علي بن عبدالله علي الوهابي
ربما لا يكون الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي أن يأخذ وظائفنا وإنما أن نعتاد عليه إلى درجة لا نعود معها قادرين على أداء أعمالنا من دونه.
هذا السؤال في رأيي يستحق اهتمامًا أكبر من السؤال المتكرر عن الوظائف التي سيأخذها الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن بدأت هذه التقنية تدخل حياتنا ونحن نتحدث عن الوظائف التي ستختفي والمهن التي ستتغير والفرص التي ستظهر. وكل ذلك صحيح لكنه ليس كل القصة.
هناك جانب آخر قد نكتشف أهميته بعد سنوات حين تصبح هذه التقنية جزءًا عاديًا من حياتنا اليومية.
الإنسان يتعلم بالممارسة يقرأ لكي يعرف ويكتب لكي يتعلم الكتابة ويحسب لكي يفهم ويخطئ لكي يعرف أين أخطأ؟ هذه أمور تبدو بسيطة لكنها في النهاية هي التي تصنع المهارة.
اليوم يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يختصر كثيرًا من هذه الرحلة.
على سبيل المثال البحث والترجمة والتحليل وتنظيم المعلومات. التقنية توفر وقتًا هائلًا وهذه ميزة لا يمكن إنكارها لكن توفير الوقت لا يعني بالضرورة بناء المعرفة.
وقد يكون الفرق مهمًا جدًا عندما يتعلق الأمر بالجيل الذي يدخل المدرسة والجامعة اليوم.
الطالب الذي يستعين بالذكاء الاصطناعي لفهم درس صعب يستخدم التقنية كما ينبغي أما أن يطلب منه كتابة الواجب ثم يقدمه دون أن يقرأه أو يفهمه فهنا تتحول الأداة من وسيلة للتعلم إلى وسيلة لتجاوز التعلم.
وقد يقول البعض إن هذه مجرد مرحلة انتقالية وإن التعليم سيتكيف معها وهذا صحيح إلى حد كبير. لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو ماذا نريد من التعليم أصلًا؟
إذا كانت المعلومة يمكن الوصول إليها في ثوان فليس من المنطقي أن يبقى التعليم قائمًا على حفظ أكبر قدر ممكن منها.
ما نحتاج إليه أكثر هو القدرة على التفكير فيها أن يعرف الطالب كيف يسأل وكيف يتحقق وكيف يفرق بين الرأي والحقيقة وكيف يكتشف الخطأ حتى لو جاءت الإجابة في صياغة تبدو مقنعة.
وهذا لا يخص التعليم وحده.
في مكان العمل أيضًا قد يصبح الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أمرًا طبيعيًا الموظف سيستخدمه في إعداد التقارير وتحليل البيانات والبحث وكتابة المراسلات وغيرها من المهام. وهذا أمر جيد إذا جعل الموظف أكثر إنتاجية.
لكن هناك فرقًا بين أن تستخدم الأداة لتنجز عملك بصورة أفضل وأن تصبح غير قادر على إنجاز العمل إذا غابت الأداة.
الفرق بين الحالتين قد لا يظهر اليوم لكنه سيظهر عندما نواجه موقفًا لا توجد له إجابة جاهزة.
وهنا أعتقد أن قيمة الإنسان لن تختفي كما يتصور البعض لكنها ستتغير.
ستصبح القدرة على التفكير النقدي أكثر أهمية وكذلك القدرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته وفهم الآخرين ومعرفة الظروف المحيطة بالمشكلة.
فالآلة تستطيع أن تعطيك خيارات كثيرة لكنها لا تعيش ظروفك.
وتستطيع أن تحلل الأرقام لكنها لا تتحمل نتيجة القرار.
وتستطيع أن تكتب نصًا جيدًا لكنها لا تملك تجربة الإنسان التي تجعل للكلمات معنى. وهذا مهم لنا في السعودية ونحن نمر بمرحلة تتغير فيها طريقة العمل والتعلم والخدمات بسرعة كبيرة. فالذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا بعيدًا نتحدث عنه باعتباره شيئًا سيأتي في المستقبل بل هو موجود الآن ويدخل تدريجيًا في تفاصيل كثيرة من حياتنا.
ومن الطبيعي أن نستفيد منه وأن نشجع أبناءنا على تعلمه واستخدامه. لكن من الخطأ أن نربط المستقبل بالقدرة على استخدام التقنية فقط.
قد يأتي وقت يعرف فيه معظم الناس كيف يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي عندها لن تكون الميزة في مجرد استخدامها وإنما في عقل الشخص الذي يقف خلفها.
هل يعرف ماذا يسأل؟ هل يستطيع أن يشك في الإجابة؟ هل يملك معرفة كافية ليعرف أن ما أمامه غير صحيح؟ وهل يستطيع في النهاية أن يتخذ القرار ويتحمل مسؤوليته؟
هذه الأسئلة قد تبدو اليوم أبعد من الحديث عن الوظائف والرواتب والمهن الجديدة لكنها في الحقيقة تمس جوهر القضية.
فنحن لا نحتاج إلى إنسان ينافس الآلة في السرعة والحساب وحفظ المعلومات فالآلة ستتفوق عليه في هذه الجوانب.
ما نحتاج إليه هو إنسان يعرف كيف يستفيد من الآلة دون أن يسلمها عقله.
وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي أمامنا في السنوات القادمة.
ليس أن نجعل الآلة أكثر ذكاءً فهذا يحدث بالفعل بل أن نضمن ونحن نصنع آلات أكثر ذكاءً ألا نصنع إنسانًا أقل تفكيرًا.