د.محمد بن عبدالرحمن البشر
الذكاء الاصطناعي هو اليوم فائدة العصر، وحديث العصر، ومشكلة العصر، والكل يطمعون إلى الاستفادة منه بقدر المستطاع، لكن هناك من يخشاه لأسباب عديدة، وفيما يبدو أن شيئاً ما يحاك، وقد لا يطول الوقت، فالنقاش بين الدول الصناعية الكبيرة حوله مازال قائماً، وقد يصل إلى نقطة معينة، دون الأخذ بعين الاعتبار رأي الدول النامية، وهناك نقطة مهمة تتعلق به، النقطة تتمثل في الخشية من انفلاته، وعدم التحكم في تصرفاته التي قد تجعله يدمر البشرية، أو على الأقل بعضاً من الممتلكات الشخصية أو العامة.
قدم أحد القياديين في إحدى الشركات الكبيرة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي استقالته، وتبع ذلك حديث بين الرؤساء التنفيذيين للشركات الكبرى التي تعمل في هذا المجال، ورافق ذلك تغطية إعلامية كبيرة تحذر من التمادي في تطوير الذكاء الاصطناعي خشية أن يفرط، ويفلت من عقاله، ويصعب على الإنسان الإمساك به، لكن رجلاً مؤثراً لم يكن راضياً على ما سمع، وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يرى أن تكون الولايات المتحدة الرائدة في هذا المجال، كما هي عليه الآن، وأن لا تعطى الفرصة والمساحة للصين لتسبق الولايات المتحدة الأمريكية، وهي المنافس الأكبر، والأسرع، والأكثر دقة من غيرها من الدول، وقرر أن يكون هناك موظف مسؤول عن الذكاء الاصطناعي الذي أطلق عليه الذكاء المتفوق وسماه قيصر، وهذا يعكس شخصية ترامب التي اعتدنا عليها، والذي يحب تضخيم الأمور، وإطلاق المفردات الكبيرة والوازنة في جميع المجالات، والمبالغات الزائدة في ذلك، وقد رأينا ذلك في قوله إنه سوف ينهي الحرب الروسية - الأوكرانية في يومين، وسوف يبيد إيران، وأنه أنهى تسع حروب، وأنه أفضل رئيس، وغيرها كثير، وهو رئيس جاء من خارج الميدان السياسي، ويتصرف خارج النسق المعتاد، الذي تعود عليه السياسيون.
أعتقد، وأتمنى ألا يحدث، أن هناك تشريعاً عالمياً يقنن الاستعمال المتعلق بالذكاء الاصطناعي تصيغه الدول الكبرى، ليعطيها السيطرة الكاملة عليه، وحرمان الدول النامية من الاستفادة منه، بحجة خشية استخدامه استخداماً خاطئاً قد يتسبب في كارثة عالمية، أو أن تستخدمه في تطوير سلاح مدمر تتضرر منه دول أخرى، وإن تم الأمر فسيصبح بيد هذه الدولة أو تلك من الدول الكبرى التي يمكنها أن تسمح لمن تريد بتطويره، إما في الخفاء أو العلن، كما هو حال استخدام الطاقة النووية في أغراض شتى، وإجبار دول العالم على التوقيع على معاهدة معينة تسمح للدول المتقدمة مراقبة ما يحدث في كل بلد من الدول النامية، وذلك من خلال منظمة معينة مثل وكالة عدم انتشار السلاح النووي، لكنه يسمح لدولة معينة بعدم التوقيع على المعاهدة، ومن ثم عدم التفتيش عليها، وتركها تنتج ما تشاء، كما هو حادث الآن في دولة شرق أوسطية. أو تتحايل دولة مثل إيران على السعي لامتلاك سلاح نووي، فتخلق بؤرة للتوتر والحروب. إذا أرادت البشرية أن تتجنب الحروب، فلابد من وضع قوانين دولية تعمل على حفظ حقوق متساوية لجميع الدول دون استثناء، ودون تمييز، وتكون الساحة العلمية متاحة لجميع الدول مع ضبط قانوني للدول المتقدمة والنامية على السواء، ودون مواربة أو تحفظ، ليصبح العالم أكثر أمناً وعدلاً، وعندما يكون ذلك الأمر واقعاً ملموساً، فمن المؤكد أن العالم يستطيع أن ينتقل إلى مراحل أخرى تجعله أكثر تطوراً، وتشارك جميع دول العالم في ذلك التطور، وتقل الفوارق بين الدول والشعوب، ويبقى الجد هو المعيار الحقيقي للنجاح.
أرى خللَ الرمادِ وميضَ جَمْرٍ
ويوشكُ أن يكونَ له ضرامُ
لن تقف الابتكارات عند الذكاء الاصطناعي، فسوف يتلوه غيره، وربما أخطر منه، ومن ذلك التدخل في الجينات البشرية، الذي حدث في حالة واحدة معلنة، وهو الجين، سي سي آر خمسة، باستخدام تقنية كرسبر كاس تسعة.