالاً مغايرةً تماماً عن تلك الحلول؛ فالكأس يسقط وينكسر ولكن لا يمكن لشظاياه أن تقفز من الأرض تلقائياً لإعادة الفنجان كما كان قبل تشظيه. وكذلك تنتقل الحرارة عادة من الجسم الأسخن إلى الأبرد، ولكن يستحيل حدوث العملية المعاكسة تلقائياً في النظام نفسه. وقد أطلق سيروس إيدينجتون على هذا السلوك «سهم الزمن» المحكوم بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية، حيث يتجه الكون من النظام إلى الفوضى، أو ما يُعرف بـ«الإنتروبي». والحقيقة التي يجب توضيحها في هذا السياق هي: أن تعريف «الإنتروبي» بالفوضى ليس تعريفا دقيقاً، وإنما الأدق من ذلك حسب بولتزمان هو التعريف الذي ترتبط صيغته بعدد الحالات المجهرية التي يمكن أن تحقق الحالة الميكروسكوبية نفسها. فالحالات القريبة من الاتزان تكون إحصائياً أكثر عددا من الحالات الحدية البعيدة عنه. ومن المهم التنويه هنا أن لهذا السهم خطا أحاديا حتمي الاتجاه لا يمكن لأي كائن في الكون الانحراف عنه. وهذا الخط هو الذي يسوق بأمر الله تعالى الأكوان بمجراتها ونجومها وما فيهن في اتجاه واحد لا رجعة فيه نحو حتفها الحتمي المصير. وأزعم أن قول أبي العتاهية:
ألا ليت الشباب يعود يوما
فأخبره بما فعل المشيب
يعد مقاربة جلية تعكس السمت الزمني الأحادي الاتجاه كواقعٍ معاشٍ يُبرِزُ فيه الشاعر استحالة رجوع ما مضى من سهم الزمن. وكأن أبو العتاهية في هذا القول الذي يعكس الانتقال من اتجاه الزمن النفسي والإنساني إلى مفهوم «سهم الزمن» يختبر صورة هذا البعد المُحَيِّرِ الذي ينتقل بشكل لا رجعة فيه من الماضي إلى المستقبل أو من الشباب إلى الشيخوخة. ويعد هذا الانتقال من قوة الشباب إلى ضعف الشيخوخة أمراً حتمي الحدوث فصَّله الله عزوجل في قوله تعالى: «الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير» (الروم، 54). كما أن هناك مقاربة فيزيو-شعرية مهمة أخرى تتمثل في رؤية أبي العتاهية نفسه داخل الزمن مقارنة برؤية الفيزيائي الزمن داخل بنية الكون. ومن المهم التأكيد هنا أن عدم تناظر الرؤيتين الفيزيو-شعرية للزمن لا يلغي معقولية التزاوج بين الفيزياء والشعر. ومن شعر أبي العتاهية الذي يعد صورة معبرة أخرى لسهم الزمن البيت التالي:
لعمرك ما الدنيا بدار بقاء
كفاك بدار الموت دار فناء
فهذا البيت يتقاطع مع الزمن بوصفه اتجاهاً نحو حالات لا يمكن استرجاعها، وكأن أبا العتاهية يحاكي في هذا البيت المسار القدري غير المرتجعي لسهم الزمن. ولذا يعد الخط الشعوري لمسار هذا السهم في رأيي المصدر الشعري الأساس لتراجيديا الإنتروبيا الإنسانية التي منها يتولد الحنين، والندم، وفوبيا الفناء أو الفقد. وتتجلى هذه الإنتروبيا في تجاعيد الوجه، وفقدان الذاكرة، وتلاشي الذكريات، وانهيار الأمم والحضارات وفناء الإنسانية برمتها في آخر المطاف. وتعد بعض مقاربات الشعراء وتقاطعها مع قضايا تراجيديا الإنتروبيا الإنسانية التي تفرضها دكتاتورية المسار الزمكاني الأحادي الاتجاه لذلك السهم صورة صارخة من صور الاحتجاج الشعري غير المعلنة على تلك التراجيديا المسرحية المشهد. كما تعد القصيدة في الآن نفسه محاولة لإيقاف مسار تدفق ذلك السهم، وإبقائه صامداً في وجه انتروبيا فوضى الديناميكا الحرارية. ولعل من أبلغ المقاربات الشعرية التي تتعلق أيضاً بتراجيديا الإنتروبيا الإنسانية قول لبيد ابن ربيعة:
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل
وكلٌّ نعيم لا محالة زائل
وعلى الرغم من أن لبيد لم يتعرض في هذا البيت صراحة للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، لكنه عبَّر عنه بطريقة استباقية غير مباشرة تعكس وعي الإنسان به وبفوبيا الفقد وحتمية الفناء التي قد ترافقه أو تنجم عنه. ورغم أن سهم الزمن يتحرك بالسرعة نفسها في الساعات الميكانيكية، إلا أن سماته النفسية الفيزيو-أدبية الشعورية متباينة للغاية وخاصة في المجالات المتعلقة بفوبيا الفقد. فثانية الوداع الأخيرة على سبيل المثال لا الحصر تمتد في وجدان الشاعر لتستغرق دهراً، بينما سنوات السعادة تمر عبر خلده كومضة برق.
