أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
تتسلل الشكوى إلى أحاديثنا بسهولة، حتى تكاد تصبح من أكثر الموضوعات قدرة على جمع الناس؛ فالإنسان يجد في الحديث عن متاعبه مادة جاهزة، ويجد لدى الآخرين ما يكملها ويزيد عليها، ثم تتسع الدائرة شيئاً فشيئاً، فيخرج المرء من بعض اللقاءات محملاً بهمومه وهموم غيره، وقد اكتسب فوق ذلك شعوراً عاماً بأن الحياة تسير على نحو يدعو إلى التبرم.
للشكوى أصل إنساني مفهوم؛ فالمرء يحتاج إلى البوح، ويخف عنه بعض ما يجد عندما يشاركه قريب أو صديق، غير أن تكرارها يصنع مع الوقت عادة في النظر والتعبير، فيصبح الإنسان أكثر استعداداً لرؤية ما يزعجه، وأكثر رغبةً في الحديث عنه، حتى تتكوّن لديه حساسية خاصة تجاه النقص والتقصير والمواقف اليومية المكدّرة، وتفقد الأشياء الجيدة قدرتها على لفت انتباهه بالقدر نفسه.
لذا تتجاوز المسألة حدود الكلام إلى طريقة في رؤية الحياة، فالكلمات التي نكرّرها تُعيد تشكيل نظرتنا إلى أيامنا؛ ومَن يكثر الحديث عن التعب يجد شواهده في كل مكان، ومَن يعتد التذمّر تتسع لديه قائمة ما يستحق التذمر، وربما عاش المرء يوماً جيداً في مجمله، ثم اختار منه موقفاً واحداً أزعجه، فأعاد روايته أكثر من مرة حتى استولى ذلك الموقف على صورة اليوم كله.
وأظن أن وسائل التواصل قد منحت هذه الثقافة مجالاً أوسع؛ إذ أصبح البوح أسرع، والتفاعل معه أكبر، فتصل الشكوى إلى جمهور مستعد للمشاركة بتجاربه المشابهة، ومع تتابع التعليقات يتضخّم الشعور بالمشكلة، ويتحوّل الانفعال الشخصي أحياناً إلى مزاج جماعي، وهنا تكتسب الشكوى جاذبيتها؛ لأنها تستدعي التفاعل بسرعة، وتمنح صاحبها شعوراً بأن كثيرين يعيشون ما يعيشه، ثم تدفع كل طرف إلى استحضار نصيبه من المتاعب.
ولعل أخطر ما تصنعه كثرة الشكوى أنها تستهلك قدرتنا على الاحتمال، فالنفس التي تمنح كُلَّ منغّصٍ مساحةً واسعةً من التفكير والحديث تصبح أكثر تأثّراً بالتفاصيل، ويثقل عليها ما كان يمكن تجاوزه، ومع الوقت تتضخّم الأشياء في الوعي، ويصبح يوم الإنسان مثقلاً بحوادث انتهت في واقعها، واستمرّت في داخله بسبب استعادتها والحديث عنها.
لهذا وذاك أرى أننا نحتاج إلى شيء من التهذيب الثقافي للشكوى؛ نعرف متى نتحدّث، ولمن نتحدّث، وما الذي يستحق أن نحمله معنا ساعاتٍ وأياما، كما نحتاج إلى تدريب العين على رؤية الصورة كاملة، وإعطاء الأشياء أحجامها الحقيقية، وترك بعض المنغّصات تمضي في طريقها، فالعمر والله أثمن من أن يتحوّل إلى سجلٍّ لما أزعجنا، والحياة أوسع من تلك الزاوية التي نقف فيها طويلاً نحصي ما ضايقنا فيها، وربما كانت خسارتنا الكبرى أن تمضي أيامٌ جميلة كثيرة، ثم تبقى ذاكرتنا مشغولةً بالأشياء القليلة التي أفسدت علينا شيئاً منها.