د.عبدالإله آل سودا
قبل قرابة شهر، انفجرت في الوسط الأدبي الفرنسي واقعة في النشر الأدبي الإبداعي تكاد تختصر المعضلة التي ستواجه البحث الأكاديمي في السنوات المقبلة. إذْ صَدَرَتْ رواية بعنوان: «إمّا هذا وإمّا الموت» للروائي الكندي الهايتي ثيليسون أوريليان، وقد حققت روايته حضورًا واسعًا، وفازت بجائزة «فناك» للرواية، ودخلت القائمة الأولى لجائزة «غونكور»، وبيعت حقوق ترجمتها إلى أكثر من عشرين لغة. ثم ظهرت اتهامات بأن النص ربما أُنتج، إلى حد كبير، باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب اتهامات أخرى بالسرقة الأدبية. وفي 25 سبتمبر أخرجت أكاديمية غونكور الرواية من قائمتها، معللة قرارها بالرغبة في حماية نزاهة الجائزة.
والقضية لم تكن بهذه البساطة، إذ حامتْ الشبهات حول هذه الرواية عبر استخدام كواشف للكتابة الآلية، وهي أدوات لا تعرف حقيقةً «من كتب النص»، وإنما تستدل من أنماط إحصائية ولغوية، فيما رفض أوريليان الاتهامات ودافع عن بعض السمات التي عُدّت آلية بوصفها متصلة بصوته الأدبي وخلفيته الهايتية والكاريبية. وهنا يبدو لي أن المسألة ليست محصورة في سؤال: هل كتب الذكاء الاصطناعي الرواية؟ بل امتدت إلى سؤال أشد تعقيدًا: كيف نثبت أصالة النص في عصر باتت فيه الحدود بين الأسلوب البشري والأسلوب المولّد أقل وضوحًا، وكيف نَفعل ذلك من غير أن تتحول شبهة الآلة إلى تهمة جاهزة لكل مُنْـجَـزٍ مكتوب بدا لقارئه أنه مِنْ صُنع الذكالي؟
وتلوح في الأفق أزمةُ ثقةٍ آخذةٌ في التشكل، وهي أزمةٌ ليست على صعيد الكتابة الإبداعية فحسب، بل تَـمُدُّ رُواقَها إلى الكتابات الأكاديمية والـمُـحَـكَّمَة، والكتابات التي تُـقَـيِّـمُ الأبحاثَ المُحَكَّـمَة!
وهنا أطرح سؤالاً: هل تكفي جودة رسالة الماجستير أو الدكتوراه للحُكم على مدى إنجاز صاحبها وجدارته؟ في زمنٍ أصبحت فيه الآلة قادرة على ترتيب الفصول، وتلخيص الدراسات، واقتراح الأسئلة، وتحسين اللغة، وكتابة الأكواد، والمساعدة في تحليل البيانات؛ فما الذي بقي من معنى للرسالة العلمية (الماجستير والدكتوراه) في وضع كهذا؟
والسؤال الأهم: هل انتهى عصر الرسائل العلمية أو الأبحاث المُـحَـكَّمَة؟
في رأيي أنه لم يَـنتـهِ، لكنه دخل منعطفًا يجعل كثيرًا مما اعتدنا اعتباره دليلًا على جودة الرسالة موضع مساءلة. فالملحوظ أن الذكالي زعزع العلاقة القديمة بين الجهد الذي يبذله الطالب والـمُنـجَز الذي يقدمه. وما كان يحتاج سابقًا إلى أيام من الكتابة والترتيب، صار يُنجز خلال ساعات أو أيام قليلة، إنجازًا شبه مُـتْـقَـن. فالذكالي متمكنٌ الآن من إنتاج أن إنجازٍ بحث علمي شبه رَصين، ولا يبقى للباحث إلا أن يتأكد من إحالاته، ويُصلح بعض هلوساته (AI hallucination) إذنْ؛ فما قيمة البحث العلمي إذا لم يكن نتاج تعبٍ ومعاناة، ذلك التعب وتلك المعاناة التي رأيناها في الجيل الأقدم من الباحثين، إذ كانوا يُرَابطون في المكتبات الكبرى بجذاذاتهم البحثية مدونين المعلومات، ومكابدين كتابةَ البحث، وتحليل بياناته.
