د. هبة توفيق أبو عيادة
قد ينجح المرء في اختيار ثوب أنيق، وصناعة صورة لامعة، وانتقاء كلمات محسوبة، بل قد ينجح في ترك انطباع مثالي لدى الآخرين في اللقاء الأول.
ولكن ماذا لو كان أكثر ما تحاول إخفاءه هو أكثر ما يراه الناس فيك؟ فالإنسان لا يُعرف طويلًا بما يرتديه، ولا بما يملك، ولا بالصورة التي يصنعها عن نفسه؛ وإنما يُعرف بما يصدر عنه حين يغضب، وبما يقوله حين يختلف، وبما يفعله حين لا يكون مضطرًا إلى التظاهر. فالمظاهر قد تؤجل انكشاف العيوب، لكنها لا تلغيها. والوقت وحده كفيل بأن يُسقط الأقنعة؛ لأن بعض الصفات أعمق من أن يغطيها لباس، وأوضح من أن يخفيها منصب، وأقوى من أن يمحوها المال. هناك عيوب تسكن في طريقة التفكير، وتظهر في المعاملة، وتتسلّل من بين الكلمات دون استئذان.
ومن هنا تأتي الحكمة البليغة: ثلاثةٌ لا يسترها رداءٌ: خِفّةُ العقل، وسوءُ الخُلُق، وقُبحُ اللسان. فهي لا تتحدث عن عيوب في الشكل، وإنما عن عيوب في الجوهر؛ عيوب قد لا تُرى في اللقاء الأول، لكنها سرعان ما تظهر حين تبدأ المعاشرة، ويأتي الاختبار الحقيقي للإنسان.أول هذه العيوب خِفّة العقل: وليس المقصود بها قلة المعرفة أو ضعف التحصيل العلمي بالضرورة، فقد يكون الإنسان واسع الاطلاع، كثير القراءة، صاحب شهادات ومناصب، ثم يفتقر إلى الحكمة وحسن التقدير. العقل لا يظهر بكثرة المعلومات وحدها، وإنما يظهر في القدرة على فهم الأمور، وربط النتائج بأسبابها، والتمييز بين ما ينبغي أن يُقال وما ينبغي أن يُترك، ومعرفة متى يتقدم الإنسان ومتى يتراجع.وقد يظن بعض الناس أن كثرة الكلام دليل على رجاحة العقل، بينما تكشف المواقف أحيانًا عكس ذلك. فالعاقل لا يحتاج إلى إثبات ذكائه في كل مجلس، ولا يدخل كل نقاش، ولا يجعل من كل اختلاف معركة. ومن علامات النضج أن يعرف الإنسان حدود معرفته، وأن يستطيع أن يقول: لا أعلم، وأن يراجع رأيه إذا ظهر له خطؤه. ولذلك فإن خفة العقل قد تختبئ خلف مظهر أنيق أو كلمات منمقة، لكنها سرعان ما تنكشف عندما تضع الحياة الإنسان أمام موقف يحتاج إلى حكمة لا إلى استعراض.
ثم يأتي سوء الخُلُق، وهو من العيوب التي يصعب على صاحبها إخفاؤها طويلًا. قد يستطيع الإنسان أن يكون لطيفًا في لقاء عابر، وأن يستخدم عبارات المجاملة أمام الغرباء، لكن الخُلُق الحقيقي يظهر عندما يغضب، أو يختلف، أو يشعر أن الطرف الآخر أضعف منه. عندها تتراجع الأقنعة، ويظهر ما استقر في النفس.
والخلق الحسن لا يعني أن يكون الإنسان هادئًا طوال الوقت أو خاليًا من الغضب؛ فهذه طبيعة بشرية. وإنما يظهر في طريقة التعامل مع الغضب والخلاف: هل يظلم الإنسان حين يغضب؟ هل يهين من أمامه؟ هل يحفظ للآخرين كرامتهم؟ هل يعتذر إذا أخطأ؟ إن الأخلاق الحقيقية ليست في اللحظات التي تسير وفق رغبتنا، وإنما في اللحظات التي تُختبر فيها قدرتنا على ضبط أنفسنا وإنصاف غيرنا.
أما قبح اللسان، فهو ربما أسرع هذه العيوب انكشافًا؛ لأن اللسان رسول ما في الداخل. كلمة واحدة قد تهدم في لحظة ثقةً بُنيت خلال سنوات، وقد تكشف عن احتقار أو حقد أو غرور حاول صاحبه طويلًا أن يخفيه. وليس قبح اللسان محصورًا في الشتائم والعبارات الفاحشة؛ فقد يكون في السخرية من الآخرين، والتقليل منهم، ونشر عيوبهم، والتعالي عليهم، وتحويل الحوار إلى وسيلة للإهانة والانتصار للنفس.
والكلمة مسؤولية؛ لأنها لا تُسترد بعد خروجها. ولهذا كان ضبط اللسان من علامات الحكمة. ليس المطلوب أن يصمت الإنسان دائمًا، بل أن يعرف قيمة ما يقول، وأن يفرّق بين الصراحة والفظاظة، وبين النقد والإهانة، وبين الشجاعة في قول الحق والاندفاع الذي يجرح الآخرين بلا ضرورة.
واللافت في هذه العيوب الثلاثة أنها مترابطة. فخفة العقل قد تقود إلى سوء التقدير، وسوء الخلق قد يظهر في الكلمات، وقبح اللسان قد يكشف نقصًا في الحكمة أو ضعفًا في ضبط النفس. ولهذا فإن إصلاح الظاهر وحده لا يكفي. الإنسان الذي يريد أن يغيّر صورته حقًا لا يبدأ من المرآة، وإنما يبدأ من الداخل: من طريقة تفكيره، ومن تعامله مع الناس، ومن الكلمات التي يختارها حين لا يكون مضطرًا إلى التجمّل.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه الحكمة إلى وسيلة للحكم القاسي على الناس. فكل إنسان معرض للخطأ، وقد تصدر منه كلمة سيئة أو موقف غير حكيم في لحظة ضعف. الفارق الحقيقي هو بين زلة يراجع صاحبها نفسه بعدها، وصفة يصر عليها حتى تصبح جزءًا من سلوكه. النضج ليس أن يخلو الإنسان من العيوب، وإنما أن يراها في نفسه، ويملك الشجاعة لإصلاحها.
في الختام، قد ينجح الإنسان في تحسين مظهره، وتجميل صورته، واختيار ما يراه الناس منه، لكنه لا يستطيع أن يختبئ إلى الأبد خلف رداء. فالزمن كفيل بأن يكشف الإنسان كما هو: في غضبه، وفي اختلافه، وفي كلماته، وفي تعامله مع من لا يحتاج إلى إرضائهم. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يرتديه الإنسان ليس ثوبًا فاخرًا، بل عقلًا راجحًا، وخُلُقًا كريمًا، ولسانًا طيبًا. فهذه صفات لا تحتاج إلى زينة كي تُرى، ولا تخشى أن يكشفها الزمن؛ لأنها كلما ظهرت للناس، ازدادت صاحبها جمالًا.