عبدالرحمن العطوي
لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة تنتمي إلى المستقبل ولا تقنية محدودة الاستخدام داخل المختبرات ومراكز الأبحاث، بل أصبح واقعاً يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية ويتقدم بسرعة مذهلة تفوق في كثير من الأحيان قدرة الإنسان على استيعاب نتائجه ووضع الضوابط الكافية لاستخداماته وبينما يفتح هذا التطور أبواباً واسعة أمام الطب والتعليم والصناعة والبحث العلمي والخدمات وتحليل البيانات فإنه في الوقت نفسه يفرض أسئلة كبيرة ومخاوف مشروعة حول مستقبل الإنسان وخصوصيته وحريته وقدرته على الاحتفاظ بدوره الحقيقي في عالم تتسارع فيه قدرات الآلة ولعل ما نشهده اليوم من ابتكارات جديدة مثل النظارات الذكية التي تجمع بين التصوير والتسجيل والاتصال والقدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحليل ما تراه وتسمعه يمثّل نموذجاً واضحاً لما ينتظرنا في المستقبل القريب فالنظارة لم تعد مجرد وسيلة للرؤية وإنما يمكن أن تتحول إلى عين إلكترونية ترافق الإنسان أينما ذهب وتلتقط المشاهد والأصوات والمعلومات من حوله وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر حساسية من يعرف أن هذه النظارة تصور ومن يستطيع الوصول إلى ما سجلته وكيف تحفظ هذه البيانات ومن يملكها وهل يمكن أن يجري تحليل الأشخاص والأماكن والأحداث دون علم أصحابها.
إن الخوف الحقيقي من الذكاء الاصطناعي لا يأتي من قدرته على كتابة نص أو إنتاج صورة أو الإجابة عن سؤال وإنما من انتقاله المتسارع من مرحلة الأداة التي تنتظر أوامر الإنسان إلى مرحلة الأنظمة التي تستطيع أن ترى وتسمع وتحلل وتتوقع وتقترح وفي بعض الحالات تنفذ وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد تطور تقني لأنها تمس العلاقة بين الإنسان والآلة وتعيد طرح السؤال القديم بصورة جديدة من يقود من ومن المهم هنا التأكيد على أن المملكة العربية السعودية لا تقف في مواجهة هذا التطور ولا تنظر إلى التقنية باعتبارها خطراً يجب الابتعاد عنه، بل تمضي في مواكبتها والاستثمار فيها وبناء القدرات الوطنية المرتبطة بها وقد جاءت استضافة الرياض لمنتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في سبتمبر الماضي لتؤكد هذا التوجه، حيث ناقش المنتدى العالمي قضايا الذكاء الاصطناعي المسؤول وحوكمته وسلامته وأخلاقياته وبناء القدرات البشرية وكان انعقاده في الرياض للمرة الأولى في العالم العربي رسالة واضحة بأن المملكة حاضرة في قلب النقاش الدولي حول مستقبل هذه التقنية وليست مجرد متلق لها وهذا الحضور الدولي المهم يضع أمامنا مسؤولية أكبر تتمثَّل في أن نواكب التقنية ونتعلم أدواتها ونفهم إمكاناتها ومخاطرها في الوقت نفسه لأن الجهل بالتقنية لا يحمي الإنسان منها وإنما يزيد احتمالات إساءة استخدامها فالمجتمع الذي لا يعرف كيف تعمل هذه الأنظمة ولا كيف تجمع البيانات ولا كيف تنتج الصور والأصوات والمعلومات المصطنعة سيكون أكثر عرضة للتضليل والابتزاز والاحتيال وانتهاك الخصوصية. لكن المواكبة لا تعني الاستسلام للتقنية ولا تعني أن نضع عقولنا جانباً ونترك الآلة تفكر نيابة عنا فالذكاء الاصطناعي مهما بلغت قدراته يظل أداة صنعها الإنسان ووضع لها الخوارزميات والبيانات والمعايير ولذلك فإن القيمة الحقيقية ليست في أن نجعل الآلة بديلاً عن العقل البشري وإنما في أن نجعلها وسيلة تضاعف قدرات الإنسان وتساعده على الوصول إلى المعرفة وتحليل المعلومات واتخاذ قرارات أكثر دقة مع بقاء الإنسان صاحب القرار والمسؤولية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الاعتماد على الذكاء الاصطناعي من استخدام ذكي إلى اعتماد كامل يجعل الإنسان يتخلَّى تدريجياً عن البحث والتفكير والتحليل والنقد فإذا أصبح كل سؤال له إجابة جاهزة وكل فكرة يمكن توليدها وكل قرار يمكن اقتراحه فقد يجد الإنسان نفسه مع الوقت يستخدم عقله بدرجة أقل ويمنح الآلة مساحة أكبر مما ينبغي. وهنا يجب ألا ننسى أن العقل البشري ليس مجرد آلة لمعالجة البيانات فالإنسان يمتلك الوعي والخبرة والقيم والضمير والقدرة على تقدير الظروف وفهم المشاعر وتحمل المسؤولية الأخلاقية وهذه جوانب لا ينبغي أن نتعامل معها باعتبارها أموراً يمكن الاستغناء عنها لمجرد أن التقنية أصبحت قادرة على معالجة ملايين المعلومات في وقت قصير.
