فائز بن سلمان الحمدي
ليس كلُّ ما يتأخر عن أيدينا يكون خيرًا، ولا كلُّ ما يفوتنا كان جديرًا بأن ننتظره؛ فكم من إنسانٍ ظلّ يفتح للغد أبوابه، حتى أغلق في وجه الحاضر بابه الوحيد، ثم التفت بعد أعوامٍ، فلم يجد أن الأيام جاءت بما كان يرجوه، بل وجد أن بعض ما ردّه يومًا كان أقرب إلى الخير مما أضناه انتظارًا له. وهذه من أدقّ الفتن التي تدخل على الإنسان من باب الأمنيات: أن تتحول الأمنية، من رجاءٍ في النفس، إلى صورةٍ لا يُقبل الخير إلا إذا جاء على هيئتها. فإذا أقبل الواقع بغير ما رسم الخيال، استُصغر ما فيه من المحاسن، وعُدَّ النقص الذي لا بد منه عيبًا، وصار الممكن قليلًا في عين من ينتظر المستحيل. وليس الزواج بمنأى عن ذلك. فقد تتسع في نفس الفتاة، مع كثرة ما ترى وتسمع، صورة الرجل الذي تنتظره؛ لا رجلًا بعينه، وإنما مجموع صفاتٍ متفرِّقة، أخذت بعضها من الخيال، وبعضها من حكايات الناس، وبعضها من الصور التي تعرضها الحياة في أبهى لحظاتها، وتخفي عنها ما وراءها. ثم تصبح تلك الصورة ميزانًا دقيقًا لا يكاد رجلٌ حقيقي ينجو منه. وهنا ينبغي أن يُقال الأمر بميزانه العادل: ليس من حق أحد أن يحمل المرأة على رجلٍ لا تطمئن إليه، ولا أن يجعل الحياء، أو ضغط الأهل، أو خوف فوات الفرصة، قيدًا على اختيارها. فالزواج ميثاقٌ غليظ، والقبول فيه أصل، وقد جعل الشرع للمرأة حقها في أن تُستأذن وأن تختار. ولكن حقَّ الرفض لا يعني أن يكون كلُّ اختلاف سببًا للرفض، ولا أن يُرَدَّ الرجل الصالح؛ لأن صورته الواقعية لم تبلغ كمال الصورة التي صنعتها الأمنيات.
فإذا أقبل رجلٌ عُرف بدينه، وحسن خلقه، وأمانته، ورجاحة عقله، وسلامة طبعه، وقدرته على حمل مسؤولية البيت؛ فهذه أشياء لا ينبغي أن تستخف بها فروقٌ يسيرة، ولا اعتباراتٌ عارضة، ولا مقارناتٌ صنعتها كثرة النظر إلى حياة الآخرين من نافذةٍ لا تُظهر إلا أجمل ما فيها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».
فرَدَّ النبي عليه الصلاة والسلام النظر إلى موضعه: الدين والخُلق؛ لأن ما يثبت البيت في أعوامه الطويلة ليس دائمًا ما يلفت النظر في ساعة التعارف. الدين يظهر حين لا يكون هناك من يراقب. والخُلق يظهر حين يقع الاختلاف. والمروءة تظهر حين يملك الإنسان القدرة على الأذى، ثم يؤثر العفو. والأمانة تُعرف حين يستطيع المرء أن يخون، ولا يجد من يمنعه. ولهذا نُسب إلى الحسن البصري -رحمه الله- قوله: «زوّجها لمن يتقي الله؛ فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها».
وهي كلمة تختصر شيئًا كثيرًا من فقه العِشرة؛ فالمرأة لا تحتاج إلى رجلٍ لا يغضب، فذلك مما لا يكاد يكون في البشر، وإنما تحتاج إلى رجلٍ إذا غضب لم يَفجُر، وإذا اختلف لم يَجُر، وإذا أحب لم يَستعبد، وإذا كره لم يَظلم.
وهنا تعود كلمة الكفاءة إلى معناها الذي ينبغي ألّا يضيع بين مظاهر الحياة. فالكفء ليس الرجل الذي اكتملت فيه محاسن الدنيا، ولا الذي وافق كل تفصيلٍ رسمته المخيلة؛ وإنما هو الرجل الذي اجتمع فيه من الدين، والخُلق، والعقل، والقدرة على المسؤولية، ما يجعل الزواج منه موضع طمأنينة.
أما أن يمرّ خاطبٌ بعد خاطب، ويكون كلُّ اعتذارٍ معلّقًا على احتمال القادم، وكلُّ قادمٍ مؤجلًا انتظارًا لمن هو أتمّ منه؛ فذلك بابٌ لا يملك الإنسان مفتاح الغيب فيه.
