جمال بن على بوحسن
شهد العالم حدثًا بالغ الخطورة، تمثل في استهداف ميليشيات الحوثي الإرهابية المجرمة للحرم المكي الشريف، في اعتداء آثم تجاوز كل الخطوط الحمراء، ولم يراعِ حرمة المكان ولا قدسية الزمان ولا مكانة بيت الله الحرام في قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
فحين تظهر الصواريخ والطائرات المسيّرة في سماء مكة المكرمة، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد عمل عسكري أو مواجهة سياسية؛ وإنما نحن أمام استهداف لأقدس بقاع الأرض، وتهديد لأمن ملايين المسلمين، ومحاولة لزرع الخوف والرعب في المكان الذي جعله الله سبحانه وتعالى حرماً آمناً. ولولا فضل الله سبحانه وتعالى، ثم يقظة وبسالة رجال الدفاع الجوي والقوات المسلحة السعودية، لكان هذا الاعتداء يمكن أن يؤدي إلى كارثة إنسانية عظيمة -لا قدر الله- في أطهر بقعة على وجه الأرض.
ماذا يريد الحوثي من مكة؟
وهنا يجب أن نتوقف، وأن نسأل بصوت مرتفع: ماذا يريد الحوثي من وراء استهداف مكة المكرمة؟
ما الغاية التي يمكن أن تبرر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه مدينة تضم المسجد الحرام والكعبة المشرفة، ويقصدها المسلمون من كل أنحاء العالم؟ هل أخطأ الهدف؟ وهل يمكن أن يكون منطق الحرب قد بلغ من العبث مبلغًا يجعل أطهر مقدسات المسلمين هدفًا عسكريًا؟ أم أن وراء هذا الاستهداف رسالة أخرى يراد إيصالها؟
أسئلة كثيرة تقف حائرة أمام هول المشهد، لأن العقل والمنطق لا يستطيعان استيعاب كيف يمكن لمن يرفع شعارات الدفاع عن الإسلام (كما يدعي) أن يجعل من مكة المكرمة هدفًا لأسلحته.
إن القدس لا تُحرَّر باستهداف مكة، وفلسطين لا تُنصر بترويع المسلمين في المسجد الحرام، والقضايا العربية والإسلامية لا تُخدم باستهداف مقدسات المسلمين أو تهديد حياة الأبرياء.
بين أبرهة والحوثي.. اختلاف الزمن وتشابه المشهد
وعندما نستحضر التاريخ، لا يمكن للذاكرة الإسلامية إلا أن تستحضر قصة أبرهة الحبشي، عندما جاء بجيشه يريد هدم الكعبة المشرفة، فكان ذلك الحدث من أعظم الوقائع التي خلدها القرآن الكريم في سورة الفيل.
لم يكن أبرهة يملك في ذلك الزمن صواريخ ولا طائرات مسيّرة، ولكنه حمل مشروعًا يستهدف حرمة البيت الحرام. واليوم، وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، يجد المسلم نفسه أمام مشهد مختلف في أدواته، ولكنه يعيد إلى الذاكرة سؤالًا قديمًا: كيف يمكن أن يصبح بيت الله الحرام هدفًا لمن يدّعي الدفاع عن الإسلام؟
بين أبرهة والحوثي مسافة زمنية هائلة، واختلاف في الأدوات والظروف، ولكن استهداف حرمة مكة يظل أمرًا بالغ الخطورة، لا يمكن التعامل معه كحدث عابر.
والذاكرة تستحضر القرامطة
ولا تتوقف الذاكرة الإسلامية عند قصة أبرهة، بل تستحضر كذلك واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ مكة المكرمة، عندما هاجم القرامطة مكة في القرن الرابع الهجري، واقتحموا المسجد الحرام، وقتلوا أعدادًا كبيرة من الحجاج، وانتهكوا حرمة البيت الحرام، ثم اقتلعوا الحجر الأسود وحملوه بعيدًا عن مكة.
لقد أثبت التاريخ أن المقدسات ليست بمنأى عن أطماع الجماعات المتطرفة عندما تختلط الأيديولوجيا بالصراع السياسي والعسكري، وعندما تتحول الشعارات الدينية إلى غطاء لممارسات تهدم مقاصد الدين وتعتدي على الإنسان والمقدسات في آن واحد.
ومن هنا فإن استحضار قصة القرامطة ليس من أجل مساواة تاريخية مطلقة بين جماعات تنتمي إلى عصور مختلفة، وإنما للتذكير بأن حرمة مكة تعرضت عبر التاريخ لمحاولات اعتداء، وأن المسلمين مطالبون دائمًا باليقظة تجاه كل من يهدد أمنها أو ينتهك قدسيتها.
تعددت الأسباب.. والهدف واحد
أبرهة جاء بالفيل، والقرامطة جاءوا بالسيف، والحوثيون يملكون اليوم الصواريخ والطائرات المسيّرة.
اختلفت الوسائل، واختلفت الأزمنة، واختلفت الشعارات، ولكن عندما يكون المستهدف هو أمن مكة وحرمة المسجد الحرام، فإن الخطر يصبح واحدًا: الاعتداء على مقدسات المسلمين وترويع الآمنين.
