حذامي محجوب
الحياة هي العادة الوحيدة المكرّرة.
فهي لا تتوقف أبداً..
إنها أردية مختلفة الألوان، وفي كل مناسبة ترتدي فستاناً وتواريه لتعيد موضته في زمن آخر.
تخيّل أنك حضرت أجمل لحظة في حياتك... ثم اكتشفت بعد انتهائها أنك لم تعشها.
كنت هناك حيث حياتك، جسدك في المكان، وعيناك تنظران إلى المسرح، أو الملعب، أو البحر، أو وجه الشخص الذي تحب.
لكن بينك وبين كل ذلك كان هاتفك مرفوعا. كنت منشغلًا بأن تلتقط اللحظة ذاتها، أكثر من انشغالك بأن تكون داخلها.
كنت تفكر في الزاوية، والإضاءة، والثواني التي ينبغي تسجيلها، ثم في المكان الذي ستنشر فيه الصورة اوالفيديو، ومن سيشاهده، وكم إعجاباً سيحصل عليه.
وبعد أن انتهى كل شيء، عدت إلى البيت ومعك عشرات الصور ومقاطع الفيديو... لكن هل عدت ومعك اللحظة نفسها؟.
هذا السؤال، على بساطته، قد يكون واحدا من أكثر أسئلة عصرنا إلحاحاً.
نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الكاميرا حاضرة في كل شيء تقريباً.
في الأفراح وفي المناسبات، في الحفلات وفي العروض الفنية، في الملاعب، في المطاعم، في السفر، في اللقاءات العائلية، وحتى في اللحظات الأكثر إنسانية التي كان الإنسان في الماضي يتركها للذاكرة والقلب.
يبدأ الحفل، فترتفع الهواتف.
يسجل المغني الأغنية، ويسجل الجمهور المغني، ويسجل شخص الجمهور وهو يسجل المغني!.
يسجل أحدهم الهدف قبل أن يفرح به، وتصوّر أخرى فستانها قبل أن تنظر إلى من حولها، ويقف ثالث أمام منظر طبيعي مذهل، لكنه لا يمنح عينيه سوى ثوانٍ قليلة قبل أن يبدأ في البحث عن أفضل لقطة.
حتى الأطفال لم يفلتوا من هذه العدسة المستمرة.
طفل يضحك بعفوية، فتتسابق الهواتف لتصوير ضحكته. طفل يركض، فنطلب منه أن يتوقف كي نصوره.
عائلة تجتمع بعد غياب طويل، وقبل أن يتبادل أفرادها الأحضان والكلمات، يخرج الهاتف ليحفظ المشهد.
نحن نريد ان نوثق الحياة إلى درجة أننا بدأنا، ويا للمفارقة، نفقد القدرة على عيشها.
فكأننا انتقلنا بهدوء من سؤال: «ماذا أشعر الآن؟» إلى سؤال مغاير آخر: « كيف ستبدو هذه اللحظة في الصورة؟».
وهنا تبدأ الحكاية.
فالمشكلة ليست في التصوير، الصورة واحدة من أجمل اختراعات الإنسان، وهي التي حفظت لنا وجوه أولئك الذين رحلوا، وأماكن تغيرت، وأياماً لم نكن نعرف وقتها أنها ستصبح عزيزة إلى هذا الحد.
المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهم من اللحظة ذاتها، والتوثيق أهم من التجربة، والنشر أهم من الحضور.
عندما لا نكتفي بأن نعيش الحدث، بل نشعر أن علينا أن نثبت للآخرين أننا عشناه.وعندما لا يعود الفرح كاملًا إلا إذا التقطنا له صورة.
عندما يصبح حضورنا في الحياة مرتبطًا بمدى قدرتنا على تسجيله.
عندها لا تعود الكاميرا مجرد أداة في أيدينا، تصبح شيئًا يقف بيننا وبين العالم.
نرى البحر من خلال الشاشة.
نستمع إلى الأغنية من خلال التسجيل. نشاهد المباراة من خلال عدسة الهاتف. ونلتقي أصدقاءنا بينما جزء من انتباهنا مشغول بتوثيق اللقاء.
فهل نعيش الحياة فعلاً... أم أصبحنا نعيش النسخة التي نصنعها عنها؟.
