إبراهيم زولي
أعرف علي فايع الألمعي صحفيًا من أبرز أصوات المشهد الثقافي السعودي، جريئًا في طرحه، متنورًا في نظرته، لا يخشى السؤال ولا يكتفي بما ألفته المجالس الثقافية. في كتابه «فتنة القراءة: أوجاع ومسرات»، الصادر هذا العام عن دار أدب للنشر والتوزيع، نلتقي وجهًا آخر لهذا الحضور: وجه القارئ الذي يقترب من الناس ليرى كيف دخلت الكتب حياتهم، وماذا منحتهم، وما الذي بذلوه في سبيلها. تعمل هنا حساسية الصحفي إلى جانب شغف المثقف؛ عين تلتقط التفصيل، وأذن تصغي إلى الشهادة، ووعي يدرك أن حكاية صغيرة قد تكشف شيئًا من زمن كامل.
يبدأ الكتاب بسؤال شخصي: لماذا انجذبت أنا إلى القراءة دون غيري ممن عاشوا حولي؟ ومنه يتتبع علي اللحظات التي يتغير فيها مسار إنسان بسبب كتاب. يعود إلى ما دوّنه أدباء ومثقفون عن بداياتهم، ثم يوسع الدائرة بسؤال وجّهه إلى عدد منهم وتلقى إجاباتهم. يمنح هذا الجمع الكتاب حيويته؛ فالشهادة التي كتبها صاحبها بعد سنوات تجاور جوابًا جاء استجابة لسؤال مباشر، وتتعدد الأصوات من غير أن تفقد الحكايات صلتها بالسؤال الأول.
عنوان «فتنة القراءة» جميل لأنه يذهب إلى ما يتجاوز منفعة الكتاب. الفتنة هنا قوة تستولي على الوقت والمال والخيال، وقد تضع صاحبها في خصومة مع ظروفه أو مع أقرب الناس إليه. أما «أوجاع ومسرات» فهي الميزان الذي تُقرأ به هذه السير: بهجة الاكتشاف إلى جوار الفقر والمنع والخوف والفقد. يعيد الكتاب، بهذا الاتساع، القراءة إلى موضعها داخل حياة البشر المتقلبة.
يستوقفني ما يقوله علي في مدخله عن صلة القراءة بالكتابة. فالكاتب يحمل في نصه آثار الكتب التي قرأها، وتظهر مكتبته بين سطوره وإن لم يسمها. بهذه الفكرة تصير الحكايات التي جمعها أبعد من ذكريات عن اقتناء الكتب؛ إنها تفتح بابًا لفهم الطريق الذي تسلكه القراءة حتى تصبح جزءًا من صوت الكاتب ورؤيته.
من أجمل ما يفعله المؤلف أنه يفسح مكانًا لبدايات شديدة الاختلاف. يعثر محمد آل زلفة طفلًا على قطعة من مجلة ملقاة على قارعة الطريق، فتترك صورها وأخبارها في نفسه شوقًا إلى معرفة ما وراءها. وفي تجربة عبد الفتاح أبو مدين، يقوده طريقه إلى الغداء بمحاذاة مكتبة؛ يشتري كتابًا بثلاثة ريالات من خمسة كانت في جيبه، ثم يمضي إلى وجبته البديلة: خبز وجبن و«شريكة» مطرزة بالسمسم. في المشهد الأول تفتح المصادفة باب القراءة، وفي الثاني نرى مقدار ما قد يدفعه قارئ كي يبقي ذلك الباب مفتوحًا.
ويتسع الكتاب لمن تأخرت بدايته أيضًا. يروي حجي جابر كيف سقط اسمه من كشوف الوافدين بعد وصول أسرته من إرتريا، فلم تكن لديه إقامة تتيح له الالتحاق بالمدرسة. تنقل مع أمه بين المدارس، وحتى مدرسة تحمل اسم بلال بن رباح لم تفتح له بابها. ثم صار روائيًا جاءت علاقته بالكتب متأخرة، كما يقول. وإلى جوار هذا الحرمان تحضر في الكتاب مكتبات أُحرقت أو فُقدت، وكتب أُخفيت خوفًا من التفتيش. هكذا نرى أن الطريق إلى القراءة تصنعه أيضًا ظروف البيت والمدرسة واللجوء والسلطة، وأن فرصة الوصول إلى كتاب لا تُمنح للجميع على السواء.
في «بذور وجذور» تظهر المدرسة حين تحسن فتح الباب. يستعيد عبد المحسن يوسف فضل معلمه الشاعر إبراهيم مفتاح، الذي كان يقرأ لتلاميذه قصة مترجمة، ثم يطلب من كل واحد أن يعيد روايتها بأسلوبه، شفاهة وكتابة. يكشف هذا التفصيل الفرق بين درس ينتهي عند إجابة محفوظة، ودرس يخرج منه الطفل بصوته الخاص.
ولا يتوقف علي عند سؤال البدايات. في «أشياء تحيط بالقارئ» يقترب من هيئة القراءة نفسها: الضوء، والسرير، والهامش، والوقت الذي يقتطعه الإنسان من يومه. نرى عبد الكريم الرازحي ينقل سريره من زقاق معتم إلى رصيف بجوار فرن مغلق، لأن عمود كهرباء هناك يتيح له أن يقرأ ليلًا. صورة كهذه تختصر، من غير خطابة، ما يفعله إنسان حين يضيق مكانه ولا تضيق رغبته. وهي تكشف دقة عين المؤلف في اختيار ما يروي؛ فالعلاقة بالكتاب تظهر أحيانًا في تفصيل يغيره القارئ من حياته اليومية.
وفي شهادة علي المقري وجه فكري أكثر تعقيدًا لهذا الشغف. كان يخفي الكتب التراثية عن بعض أصدقائه التقدميين خشية أن يعدوه رجعيًا، ويخفي بعض كتب الفكر الحر عن أقربائه المتدينين خشية اتهامه بالإلحاد. تكشف المفارقة حاجة القارئ إلى مساحة يقرأ فيها ما يشاء، من غير أن يُحاصر بأحكام جاهزة. وإيراد هذه الشهادة إلى جانب حكايات البيوت والمكتبات يمنح الكتاب بعدًا يتصل بحرية النظر، فضلًا عن الولع بالكتب.
لا يصنع علي من هذه التجارب صورة واحدة للقارئ. هناك من قاده إليه معلم، ومن عثر على بدايته في الطريق، ومن تأخر عنه باب المدرسة، ومن نقل سريره بحثًا عن الضوء. قيمة هذا التنوع أنه يجعل القراءة تجربة بشرية لها شروطها وحظوظها وعوائقها، ويمنح كل صاحب حكاية صوته وملامح عالمه.
في «مخرج» الكتاب ينتقل علي من حكايات الأفراد إلى سؤال المجتمع: ما نصيب البيت والمدرسة والإعلام من إيقاظ هذه الفتنة أو إخمادها؟ هنا يتجلى وعيه المتنور في التفاته إلى الفرص التي تهيئ القارئ، وإلى ما تضيفه الكتب إلى قدرته على السؤال والإصغاء. «فتنة القراءة» كتاب عن الذين صنعوا أنفسهم بصحبة الكتب، وعن المجتمع الذي قد يعينهم أو يصدهم. وبعد هذه الوجوه كلها، يبقى سؤال يرافقنا خارج صفحاته: كم قارئًا كان يمكن أن يبدأ لو وجد، في الوقت المناسب، كتابًا ويدًا تفتح له الباب؟