ومن المخاوف التي تتزايد كذلك أن تصبح الأجهزة الذكية القابلة للارتداء جزءاً من حياة الإنسان إلى درجة يصعب معها معرفة الحدود بين المساحة الخاصة والمساحة العامة فإذا كانت العين تستطيع أن تصور والأذن تستطيع أن تسجل والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلِّل فإن الإنسان قد يعيش في بيئة رقمية لا يعرف فيها متى يكون مراقباً ولا أين تذهب المعلومات التي تنتج عنه.
وهنا تصبح حماية الخصوصية مسؤولية تشريعية ومجتمعية وتقنية في الوقت نفسه لأن التطور لا ينبغي أن يسير بسرعة أكبر من قدرة القوانين على حماية الإنسان ولا ينبغي أن يكون الابتكار مبرراً لتجاوز الحقوق والحريات فالمنتدى الذي استضافته الرياض لم يكن حديثاً عن التقنية من أجل التقنية وإنما عن كيفية توجيهها بصورة مسؤولة وتحقيق التوازن بين التقدم التقني والمسؤولية تجاه الإنسان كما أن الذكاء الاصطناعي يفتح باباً آخر بالغ الخطورة يتمثَّل في القدرة المتزايدة على صناعة محتوى يصعب التفريق بينه وبين الحقيقة فقد أصبح من الممكن إنتاج صور وأصوات ومقاطع تبدو حقيقية وهي في الأصل مصطنعة وهو ما يجعل الوعي الرقمي ضرورة لا ترفاً ويجعل التحقق من المعلومات مسؤولية لا تقل أهمية عن الحصول عليها.
إن العالم لا يستطيع العودة إلى الوراء ولن يكون من المنطقي أن نطلب من الأجيال القادمة أن تتجاهل الذكاء الاصطناعي أو تخشى منه ولكن المطلوب أن تتعلَّم كيف تستخدمه وكيف تحمي نفسها من مخاطره وأن تعرف أن التقنية مهما بلغت من الذكاء لا ينبغي أن تمنحها حق قيادة الإنسان.
نحن بحاجة إلى جيل يعرف الذكاء الاصطناعي لكنه لا يتنازل له عن عقله ويستفيد من قدراته لكنه لا يمنحه قراره ويستخدم أدواته لكنه لا يسمح لها بانتهاك خصوصيته ويواكب المستقبل لكنه لا ينسى أن الإنسان هو الغاية الأولى من كل تقدم.
إن المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والآلة وإنما بين الاستخدام المسؤول والاستخدام المنفلت وبين تقنية تعزّز قدرة الإنسان وتقنية تستولي تدريجياً على مساحته.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون واحداً من أعظم إنجازات البشرية عندما يبقى في خدمة الإنسان ويمكن أن يتحول إلى أحد أكبر تحدياتها عندما يصبح الإنسان تابعاً لما صنعه بيده.
ولهذا فإن مواكبة التقنية ضرورة والاطلاع عليها مسؤولية والتقدم فيها خيار لا يمكن تأجيله ولكن الاستغناء عن العقل البشري ليس تقدماً، بل تراجع لأن أعظم ما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي ليس أن يفكر بدلاً من الإنسان وإنما أن يساعد الإنسان على أن يفكر بصورة أفضل.