هذا هو السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده قليلاً.
لم يكن الإنسان في الماضي بحاجة إلى إثبات أنه عاش لحظة جميلة بالصورة.
كان يجلس أمام البحر، فينظر إلى مياهه وأمواجه.
كان يستمع إلى أغنية، فيترك الموسيقى تأخذه.
كان يحضر مباراة، فيصرخ مع الجمهور، ويعيش لحظات التوتر والفرح والانكسار.
كان يلتقي شخصًا يحبه، فينظر في عينيه ويتحدث إليه.
أما اليوم، فقد أصبح هناك وسيط دائم بين الإنسان وتجربته: الشاشة.
نحن لا نكتفي بأن نرى العالم، بل نراه أحيانًا كما ستظهر صورته في الهاتف.
وهذا تغيير عميق في علاقتنا بالواقع.
فالإنسان الذي يصوّر كل شيء لا يعيش اللحظة بالضرورة من موقع المتلقي، بل من موقع المراقب والمخرج والمصوّر.
عينه لا تكتفي بمشاهدة الحدث، إنها تبحث عن اللقطة.
يده لا تكتفي بالمصافحة أو التصفيق، إنها تمسك الهاتف.
وذاكرته لم تعد وحدها مسؤولة عن الاحتفاظ بالتجربة، لأن هناك ذاكرة إلكترونية تتكفل بتخزينها.
لكن الصورة، مهما كانت واضحة، لا تخزن كل شيء.
الصورة، لا تخزن رائحة المكان.
لا تحفظ حرارة اليد.
لا تسجل الخفقة التي سبقت كلمة.
لا تستطيع أن تحفظ تماما ذلك الشعور الذي اجتاحنا ونحن نرى شخصا نحبه بعد غياب.
الصورة تحفظ الشكل، لكنها لا تحفظ بالضرورة المعنى.
ولعل الأخطر من كثرة التصوير ليس التصويرنفسه، وإنما أن يتحول إلى سلوك يستحوذ على انتباهنا.
فالانتباه هو العملة الأكثر ندرة في عصرنا. وما نمنحه انتباهنا نمنحه جزءًا من حياتنا.
حين نقف أمام لوحة فنية وننشغل بتصويرها عشر مرات، قد نمتلك عشر صور لها، لكننا ربما لم نمنحها الدقائق الكافية لكي تنفذ إلى داخلنا.
وحين نصوّر مغنيًا طوال الحفل، قد نعود إلى المنزل ومعنا عشرات المقاطع، لكننا قد نكتشف أننا بالكاد عشنا الحفل نفسه.
وحين يذهب شخص إلى مدينة جديدة ويقضي ساعات في التقاط الصور لكل شارع ومبنى ومطعم، ثم يعود إلى الفندق ليختار الصور وينشرها، قد يكون قد عاد بذاكرة رقمية غنية، لكن ماذا عن ذاكرته لإنسانية؟
هل تذكر كيف كان الهواء؟ كيف كان صوت المدينة؟ كيف شعر عندما ضل الطريق؟ هل تذكر الشخص الذي ابتسم له في الطريق؟ هل تذكر تلك اللحظة التي لم يصورها أحد؟ ربما لا.
لأن ما لم نصوره بدأ يبدو لنا وكأنه أقل أهمية، مع أنه قد يكون أكثر ما يستحق أن نتذكره.
هناك شيء آخر تغيّر في حياتنا: أصبحنا نعيش بعض الأحداث بعين الآخرين. لم يعد السؤال فقط: هل استمتعت؟.
بل أصبح، أحيانا من دون وعي: هل سيبدو أنني استمتعت؟ وهذا فرق فلسفي كبير. الأول يتعلق بالحياة، والثاني يتعلق بالصورة التي نقدمها عن الحياة.
قد يذهب شخص إلى مطعم فاخر، فيلتقط صورة للطاولة قبل أن يتذوق الطعام، وقد يجلس في مكان رائع، فينشغل بتصوير نفسه أكثر من النظر إلى المكان.
وقد يحضر فعالية ثقافية مهمة، لكنه يعود منها وفي هاتفه عشرات المقاطع، بينما لا يستطيع أن يتذكر فكرة واحدة أثرت فيه بعمق.