قد يأتي من هو أجمل، وقد لا يأتي. قد يأتي من هو أغنى، وقد يأتي من هو أقل. قد تأتي فرصةٌ أخرى، وقد يمضي العمر ولا تأتي. قال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا}. فالغد ليس وعدًا مكتوبًا لأحد. ولهذا ينبغي ألّا تتحول عبارات المجالس إلى أحكامٍ على الأعمار: «ما زلتِ صغيرة». «لا يزال أمامك متّسع». «سيأتي من هو أفضل». «لا تتنازلي عن شيء». قد تكون هذه الكلمات صادرةً عن محبة، لكنها لا تحمل علمًا بالغيب. وربما كان الرجل الذي يُقال عنه اليوم: «لعل القادم خيرٌ منه»، هو نفسه من الخيرات التي لا يُدرك قدرها إلا من عرف الناس بعد طول معاشرة وتجربة. والحكمة ليست أن تُفتح الأبواب لكل طارق، ولا أن تُغلق في وجه كل من لم يوافق الصورة المنشودة؛ وإنما الحكمة أن يعرف الإنسان ما الذي يستحق أن يُرفض، وما الذي لا يستحق أن يُجعل سببًا لتفويت فرصةٍ صالحة. فاسألي عن الرجل كما يسأل من يريد أن يُسلّم إليه عمرًا، لا ليلة؛ بيتًا، لا مجلسًا؛ وسكينةً، لا إعجابًا عابرًا. اسألي عن صلاته وأمانته، وعن لسانه حين يغضب، وعن معاملته لأهله، وعن وفائه حين تختلف معه، وعن طريقته في حمل المسؤولية، وعن خلقه حين لا يكون محتاجًا إلى أن يتجمّل أمام أحد. ثم استخيري الله، واستشيري من عُرف من أهلك بالحكمة وسداد النظر؛ من لا تستعبده العاطفة، ولا تحكمه الأعراف، ولا يبيع لك يقينًا لا يملكه. فإن جاءك رجلٌ صالح، مرضيُّ الدين والخُلق، حسن السيرة، حسن المعشر، ووجدتِ، بعد السؤال والمشورة والاستخارة، قبولًا له؛ فلا تجعلي الكمال المتخيّل يحجب عنك الكمال الممكن.
وفي المقابل، إن لم يطمئن إليه قلبك، أو ظهر لك من أمره ما لا يصلح معه الزواج، فاعتذري عنه دون شعورٍ بالذنب؛ فليس كل رفضٍ تفويتًا للخير، كما أن كل قبولٍ ليس اغتنامًا له. إنما الشأن أن يكون القرار صادرًا عن بصيرةٍ، لا عن غرور؛ وعن معرفةٍ، لا عن وهم؛ وعن اختيارٍ، لا عن ضغط. فالمرأة لا تُطالب بأن تقبل كل رجلٍ صالح، لكنها حين تنظر في أمر رجلٍ صالح مطالبةٌ بأن تنظر إليه بعين العدل؛ فلا تحاسبه على أحلامٍ لم يعدها بها، ولا تطلب من الإنسان الحقيقي أن يؤدي دور الرجل الذي لم يوجد إلا في المخيلة. ففارس الأحلام لا يُختبر عند الخصومة، ولا تُعرف مروءته حين تضيق الحياة، ولا يُقاس وفاؤه في ساعةٍ تفيض فيها العاطفة. أما الرجل الحقيقي، فقد لا يملأ العين من أول لقاء، لكنه قد يملأ القلب طمأنينةً حين تتعاقب الأيام؛ لأن بعض الرجال لا تظهر قيمتهم في هيئة اللقاء الأول، وإنما في هيئة المواقف. والزواج ليس بحثًا عن إنسانٍ بلا نقص؛ فذلك طلبٌ لما ليس من طبيعة البشر. وإنما هو التماسُ إنسانٍ إذا نقص لم يظلم، وإذا غضب لم يهدم، وإذا أحب لم يُهن، وإذا اؤتمن لم يخن. وربما كان الرجل الذي لم يوافق تمامًا صورة الحلم، أقرب إلى معنى الحياة من صاحب الصورة التي أُعجبت بها النفس؛ لأن الصورة تُرى، أما السكينة فتُعاش، والمظهر يُلتفت إليه، أما المروءة فلا يُعرف قدرها إلا حين تحتاج إليها. فلا تتنازلي عن حقك في الاختيار، ولا تجعلي من حقك في الرفض خصومةً مع كل فرصة. وانظري إلى الرجل لا بعين ما ينقصه فحسب، بل بعين ما يمكن أن يُبنى عليه العمر. فإن بعض النعم لا تأتي صاخبةً حتى نعرف أنها نعمة؛ تأتي هادئةً، بلا بهرجة، ثم تمكث معنا حتى نكتشف -بعد أن تهدأ ضوضاء الأمنيات- أن الذي حسبناه يومًا عاديًا كان من أندر ما مرّ بنا. وقد يطول بالإنسان النظر إلى الأفق بحثًا عمّا يظنه خيرًا، ثم يكتشف متأخرًا أن الخير لم يكن بعيدًا كما ظن؛ كان عند الباب، ولكنه لم يكن يشبه الصورة التي انتظرها. وهنا لا تكون الحسرة على رجلٍ فات فحسب، وإنما على ميزانٍ اختلّ؛ جعل الممكن أقلّ من قدره، والمجهول أكبر من حجمه.