عبد الله سليمان الطليان
* قصة غوته في بلاط فايمار: تحويل الإحباط إلى إبداع
في عام 1775م، تلقى الشاعر الألماني الشاب يوهان فولفغانغ غوته، البالغ من العمر 26 عامًا، دعوة لقضاء بعض الوقت في قصر فايمار. عرض عليه الدوق كارل أوغست منصبًا بارزًا في حكومته، فقبل غوته، ورأى في ذلك فرصة لإثراء تجربته وتطبيق أفكاره المستنيرة.
لكن سرعان ما اكتشف أن حياة القصر لا تُطاق؛ فالحياة هناك تدور حول طقوس لعب الورق، وحفلات الرماية، والقيل والقال، وتضخيم الملاحظات التافهة. كان أفراد الحاشية يناقشون مظهر الممثلة الجديدة، لكنهم لا يتحدثون عن المسرحية نفسها.
* التحول إلى مراقب ذكي
شعر غوته بأنه محاصر، لكنه قرر التسليم والقبول. وضع إستراتيجية ذكية: لن يتحدث إلا قليلاً، وسيحجم عن إبداء رأيه، وسيفسح المجال للآخرين للاسترسال في الحديث، وسيرتدي قناع الدماثة وهو يستمع إليهم. لكنه في باطنه كان ينظر إليهم كشخصيات في مسرحية.
وبذلك كان أفراد الحاشية يمدونه بموارد لا نهاية لها: الشخصيات، ومقطوعات الحوار، وقصص الحماقة التي ملأت مسرحياته ورواياته لاحقًا. حوّل غوته إحباطاته الاجتماعية إلى لعبة أكثر إنتاجية وإمتاعًا.
* قصة جوزيف فون سترنبرغ: فن التعامل مع الممثلين
ارتقى المخرج السينمائي جوزيف فون سترنبرغ من صبي مراسل إلى أحد أكثر المخرجين نجاحًا في هوليوود.
كان يعمل على فلسفة مفادها أن الأمر المهم هو المنتج النهائي، ودوره هو التحقق من أن الجميع يعملون بتناغم.
وجد سترنبرغ أن أكثر الأطراف معارضة هم الممثلون؛ إذ همهم الأول والأخير هو سيرتهم المهنية. في عام 1930م، أخرج فيلمه الشهير «الملاك الأزرق» مع الممثل العالمي إميل جنينغز. كان جنينغز ممثلًا أحمق يسعى لعرقلة الإنتاج ويفسر توجيهات المخرج على أنها إهانة شخصية.
* حرب سترنبرغ الذكية
كان سترنبرغ مستعدًا لكل هذا:
- كان يذهب كل صباح إلى غرفة ملابس جنينغز ليطمئنه ويؤكد إعجابه بعمله.
- كان يرافقه يوميًا لتناول طعام الغداء، ويستمع بصبر لمقترحاته السطحية.
- حين كان يهتم بممثل آخر، كان جنينغز يدخل في نوبة غضب، فيضطر سترنبرغ لتطييب خاطره.
وبالسماح له بهذه الأمور التافهة، أفشل سترنبرغ إستراتيجية جنينغز. لكنه لجأ أيضًا إلى خداعه:
- وجه مصباحًا ساخنًا إلى رقبته لإجباره على دخول موقع التصوير.
- هنأه على لهجته الألمانية المرتفعة، مذكرًا إياه أنه سيكون الوحيد الذي يتحدث بهذه الطريقة، فما كان من جنينغز إلا أن تخلى عنها.
- كان يرسل إليه من يخبره بأن المخرج مع مارلين ديتريش، فتحفزه الغيرة للعودة إلى التصوير.
تمكن سترنبرغ من مناورته مشهدًا تلو مشهد، مستخلصًا من جنينغز أعظم أداء في مهنته.
* قصة دانيال إيفرت: كيف تحول الهجوم إلى فرصة
في عام 1977م، انتقل دانيال إيفرت وعائلته إلى قلب الأمازون ليعيشوا بين شعب البيراهـا، في مهمة تبشيرية لتعلم لغتهم الصعبة وترجمة الكتاب المقدس. درس إيفرت أعمال نعوم تشومسكي، لكنه بدأ يعثر على استثناءات كثيرة لنظريته.
في عام 2005م، نشر إيفرت بحثًا بأفكار مثيرة تتحدى نظرية تشومسكي. لكنه لم يكن مستعدًا للردود: بدأ لغويون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في تعقبه، وفي محاضرة بجامعة كامبريدج رشقوه بأسئلة تهدف لإحراجه. تحولت الانتقادات إلى هجمات شخصية، واتهموه بالدجال، واتهمه تشومسكي نفسه بالسعي للشهرة والمال.
* تحويل الهجوم إلى قوة
في البداية، لم يستطع إيفرت مقاومة الانجراف العاطفي، لكنه سرعان ما تجاوز هذه المرحلة. بدأ يستخدم الهجمات لصالحه:
- أجبروه على إحكام كتاباته ومراجعتها.
- دفعوه لإعادة التفكير في حججه وتقويتها.
- أصبح يسمع انتقاداتهم المحتملة في رأسه، ويرد عليها في كتاباته.
- الجدل الذي أثاروه زاد من مبيعات كتابه «لا تنم، توجد ثعابين».
