محمد البهيدل
حين تُرتدى قمصان الأندية في محافل الوطن، تفقد الألوان معناها الحقيقي وتحول إلى قيود تثقل كاهل الانتماء.
هكذا يبدو المشهد الرياضي في عرس كروي كبير بحجم بطولة الخليج السابعة والعشرين التي تحتضنها عروس البحر الأحمر «جدة»؛ عرس كان من المفترض أن يوحد القلوب والنبضات خلف راية المنتخب الوطني، فإذا بنا نرى فئة تنسلخ من عباءة الوطن لتتخذ من نقد شخوص اللاعبين وآدميتهم متنفساً لعقدها الناديّة المتأصلة.
لقد حقق «الصقور» العلامة الكاملة في مستهل المشوار، وهو إنجاز فني يفرض الاحترام ويستوجب المؤازرة؛ إذ استطاع منتخبنا الوطني الفوز وتصدر مجموعته بالعلامة الكاملة وبشباك نظيفة، محققاً انطلاقة مميزة بعد فوزه المثير على المنتخب العراقي بهدفين نظيفين، وإلحاقه بالمنتخب الكويتي الذي خسر بهدف نظيف، والمنتخب العماني الذي خسر بثلاثية نظيفة. غير أن صدى الملاعب وُوري خلف ضجيج منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت الانتقادات الفنية البحتة إلى حملات ممنهجة تمس آدمية النجوم وأشخاصهم.
لم يعد النقد يقف عند حدود الخطأ التكتيكي أو الهفوة داخل المستطيل الأخضر، بل تجاوز ذلك ليغتال الإنسان في اللاعب، لمجرد أنه ينتمي إلى نادٍ ينافس نادياً آخر في مسابقة محلية. هذا الانفصام الخطير يعكس أزمة أخلاقية وفكرية تغلغلت في مفاصل الوسط الرياضي، وأفرزت شرائح لا ترى الوطن إلا من ثقب فنجان مدرجها المفضل.
إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة ماسة إلى عمى الألوان؛ ذلك العمى الذي يعفينا من رؤية ألوان الأندية حين يتعلق الأمر بتمثيل السعودية، لنبصر بوضوح لوناً واحداً لا شريك له هو الأخضر. فاللاعب الذي يرتدي شعار المنتخب ليس ممثلاً لكيان تجاري أو جماهير فئوية، بل هو سفير لسيادة وطن ورمز لكرامة أمة في محفل إقليمي كبير لا يقبل أنصاف المواقف. السكوت عن هذا العبث الإعلامي والجماهيري لم يعد ترفاً، والتهاون في ردع أصوات التشكيك والتقليل من شأن نجومنا هو مشاركة ضمنية في الجريمة بحق الرياضة السعودية.
من هنا، فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الجهات الرياضية الرسمية وإدارة البطولة تفرض تدخلاً حاسماً وفورياً؛ تدخلاً لا يكتفي ببيانات الاستنكار الباهتة، بل يسنّ تشريعات وعقوبات رادعة وقاطعة، تطال كل من يتجاوز النقد الفني إلى الإساءة الشخصية أو تجيير الشاشات والمنصات لخدمة أجندات التعصب الضيق.
المنتخب الوطني فوق الجميع، وكرامة أبنائنا المرتدين لشعاره خط أحمر لا يمكن تجاوزه بذرائع حرية الرأي المستباحة.
إن لم تتوحد الأقلام والأصوات خلف راية الوطن في مثل هذه الاستضافات التاريخية، فمتى تكون الوطنية؟ ومتى يدرك العابثون أن الوطن ليس حلبة لتصفية الحسابات؟