د. نوران سامي الأتاسي
إذ اختتمت الدورة 63 من معرض دمشق الدولي بحضور آسر وطاغ له في النفس أثرٌ دائمٌ، مسجلةً حضوراً استثنائياً وصل إلى مليون ونصف المليون زائر، وبمشاركة نحو 60 دولةً. وقد كان تواجد الزوار من كل حدب وصوب من أرجاء الأرض، في مشهد لم نكن نعتاد عليه بحفاوته مرتاديه.
أفتتح سابقاً معرض دمشق الدولي في دورته الأولى في 4 من أيلول (سبتمبر) عام 1954 في عهد الرئيس هاشم الأتاسي، ليصبح أقدم معرض دولي وشامل في الشرق الأوسط. وقد دفع هذا النجاح الباهر للدورة الأولى وفقاً لأعداد الزوار والمرتادين التي فاقت المليون، الرئيس الأتاسي لإصدار القانون رقم 40 لعام 1955 بتأسيس ((المؤسسة العامة لمعرض دمشق الدولي))، بعد إقامته على ضفاف نهر بردى وفي قلب دمشق النابض.
حيث ارتبط بذاكرة النهر المنساب وسحر المكان التاريخي وسط المدينة، مع انتقاله إلى مدينة المعارض الجديدة على طريق المطار؛ وهي منشأةٌ معماريةٌ ضخمةٌ صممت لتستوعب التوسع اللوجستي. ولم يكن المشهد الثقافي في الماضي مجرد حدث تجاري، بل كان منصةً ثقافيةً أيقونة وقفت عليها قاماتٌ مثل فيروز وأم كلثوم، واحتضنت المسرحيات والمهرجانات، مع التركيز دائمًا على إحياء التراث الأصيل، والحرف اليدوية الشامية (كالموزاييك والبروكار)، والمعارض الفنية للشباب، والفعاليات التي تعزز الهوية الوطنية السورية.
تأتي المشاركة هذه السنة بعد السنوات العجاف التي مرت بها سوريا من حرب ودمار؛ إذ شهدت مشاركةً واسعةً تمثل 60 دولةً، مع التركيز على الاستثمار وبناء سوريا الجديدة من ناحية التكنولوجيا والصناعات وإيجاد الحلول الاقتصادية المعاصرة.
وما يميز النسخة الحالية من المعرض هو وجود الطابع التذكاري؛ إذ لم تقتصر أصالة هذه النسخة على أروقته فحسب، بل تجلت بروح الشام المتجددة في الطابع البريدي التذكاري. لقد جاء هذا التصميم الفريد ليجسد إبداع العقول الشابة والأنامل السورية الفتية؛ حيث يعود التصميم والفكرة للأستاذين (أيهم عثمان وعبد الرحمن الحمصي)، اللذين أبت بصمتهما إلا أن تترك إيمانًا عميقًا كلوحة فنية تختزل في تفاصيلها الدقيقة جسور العبور بين ماضي دمشق العريق وحاضرها المزدهر بالبريق.
إن اعتماد تصميم أبدعته طاقاتٌ سوريةٌ تؤمن بأهمية التجديد في شرايين الثقافة والفن، ويؤكد أن السوريين ـ كما كانوا ـ يتقنون غزل الجمال بالألوان وصناعة الأمل بأيد تعكس انتقال مشعل الإبداع من جيل الرواد إلى جيل المستقبل.
لقد استطاع التصميم أن يدمج بين الرموز الدمشقية وخطوط التصميم الحديثة، ليشكل ألبومًا تاريخيًا يوثق تطور فن التشكيل البصري في سوريا.
وختامًا، تبقى دمشق كما كانت عبر التاريخ أرضًا تزهر بالجمال والأمل مع كل أيلول.
إن الجهود التي تضافرت لتصنع من هذا الحدث لوحةً تليق ببهاء الشام ومكانتها ـ برعاية وزارة الثقافة لاحتضان الهوية والجمال، والمؤسسة العامة لمعرض دمشق الدولي، وكافة الوزارات والجهات التنظيمية في تأمين وخلق الروح الدمشقية في كل زاوية من هذا المحفل الوطني تعكس روح سوريا المعطاء ووجهها الحضاري المشرق.