- أضاف إليه المزيد من المؤيدين.
في النهاية، أصبح إيفرت يرحب بهجوم أعدائه، لما لهم من فضل عليه في تحسين كتاباته وتقوية عوده.
الحمقى: كيفية التعامل معهم
في مسيرة حياتك، ستواجه لا محالة كثيرًا من الحمقى. يمكننا تحديدهم من خلال المبدأ الآتي: عندما يتعلق الأمر بالحياة العملية، فإن الأهمية الكبرى تنحصر في النتائج طويلة الأمد.
الحمقى يولون النتائج قصيرة المدى الأهمية القصوى: كسب المال فورًا، والحصول على اهتمام الناس، والظهور بالمظهر الجيد.
يتحكم فيهم غرورهم وشعورهم بعدم الأمان، ويميلون إلى الاستمتاع بالدراما والمكائد. الميل الطبيعي للتعامل مع الحمقى هو النزول إلى مستواهم، لكن هذا خطأ.
تذكر أنه لا يمكنك أن تذلهم بالحجة، أو تقنعهم بالنظر إلى الأمور بطريقتك، لأن المنطق والنتائج لا تهمهم.
* الفلسفة الصحيحة
للتعامل مع الحمقى:
اعتبارهم جزءًا من الحياة، مثل الصخور أو الأثاث.
إدراك أن كل واحد منا لديه خصلة من الحماقة تظهر في لحظات الضعف.
حين ترى هذه الحماقة في نفسك، ستتقبلها في الآخرين.
ابتسم من طرائفهم، وتجنب محاولة تغييرهم.
5. استغل حماقاتهم بما يعود بالفائدة عليك، واستخدمهم مادة لعملك.
* ذروة الحكمة:
أن تستغل حماقات الآخرين بما يعود بالفائدة عليك، وأن تستخدمهم مادة لعملك، وأمثلة على الأشياء التي ينبغي تجنبها. بهذه الطريقة، ستكون حماقاتهم أداة بيدك تساعدك على تحقيق النتائج العملية التي يزدرونها.
عكس القاعدة: عندما يكون التجنب هو الحل
في الوقت الذي كان يدرس فيه بول غراهام للحصول على درجة الدكتوراه في علم الحاسوب من جامعة هارفارد، اكتشف شيئًا عن نفسه: كان يعاني نفورًا عميقًا من الصراع على النفوذ والمناورات الاجتماعية. ولأنه لم يكن يجيدها، وكان يسخطه أن يضطر للانجراف إليها، فقد قرر أن يتجنب أي بيئة يتفشى فيها هذا الصراع.
عندما أسس شركة «واي كمبيتر»، لم يستطع منع نموها؛ فقد كانت ناجحة جدًا. لكنه ابتكر حلًا من شقين:
- عهد إلى زوجته جيسيكا ليفينغستون، التي تمتلك ذكاءً اجتماعيًا عاليًا، بمهمة التعامل مع الحالات الاجتماعية المعقدة.
- حافظ على هيكل فضفاض غير بيروقراطي للشركة.
إذا كنت مثل غراهام، فالحل الأمثل هو أن تنأى بنفسك عن تلك الحالات قدر الإمكان. لكن من الحكمة أن تحاول تحصيل أساسيات الذكاء الاجتماعي؛ لتكون قادرًا على قراءة الناس، والتعرف إلى من يريد بك سوءًا، وإدارة الأشخاص الصعبين. العالم ميدان كبير يعج بالمؤامرات والدسائس، وأي محاولة للانسحاب الكامل ستجعلك عرضة لأسوأ أشكال السذاجة.
خاتمة: في رحاب الذكاء الاجتماعي
** يقول يوهان فولفغانغ فون غوته: «إنها لحماقة كبرى أن نؤمل أنفسنا بأن يكون الآخرون على توافق وانسجام معنا؛ إذ لم يسبق لي أن أمّلت شيئًا كهذا. لقد كنت دائمًا أعد كل شخص فردًا مستقلاً، أحرص على فهمه بكل ما لديه من خصوصيات، ولكنّي لا أتوقع منه أي تعاطف. فبهذه الطريقة أستطيع التحدث إلى أي شخص، وبهذا وحده أجلب المعرفة اللازمة عن مختلف الشخصيات، والبراعة اللازمة للسلوك في الحياة».
خلاصة:
الذكاء الاجتماعي ليس ترفًا، بل ضرورة للإتقان في العمل والحياة. من خلال أربع إستراتيجيات رئيسية:
تحدث عن طريق عملك: فالعمل الجيد يتحدث عن نفسه ويحميك من المناورات.
اصنع الشخصية التي تناسب طبيعتك: كن واعيًا لصورتك العامة، وابنِ شخصية تخدم أهدافك.
انظر إلى نفسك بعيون الآخرين: تقبل النقد الذاتي، وتعلم من أخطائك.
تحمّل حماقات الآخرين: استغل حماقاتهم لصالحك، وحولها إلى مادة لإبداعك.
تذكر أن الدماغ البشري هو جهاز اجتماعي بامتياز؛ فصقل مهاراتك الاجتماعية يصقل قدراتك الإبداعية والفكرية معًا. من يهمل الجانب الاجتماعي على حساب الفكري يعيق تقدمه نحو الإتقان، ويقيد مجموعة كاملة من قدراته الإبداعية.