وهنا تكمن خطورة المشهد؛ فالمقدسات ليست ساحة للمغامرات السياسية، ومكة المكرمة ليست ميدانًا لتصفية الحسابات، والمسجد الحرام ليس هدفًا عسكريًّا مشروعًا لمن أراد أن يثبت قوته أو يبعث برسالة سياسية.
إن من أراد أن يخدم الإسلام، فليحفظ دماء المسلمين، وليصن مقدساتهم، وليحترم بيوت الله، وليتوقف عن تحويل الشعارات الدينية إلى وقود للصراعات والحروب.
الإسلام دين أمن وسلام
والإسلام الذي نعرفه لا يقوم على ترويع الآمنين، ولا على قتل الأبرياء، ولا على انتهاك حرمة المساجد والمقدسات.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
فإذا كان الإسلام يحث المسلم على أن يأمن الناس من لسانه ويده، فكيف بمن يحمل السلاح ويوجهه إلى المسلمين، أو يهدد أمنهم، أو يروع الحجاج والمعتمرين، أو يجعل من أطهر مقدساتهم هدفًا لأعماله العسكرية؟
إن الخلاف السياسي مهما بلغ، لا يمنح أحدًا الحق في انتهاك حرمة المقدسات، كما أن أي قضية سياسية أو إقليمية لا يمكن أن تكون مبررًا لاستهداف مكة المكرمة أو تعريض حياة المسلمين للخطر.
مكة خط أحمر
إن مكة المكرمة ليست ملكًا لجغرافيا معينة، وإن كانت المملكة العربية السعودية هي التي شرفها الله بخدمة الحرمين الشريفين؛ وإنما مكة قضية كل مسلم، وحرمة المسجد الحرام مسؤولية معنوية وروحية يشترك في الدفاع عنها كل أبناء الأمة الإسلامية.
ولهذا فإن الاعتداء على مكة ليس شأنًا سعوديًّا داخليًّا فحسب، وإنما هو اعتداء يمس مشاعر أكثر من مليار مسلم، ويستوجب موقفًا إسلاميًّا واضحًا يرفض استهداف المقدسات، ويؤكد أن الحرم المكي الشريف سيظل خطًا أحمر لا يجوز لأي جهة أو جماعة أو دولة أن تتجاوزه.
مسؤولية العالم الإسلامي
ومن هنا تأتي مسؤولية الدول الإسلامية في التعامل مع مثل هذه الاعتداءات بكل جدية، واتخاذ الإجراءات السياسية والأمنية والدبلوماسية اللازمة لمنع تكرارها، والعمل على حماية المقدسات الإسلامية من أي تهديد.
كما أن على العالم الإسلامي أن يكون واضحًا في رفض استخدام الأراضي أو الجماعات المسلحة أو الصواريخ والطائرات المسيّرة في تهديد أمن الحرمين الشريفين. فالأمن في مكة والمدينة ليس قضية قابلة للمساومة، وحماية الحرمين الشريفين ليست موضوعًا للمزايدات السياسية.
السعودية وخدمة الحرمين الشريفين
ومن الإنصاف كذلك التأكيد على أن المملكة العربية السعودية تتحمل مسؤولية تاريخية عظيمة في حماية الحرمين الشريفين وتأمين قاصديهما، وقد أصبحت حماية أمن مكة والمدينة وسلامة الحجاج والمعتمرين أولوية ثابتة في منظومة الأمن السعودي.
ومن واجب المسلمين في مختلف أنحاء العالم أن يقفوا مع المملكة العربية السعودية في كل إجراء مشروع تتخذه لحماية أراضيها ومقدساتها وشعبها وضيوف الرحمن، وأن يدرك الجميع أن أمن الحرمين الشريفين جزء أصيل من أمن الأمة الإسلامية واستقرارها.
دعاء قبل أن يكون موقفًا
وفي خضم هذه الأحداث، يبقى الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى سلاح المؤمن، أن يحفظ مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأن يصون المسجد الحرام والمسجد النبوي من كيد العابثين، وأن يحفظ الحجاج والمعتمرين والزائرين، وأن يرد كيد كل من أراد بالحرمين أو المسلمين سوءًا.
إن حرمة مكة أعظم من أن تكون ورقة سياسية، وقدسية الكعبة أكبر من أن تكون هدفًا لصراع إقليمي، ودماء المسلمين أغلى من أن تكون وقودًا لمشاريع سياسية أو أيديولوجية.
وفي النهاية، قد تتغير الوجوه، وتتبدل الأدوات، وتتعدد الشعارات، لكن واجب المسلمين يبقى واحدًا: حماية مقدساتهم، وصيانة حرمة دمائهم، والوقوف صفًّا واحدًا في مواجهة كل من يحاول تحويل بيوت الله إلى ساحات للصراع.
أبرهة جاء بالفيل، والقرامطة جاءوا بالسيف، والحوثي جاء بالصاروخ والمسيّرة؛ تعددت الوسائل والأزمنة، لكن مكة بقيت وستبقى عصية على كل من أراد بها سوءًا.
وسيظل بيت الله الحرام، بإذن الله، آمنًا مطمئنًا، محفوظًا بعناية الله، ثم بيقظة الرجال البواسل الذين نذروا أنفسهم لحماية الحرمين الشريفين وخدمة ضيوف الرحمن.
** *
نائب سابق بمجلس النواب - الأمين العام للمبادرة البرلمانية العربية - مملكة البحرين