كأننا أصبحنا نعيش على مستويين: حياة نعيشها، وحياة نعرضها.
والخطر أن تبدأ الحياة المعروضة بالتفوق على الحياة الحقيقية. نصبح أكثر اهتماما بما يمكن نشره مما يستحق أن يُعاش.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي جعلت هذه الظاهرة أكثر تعقيدًا.
فالصورة لم تعد مجرد ذكرى شخصية.
الصورة، أصبحت رسالة إلى الآخرين، وأصبح لكل صورة جمهور محتمل، ولكل فيديو عدد من المشاهدات، ولكل لحظة قابلة للنشر فرصة لأن تتحول إلى مادة للتفاعل.
وهكذا دخل عنصر جديد إلى علاقتنا بالحياة: نظرة الآخرين.
قد لا يكفي أن أكون سعيدًا، أريد أن يرى الآخرون سعادتي.
وقد لا يكفيني أن أزور مكاناً جميلاً، أريد أن يعرف الآخرون أنني زرته.
وقد لا يكفيني أن أحضر حدثًا مهمًا، أريد أن أُثبت حضوري.
شيئًا فشيئًا، تنتقل مركزية التجربة من الداخل إلى الخارج.
بدل أن يكون السؤال: «ماذا أعطتني هذه اللحظة؟».
يصبح السؤال: « ماذا ستعطي صورتي عن هذه اللحظة؟».
وهذا التحول قد يجعل الإنسان يعيش تحت مراقبة مستمرة، حتى عندما لا يراقبه أحد.
إنه يصنع صورة عن نفسه باستمرار، ويقارنها بصور الآخرين، ويقيس حياته بما يظهر في شاشاتهم.
وهنا تظهر مسألة نفسية أكثر عمقًا.
الإنسان بطبيعته يحتاج إلى الاعتراف، ويحتاج إلى أن يشعر بأن وجوده مرئي ومقدّر.
لكن وسائل التواصل الاجتماعي حولت هذا الاحتياج الإنساني إلى مؤشرات رقمية: إعجاب، تعليق، مشاركة، مشاهدة.
أصبح بإمكان الإنسان أن يرى، بالأرقام، حجم الانتباه الذي حصل عليه.
وهذا قد يجعل بعض التجارب اليومية مرتبطة، ولو بصورة غير واعية، بردة فعل الآخرين.
الرحلة تصبح أجمل عندما يراها الآخرون. الصورة تصبح أكثر قيمة عندما تحصد تفاعلًا.
المناسبة تصبح أكثر حضورًا عندما تنتشر. وهكذا يتسلل معيار خارجي إلى أكثر مناطق الحياة خصوصية.
لم يعد الإنسان يسائل نفسه دائمًا: «هل كانت هذه اللحظة جميلة بالنسبة إلي؟» بل قد يسأل: «هل تبدو جميلة للآخرين؟».
وهذا هو الفارق بين أن نعيش التجربة وأن نستعرضها.
والأغرب أن هذا السلوك بدأ يغيّر طبيعة أحاديثنا.
في الماضي، عندما نلتقي بعد مناسبة أو رحلة أو حدث، كان السؤال: كيف كانت الرحلة؟ ماذا شعرت؟ ماذا أعجبك؟ من قابلت؟ ما الذي بقي في ذاكرتك؟ أما اليوم، فكثيرًا ما يبدأ الحديث من الصور:
هل رأيت الفيديو الذي انتشر؟ هل شاهدت ما صوّره فلان؟هل رأيت اللقطة التي انتشرت؟ هل شاهدت ماذا حدث في الحفل؟.
نحن لا نتحدث دائمًا عن الحدث الذي عشناه، بل عن نسخته الرقمية. بل إن أشخاصاً لم يحضروا المناسبة أصلًا قد يشعرون أنهم يعرفونها لأنهم شاهدوا عشرات المقاطع عنها.
هنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر إلحاحًا:
هل تكفي مشاهدة الحياة على الشاشة لكي نقول إننا عشناها؟.
بالطبع لا.
كما أن قراءة قائمة الطعام لا تعني تذوقه، ومشاهدة صورة البحر لا تعني الوقوف أمامه، والاستماع إلى وصف الحب لا يعني الوقوع فيه.
