نجلاء العتيبي
«ليس مطلوبًا منك أن تُنظّم العالم، ولا أن تُنظّم المجتمع، ولا حتى أُسرتك، فقط نَظِّمْ عقلَك، وستجدهم جميعًا ينتظمون معك».
«الأمير سعود الفيصل، رحمه الله - عميد الدبلوماسية.
أقرأُ هذه المقولةَ بما تحملُهُ من حكمةٍ، فأجد في عبارة «نَظِّمْ عقلَك» معنًى يتصل بكيفية إدارة حياتنا؛ أن نُرتّب أفكارنا، ونُحدّد أولوياتنا، ونصلَ رغباتنا بإمكاناتنا، فتتضح وجهتُنا، وتتساند خطواتُنا، ومن هذا الانتظام تنشأُ قدرتنا على التعامل مع ما حولنا؛ إذ نعرف أين نُوجّه جهدنا، وكيف نمنحُ كلَّ شأنٍ قدرَهُ من الاهتمام.
نستهلك قدرًا كبيرًا من أعمارنا في اقتراحِ ما ينبغي للناس فعلُهُ، نرسم لهم اختياراتهم، ونستعجل اقتناعهم، ونستغرب اختلافهم عنا، بينما نُؤجّل النظر في الأفكار التي تقود توقعاتنا، وقد يبدأ تعبنا من اعتقاد خفي بأن الراحة مرهونةٌ بموافقة الجميع، عندها يُصبح كلُّ اختلافٍ عبئًا، وكلُّ تصرُّفٍ مخالفٍ لرغبتنا دليلًا على خللٍ يحتاج إلى إصلاح.
تنظيم العقل يبدأ بالفصل بين ما نعرفه وما نظنُّهُ، وبين الواقعة والتفسير الذي ألحقناه بها، فقد نخلط بين رسوخ القناعة واكتمال المعرفة، فنغلق باب الفهم عند حدود ما اقتنعنا به، ونطلب من الواقع أن يوافق تصوُّراتنا، ومن هنا تأتي قيمة تنظيم العقل؛ أن نفحص مقدمات أفكارنا، ونُدرك كيف تشكَّلت، وأين تقصر عن تفسير ما نواجهه، بهذه المراجعة نمنح أنفسنا قدرةً أوسَعَ على فهم التعقيد، وتحديد موضع التأثير الممكن فيه.
ومن هذا الفهم تنشأ قدرةٌ أعمقُ على ترتيب الأولويات، فليست المسائل متساوية في قيمتها، ولا يستحقُّ كلُّ خلافٍ أن نُعطّل يومنا لأجله، ثمَّة حقٌّ يستدعي موقفًا واضحًا، ومسألة تحتمل التفاهم، وأمرا ينتهي أثره إذا تجاوزناه، وإدراك هذه الفروق يُعيننا على توجيه جهدنا إلى ما ينفعُ، ويجعل الحزم اختيارًا واعيًا له أسبابه وحدوده.
وفي الأسرة يتجلَّى المعنى بصورة قريبة؛ فحين يعرف الأب أو الأم الفرقَ بين الرعاية وفرض الاختيارات، تتسع مساحة الحديث، ويصبح التوجيه أقرَبَ إلى القبول، وحين نفهم أن المحبَّة تمنح الآخر أمانًا للتعبير، نتعلَّم الإصغاء إلى ما يقوله فعلًا، بهذا الفهم يتشكَّل اتفاق يحفظ لكل فردٍ شخصيَّته، ويمنح البيتَ قدرةً على معالجة خلافاته باحترام.
أما في المجتمع فالعقل المرتَّب يعرف مقدار ما يستطيع تقديمه، ويُؤدّي نصيبه بإتقانٍ؛ فيبدأ بإصلاح خطئه، والوفاء بوعده، والتثبُّت من خبره، واحترام حقوق الآخرين. هذه الأعمال تمنح الأفكار قيمتها العملية؛ إذ يستطيع الناس أن يلمسوا أثرها، ويثقوا بصاحبها، ويتعاونوا معه، ومن سلوك مفهوم ومتسق تنشأ فرصٌ أوسعُ للتفاهم والعمل المشترك.
ولعل عبارة «ينتظمون معك» تستحقُّ قراءةً متأنيةً؛ فالناس يحتفظون بإرادتهم، والظروف قد تمضي على غير ما نريد، غير أن وضوحنا يساعدهم على فهم حدودنا ومقاصدنا، ويجعل استجابتنا أقلَّ اضطرابًا، وقد يبقى الخلاف قائمًا، لكننا نُديره بإنصافٍ، ونختار موقعنا منه، ونعرف متى نواصل الحوار، ومتى تتطلَّب المسألة قرارًا واضحًا.
ويتطلَّب هذا الوضوحُ ترتيبَ الصلة بين الفكرة والغاية والعمل؛ فنعرف ما نريد تحقيقه، ونُقدّر ما يحتاجه من جهد، ونختار الوسائل الملائمة له، وكلما اتَّسقت هذه العناصر، ازدادت قدرتنا على التعامل مع المستجدات، هنا يأخذ تنظيم العقل معناه العملي؛ فتتوزَّع الاهتمامات بحسب أهميَّتها، وتتحدَّد الخطوات بحسب الإمكانات، ويجد الطموح سبيله إلى الإنجاز، وبهذا الاتساق يصبح حضورنا أوضح لمن حولنا، فيعرفون مقاصدنا، ويفهمون اختياراتنا، ويسهل عليهم تنسيق جهودهم معنا.
وفي كلمات الأمير الراحل سعود الفيصل، رحمه الله، دعوةٌ إلى امتلاك زمام التفكير، وإعطاء كل أمرٍ قدرَهُ، وحسن اختيار الاستجابة، ولعل أكرم ما نصنعه بمعنًى أعجبنا أن نمتحنه في سلوكنا؛ فنراجع ما نطالب به الآخرين، ونُميّز بين ضرورة التغيير ورغبتنا في أن تسير الأمور وَفْق تصوُّراتنا، عندها نُدرك أن انتظام ما حولنا يبدأ من وضوح موقعنا فيه، ومعرفة ما يقعُ ضمن مسؤوليتنا، وما يستوجب احترام استقلال الآخرين في اختياره.
ضوء
«تتراجع حاجتنا لتبديل البشر حينما نحسن إدارة مطالبنا؛ فالاتزان يهبُ صاحبه ميزانًا يُفرز الضروري والممكن، ويُبقي جهده متصلًا بمقدرته، بذلك يكتسب حضورُهُ أثرًا يتجاوز نطاق ذاته؛ فتغدو طمأنينته باعثًا للتقارب، واتساقه دعوة للتعاون، ورجاحة تقديره أساسًا لاستقرار محيطه».