ولأبي الطيب المتنبي بيت شعري مشهور قال فيه:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
ولقد مَيَّزَ المتنبي في هذا البيت بين الزمن كما نرغبه والزمن كما قُدِّرَ للطبيعة أن تجري به، معبراً في البيت نفسه عن نطاقات الأطياف الرمادية بين ما وقع وما يمكن أن يقع من الأحداث. أو بعبارة أخرى قدم المتنبي في سرده الشعري أعلاه صورة إنسانية واقعية للفرق بين المستقبل الذي يتمناه الإنسان والمستقبل الذي قد لا تتحقق فيه الأمنيات. وأزعم أن البيت الشعري الآنف الذكر يمكن أن يعد نواة لتشييد جسرٍ حيوي يربط بينه وبين الفيزياء في مجال القيم الحدية الأولية لأبعاد التوقعات التي يعتمدها الفيزيائي استناداً إلى نتائج القياسات الرصدية والتجريبية مقارنة باستناد الشاعر في ذات المجال إلى فرص الخبرة والشعور الوجداني للواقع المقيس المعاش. ويواصل أبو الطيب المتنبي تصويره البياني الرائع لمسار الزمن في بيت شعري بليغ آخر يوضح فيه أن معاناته مع الزمن، الذي يعد رفيقاً للإنسان، لا تختلف عن معاناة أسلافه له من قبله فيقول:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
وعناهم من شأنه ما عنانا
وعلى الرغم من أن المتنبي لم يقدم في البيت الشعري الآنف الذكر نظرية فيزيائية زمكانية، لكنه نجح في رأيي أن يؤنسن فيه الزمن في هذا البيت فيجعله رفيقاً يصاحب الإنسان أينما حلَّ أو ارتحل.
في ختام هذا المقال المعزز بالشواهد الشعرية ذات العلاقة بالمسار الزمكاني لسهم الزمن، أود أن تكون مشاركة امرئ القيس مسك الختام حيث اختصر شاعرنا القدير في كلمات قليلة بُنيَةً زمنيةً موغلة في عمق التاريخ فقال:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وهو بيت فريد يمكن قراءته بوصفه في رأيي صورة شعرية بديعة مبكرة لما يكمن تسميته «سهم الزمن النفسي». فالماضي حسب أمرئ القيس في هذا البيت لا يعود أو يُسترجَع كواقعٍ حاضرٍ وإنما كأثرٍ وذكرى. فاللافت إذن أن امرأ القيس لا يبدأ في هذا البيت من الحاضر بوصفه لحظة مكتفية بذاتها، بل يقف في الحاضر أمام مكان مادي ثم يستدعي منه ماضياً غائباً بحيث يمكن تصور المكان كأثرٍ مادي للماضي داخل الحاضر. أي بمعني آخر، أن الصورة الشعرية في بيت أمرئ القيس قيد النظر لا تستعيد الحدث نفسه، وإنما تعيد بناء صورته في الوعي الأمر الذي يجعل المفهوم الذي تجسده هذه الصورة، في رأيي، سابقة معرفية لم تأخذ بها قوانين الإنتروبيا في طيفها الفيزيو زمكاني المعرفي التطبيقي. وهكذا يكون «قفا نبك» كغيره من الشواهد الشعرية الآنفة الذكر في هذا المقال شاهدا معرفياً على شيء ٍزائدٍ قد سبق فيزياء الإنتروبي اللا انعكاسية، وإن كان المجالان مختلفين جذرياً.
فأمرؤ القيس قد نجح في رأيي في هذا البيت الشعري الجزل بالعاطفة أن يجعلك تقف عند المنزل الذي شهد الماضي، لكنه لا يستطيع أن يجعلك تقف عند اللحظة التي كان فيها الماضي حاضراً. وهذا لا يعني أن الذاكرة هي تفسير لسهم الزمن، وإنما يعني أن إدراكنا للماضي نفسه ذو بنية سهمية نفسية نملك من خلالها آثاراً للماضي، بينما لا نملك بالطريقة نفسها آثاراً مستقبلية. فالطلل زمنياً إذن هو الميدان الذي تتبلور فيه تجارب الشعراء وتترسخ البنية الزمكانية السايكو-فيزيائية للنفس البشرية التي عانت ولا تزال تعاني من تراجيديا الإنتروبيا الإنسانية الموغلة في العمق السحيق لمواطن الأمل والأمل في الذات البشرية. فالشعر وفقاً لما تقدم إذن ليس برهانا في نهاية المطاف على مدى دقة تجليات الفيزياء، ولا الفيزياء منبعاً معرفياً لتفسير دواوين الشعر ومقارباته الزمكانية. فالفيزيائي في المقابل أيضاً لا يحتاج إلى شاعر لكي يفهم طبيعة مسار سهم الزمن، ولا المعادلات الفيزيائية تحتاج إلى قصيدة عصماء لكي ترتقي بصيغة ذلك السهم رياضياً، لكن البشرية تحتاج إلى كليهما لكي تفهم موقعها في الوجود عبر المزاوجة بين الفيزياء ومقاربات الشعراء.