هناك مسافة لا تستطيع التكنولوجيا إلغاءها: مسافة التجربة.
وللتصوير، في المقابل، وجه آخر لا ينبغي إنكاره. فالصور تحفظ تاريخ العائلات، وتخلّد الأشخاص والأماكن، وتوثق الأحداث، وتمنحنا فرصة لاستعادة لحظات قد تضيع من الذاكرة.
وربما كانت صورة قديمة لأب أو أم أو صديق أغلى من كنوز كثيرة، لأنها تحمل ما لا يستطيع الزمن إعادته.
وقد تصبح صورة واحدة بعد سنوات طويلة أكثر قيمة من مئات الصور التي التقطناها لمجرد النشر.
المشكلة إذن ليست في أن نصوّر. المشكلة في أن نصوّر بدل أن نعيش.
المشكلة أن تتحول الكاميرا من وسيلة لحفظ اللحظة إلى حاجز بيننا وبينها، أن يصبح توثيق التجربة أهم من التجربة نفسها. أن نبحث عن أفضل زاوية للكاميرا وننسى أن هناك زاوية أخرى لا تلتقطها العدسة: زاوية القلب.
وقد يكون الأطفال أكثر من يلفت الانتباه في هذا السياق.
طفل يرى العالم بعين الدهشة الطبيعية، يريد أن يركض، يلمس، يضحك، يكتشف.
لكننا أحيانًا نوقف هذه الدهشة كي نصوّرها.»قف هنا».»ابتسم». «لا تتحرك». ثم نعيد التقاط الصورة لأن الأولى لم تكن جيدة. نريد أن نوثق فرح الطفل، فنقطع عليه فرحه. نريد أن نصور العفوية، فنصنعها وضعية.
وهذه مفارقة تستحق التأمل: هل يمكن أن نصنع صورة جميلة من لحظة أفسدنا عفويتها؟.
حتى في المناسبات الاجتماعية، أصبح الهاتف حاضرًا في المسافة بين إنسان وإنسان.
قد يجلس أفراد الأسرة حول طاولة واحدة، لكن لكل واحد منهم عالم صغير داخل هاتفه.
وقد يجتمع الأصدقاء بعد غياب طويل، ثم يقضي بعضهم جزءًا من اللقاء في تصويره أو متابعة الرسائل والإشعارات.
نحن أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، لكن الاتصال ليس هو الحضور.
قد أعرف أين يوجد شخص في الطرف الآخر من العالم، ماذا أكل، أين ذهب، ماذا شاهد، وما الصورة التي نشرها قبل دقائق، ومع ذلك قد لا أعرف كيف يشعر.
هذه إحدى مفارقات عصرنا الكبرى: كثرة المعلومات لا تعني كثرة المعرفة، وكثرة الصور لا تعني كثرة الذكريات، وكثرة الاتصال لا تعني بالضرورة كثرة القرب.
والظاهرة لا تتوقف عند الأفراد، بل تمتد إلى المجتمع نفسه.
لقد أصبحنا نعيش في مجتمع سريع التوثيق.
كل شيء تقريبًا قابل لأن يتحول إلى صورة أو فيديو: لحظة إنسانية، موقف طريف، حادثة، احتفال، خلاف،نجاح، فشل، سفر، طعام، لقاء.
وهذا ماجعل العالم يبدو وكأنه مسرح مفتوح لا يكاد ينطفئ فيه الضوء.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يكون متفرجًا ومؤديًا ومصورًا ومعلقًا في الوقت نفسه من دون أن يدفع ثمنًا من انتباهه.
ومع الوقت، قد تصبح الحياة نفسها سلسلة من اللحظات التي نبحث فيها عن «المشهد» بدل أن نبحث عن «المعنى».
ومن هنا يأتي البعد الفلسفي الأعمق. ما معنى أن نعيش حياة!؟.
هل الحياة هي مجموع الأحداث التي مررنا بها، أم مجموع اللحظات التي كنا حاضرين فيها حقًا؟ ربما لا تُقاس جودة الحياة بعدد الصور التي نملكها، وإنما بعدد اللحظات التي شعرنا فيها أننا كنا أحياء بكل جوارحنا.
