محمد سعد القحطاني
لماذا أصبح الإنسان يملّ من نفسه ومن الناس ومن أكثر الأشياء؟ ولماذا اتسعت المسافات بين القلوب، وظهر التباعد الاجتماعي، واستمر الضيق، وفقد كثيرون الإحساس بطعم الحياة؟ هذه الأعراض لا تصنعها علة واحدة؛ بل تتراكم من نمط حياة يستنزف الإنسان ببطء حتى يشعر أنه غريب عن يومه وعن نفسه.
نعيش وسط اتصال لا ينقطع، لكننا نفتقد الحديث الحقيقي. نرى حياة الآخرين في صور منتقاة، فنقارن واقعنا الكامل بلحظاتهم المصقولة، ثم نتساءل لماذا نشعر بالنقص. يزداد السهر، ويقل النوم، وتضعف الحركة، وتتراكم الضغوط المالية والأسرية والمهنية، بينما يعتاد الإنسان إخفاء تعبه حتى يتحول الصمت الداخلي إلى عزلة، والعزلة إلى نفور غير مفهوم من الناس والحياة.
ومن أهم أسباب الضيق البعد عن الله؛ لأن القلب لا يستقر بكثرة الملهيات، وإنما بمعرفة خالقه والأنس بذكره. قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْري فَإنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنْكًا} [طه:124]. وليس المقصود اتهام كل مكتئب بضعف الإيمان؛ فالاكتئاب قد يكون مرضًا نفسيًا له أسبابه العضوية والاجتماعية ويحتاج إلى علاج متخصص. لكن الإنسان قد يجمع بين العلاج والعودة الصادقة إلى الله، فلا يُهمل روحه وهو يداوي نفسه.
المشكلة أن بعضنا يحاول علاج الفراغ بمزيد من الضجيج: ساعات أطول أمام الشاشة، وعلاقات أكثر سطحية، واستهلاك لا ينتهي. لكنه يعود إلى نفسه فيجد الفراغ كما هو؛ لأن ما يحتاج إليه ليس مزيدًا من المشتتات، بل معنى يعيش من أجله، وصلةً حقيقية بالله، وعلاقات آمنة، ونظامًا يعيد إلى الجسد والنفس توازنهما.
الطريق يبدأ بخطوات صغيرة: صلاة تؤدّى بحضور، وورد من القرآن، ونوم منتظم، ومشي يومي، وتقليل المقارنة الرقمية، ولقاء صادق بمن نحب. وإذا استمر الحزن، أو تعطلت الحياة، أو ظهرت أفكار مؤذية، فطلب المساعدة من مختص ليس ضعفًا ولا نقصًا في التوكل، بل أخذ بالأسباب.
ربما لم نفقد طعم الحياة لأنها خلت من الجمال، بل لأن التعب غطّى قدرتنا على رؤيته. وحين نعيد ترتيب علاقتنا بالله وبأنفسنا وبالناس، لا تتغير الحياة كلها دفعة واحدة، لكننا نعود إليها بعيون أهدأ وقلب أقدر على الاحتمال.