عبدالعزيز عبدالرحمن الخريف
كيْفَ البَقَاءُ وَبَابُ المَوْتِ مُنْفَتِحٌ
وَلَيْسَ يُغْلَقُ حَتَّى يَنْفَدَ البَشَرُ
ففي يوم الاحد 16-4-1448هـ، ودّعت محافظة حريملاء أحد رجالها المعمّرين، الأخ والجار فهد بن عبدالله بن سلطان العيدان، بعد معاناة مع المرض امتدت لفترة طويلة، لازم خلالها السرير والمنزل، صابراً محتسباً، راضياً بقضاء الله وقدره.
وقد أديت الصلاة عليه بعد صلاة العصر في جامع الحزم بمحافظة حريملاء ثم وُوري جثمانه الطاهر في مقبرة (صفية)، وقد أدى الصلاة عليه وشيّعه جمعُ غفير من أقاربه ومحبيه ومعارفه في أجواء حزن وأسى على رحيله.
وُلد رحمه الله في حريملاء عام 1353هـ تقريباً، وعاش طفولته مع والديه وإخوته في جو يسوده الألفة والمحبة. وبعد بلوغه السابعة من عمره، ألحقه والده بأحد الكَتاتيب في حريملاء، عند المطوّع محمد بن فهد الداود، وكنا ندرس سوياً في تلك الفترة، وما زالت مواقفها وذكرياتها عالقة في الذهن، ولا سيما ذكريات الطفولة مع الأقران والأصحاب.
وَأَرَى (أَقْرَانِي) يُساقِطُها الرَّدى
مِن بَينِنا كَتَساقُطِ الأَوراقِ
وقد عمل منذ فجر حياته في الزراعة، كباقي أقرانه في تلك الفترة، متنقلاً من عمل إلى آخر، متوكلاً على اللّه ومعتمداً على نفسه في طلب الرزق. ولم يقتصر نشاطه على مزرعة أسرته، بل امتدت جهوده إلى استصلاح وزراعة العديد من المزارع المجاورة، ومنها مزرعتا: (الصايغية) و(أم عاير)؛ حيث زرع فيهما أطيب المحاصيل والثمار، ولا سيما ثمار العنب التي اشتهرت بها محافظة حريملاء.
كما عمل مُشرفاً على منزل الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- حتى تمّت إزالته.
وإنّما رجلُ الدُّنيا وواحِدُها
من لا يعوِّلُ في الدُّنيا على (أَحدِ)
ومع بداية النهضة العمرانية في بلادنا، اتجه (أبو محمد) إلى قطاع المقاولات، حيث ساهم في بناء وتعمير كثير من المباني والمساجد بمساعدة ومتابعة من ابنه البار محمد. وتتويجاً لهذا العمل، أسس مؤسسة تجارية متخصصة في أعمال البناء والتشطيب، حيث عُرف في جميع أعماله بالجد والاجتهاد والحرص التام على كسب الرزق الحلال. وقد تمثّل في كفاحه وسعيه قول الشاعر:
فَقُلْ لِمُرَجِّي مَعَالِي الأُمُورِ
بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ طَلَبْتَ المَحَالَا
وقد تولى الإمامة في مسجد (ابن جريبة) القريب من سكنه لسنوات طويلة، كما منّ الله عليه قبل أكثر من عشرين عاماً ببناء مسجد في حي الياسمين بالرياض، نسأل الله أن يتقبل منه ويبني له بيتاً في الجنة.
وقد كان (أبو محمد) باراً بوالديه، واصلاً لرحمه، وعطوفاً على الفقراء والمساكين، وله مجلس مفتوح بعد صلاة الجمعة يستقبل فيه المعارف والأقارب والأحباب للسلام والاطمئنان عليه، حيث كان جاراً كريماً يصدق فيه وفي جيرانه قول الشاعر:
فَكَيْفَ إذَا مَرَرْتُ بِدَارِ قَوْمٍ
وَجِيْرَانٍ لَنَا كَانُوْا كِرَامِ
ولي مع (أبي محمد) ذكريات جميله، ولا سيما أيام الطفولة وما تخللها من طرائف ومواقف جميلة لا تزال حاضرة في الذاكرة. وكانت بيننا زيارات متبادلة؛ فقد كنت أزوره في منزله بعد صلاة الجمعة للاطمئنان عليه، ويكون في استقبالنا أبناؤه وأحفاده البررة، يحيطونه بالرعاية والاهتمام.
كما كانت لي معه زيارات إلى مزرعته الواقعة شمال محافظة حريملاء والمسماة (بالعميري) حيث النخيل الباسقات والاشجار الوارفة الظلال، في أجواء تستعيد معها النفس ذكريات الماضي، وتستحضر أيام العمر وما فيها من مواقف وذكريات.
وقد خلّف -رحمه الله- ذرية صالحة من البنين والبنات. تغمد الله (أبا محمد) بواسع رحمته، وألهم أبناءه وبناته وأحفاده وجميع أسرة العيدان ومحبيه الصبر والسلوان.
إلى جنَّة الفردوسِ والعفو والرّضى
وفي رحمة الرَّحمن أَصْبَحتَ ثاوياً
** **
- حريملاء