الفيلسوف الفرنسي «موريس ميرلوبنتي» جعل الجسد جزءًا أساسيا من علاقتنا بالعالم، فنحن لا ندرك العالم بعقل مجرد، بل نعيشه بأجسادنا وحواسنا وحضورنا فيه.
ولعل هذا يفسر شيئًا نفتقده اليوم.
الحياة ليست صورة عنها.الحياة هي أن نكون داخلها.
أن نشعر بالمطر بدل أن نصوره فقط. أن نسمع الضحكة بدل أن نسجلها فقط، أن نرقص أحيانًا من دون أن نفكر في شكلنا في الفيديو.
أن نصفق حتى تتعب أيدينا.
أن نرفع أعيننا إلى السماء دون أن نبحث عن أفضل إطار.
أن نجلس مع من نحب ونترك الهاتف بعيدا بما يكفي لكي نسمع ما يقوله، لا ما يصل إلينا عبر الإشعارات.
فالحضور ليس أن يكون الجسد في المكان فقط.
الحضور هو أن يكون الانتباه هناك أيضًا. وربما نحتاج اليوم إلى استعادة شيء بسيط جدًا: أن نترك بعض اللحظات بلا صور.
أن نسمح لبعض الأحداث أن تبقى لنا وحدنا.
أن نحتفظ بذكريات لا يراها أحد.
أن نذهب إلى مكان جميل ونكتفي بالنظر. أن نستمع إلى أغنية كاملة دون تصويرها. أن نعيش فرحة عائلية دون أن نفكر في نشرها، أن نلتقي شخصاً عزيزاً ونترك الهاتف في الحقيبة.
ليس لأن التصوير سيئ، وليس لأن التكنولوجيا عدو للحياة، وإنما لأن الإنسان يحتاج إلى مناطق لا تصل إليها الكاميرا، يحتاج إلى ذكريات لا يملكها سوى قلبه.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله ليس أن نتوقف عن التصوير، وإنما أن نستعيد التوازن. أن نصوّر أحياناً، ونعيش دائماً.
أن نحتفظ ببعض الصور، ونترك بعض اللحظات للذاكرة.
أن نلتقط لقطة واحدة ثم نخفض الهاتف ونرفع أعيننا.
أن نتذكر أن الكاميرا تستطيع أن تحفظ اللحظة، لكنها لا تستطيع أن تعيشها نيابة عنا.
فالصور قد تعيد إلينا شكل الماضي، لكنها لا تستطيع أن تعيد إلينا الزمن نفسه.
و شريط الفيديو قد يجعلنا نسمع صوتًا من الماضي، لكنه لا يعيد إلينا الإحساس الذي كان يملأ صدورنا ونحن نسمعه للمرة الأولى. هناك أشياء لا توثق. هناك مشاعر لا تُحفظ في ذاكرة الهاتف. هناك لحظات لا يمكن استعادتها إلا بداخلنا.
في النهاية، ليست المشكلة أن لدينا هواتف ذكية.
المشكلة أن الهواتف قد تجعلنا، من دون قصد، أقل ذكاءً في علاقتنا باللحظة.
فقد نصبح خبراء في حفظ الصور، وفقراء في حفظ المشاعر.
قد نمتلك آلاف المقاطع، لكننا نفتقد لحظة واحدة عشناها بكل حواسنا.
وقد يمتلئ الهاتف بذكريات كثيرة، بينما يفرغ القلب من الحضور.
لذلك ربما آن لنا، من حين إلى آخر، أن نخفض الهاتف ونرفع أعيننا، أن نترك الكاميرا جانبًا ونترك الحياة تقترب.
أن نكف عن التفكير في الصورة التي ستبقى، ونفكر قليلًا في اللحظة التي نعيشها الآن. فبعض أجمل لحظات العمر لا تحتاج إلى صورة.
وبعضها، لو انشغلنا بتصويرها، ربما نفقد الشيء الوحيد الذي لا تستطيع أي كاميرا استعادته: أن نكون هناك... حقًا.
وربما تكون أعظم صورة يمكن أن نحتفظ بها في نهاية الأمر، هي تلك التي لم نلتقطها أصلًا، لكننا عشناها كاملة.
فالحياة تمنحك سرها متأخراً حين لا تكون قادرا على العودة للخلف.