ويَلوح في الأفق أن الذكالي سيضع البحوث العلمية أمام مرآة قاسية؛ إذ استحالت عناصرُ عديدة مثل كثرة صفحات البحث، وسلامة اللغة، وحسن التبويب، واتساع قائمة المراجع، وإعادة عرض الدراسات السابقة في عشرات الصفحات كلها، إلى استعراضٍ أقل قيمةً مما كانت عليه في عهد مضى. وإذا كان بحثٌ ما، لا يقوم إلا على هذه العناصر، فالذكالي اليوم، لا يسلبه قيمته فحسْب؛ بل يكشف أن قيمته كانت هشة منذ البداية. ولهذا ينبغي إدراك أنه من الخطأ جَـعْل جودة النص معيارًا وحيدًا يدل على جودة الباحث. وحين ندرك ذلك؛ فلن يُدرِكَـنَا الزمنُ الذي تنتهي فيه قيمة الرسائل العلمية والبحوث المحَكَّمَة.
وقد كان من المستقر في أذهان المجتمع العلمي أن الأطروحات الجيدة والرصينة، من المُرجّح أن صاحبها قرأ كثيرًا، وفكر كثيرًا، وكتب كثيرًا، ومر بمراحل طويلة من المحاولة والتصحيح. وهذا الأمر وإن لم يكن على إطلاقه؛ إلا أنه هو الغالب على عصر ما قبل الذكالي مما هو عليه اليوم. أما في العصر الحالي فيمكن أن تكون جودة البحث أعلى بكثير من قدرة صاحبها على إنتاجه أو الدفاع عنه. وهنا مكمن الداء ولُـبّ المشكلة؛ إذ تتسع المسافةُ بين جودة المُنجَز البحثي وجودة المَلَكَة البحثية التي يُفترض أن المُنجَز دليل عليها!
ويبدو أننا سنكون أمام طلبةٍ يقدمون بحوثًا علميةً فصيحة من حيث اللغة، وإحكام البناء، وثراء المراجع، ولكنهم يتعثرون حين يُسألون: لماذا اخترت هذا الموضوع؟ وما علاقة منهج البحث بالأهداف؟ أو يُطلبُ منهم تقديم عرضٍ ارتجالي طويل لرسائلهم العلمية. وقد يكون تعثرهم في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة ببحوثهم دليلاً على أن الذكالي هو الذي أنجز البحث لا الطلبة، وعندئذٍ ستكون المؤسسة العلمية مجانبةً للصواب حين تَـعُـدُّ الـمُنجزَ المكتوب في صيغته الأخيرة دليلًا كافيًا على تكوّن الباحث واكتمال أدواته.
ويبدو في الجهة المقابلة لهذه الأزمة، أزمةٌ أخرى لا تقل خطورة وهي ما يمكن تسميته بــ»هوس الارتياب». إذْ كلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي، قد يزداد ميل بعض المشرفين والمناقشين إلى الشك في كل نص جيد، وكل صياغة محكمة، وكل إحالة دقيقة. وقد عرفت البيئة الأكاديمية قبل عصر الذكاء الاصطناعي صورًا من هذا النوع من التشدد، كالخلاف الطويل حول أقواس التنصيص، أو حدود الاقتباس، أو موضع الإحالة في الحاشية الذي قد يتحول أحيانًا من مناقشة إجرائية إلى شبهة في أمانة الطالب. فكيف سيكون الحال حين تستطيع أداة واحدة أن تَدخُل إلى مكتبات رقمية ضخمة ومدونات تراثية وقواعد بيانات، وتستحضر النصوص وتقارنها وتعيد تركيبها؟
وهنا سيكون الطالب الجاد عالقًا بين خطرين: أن يفوض عمله فعلًا إلى الآلة، أو أن يُتهم بذلك لمجرد أن عمله جيد. وهذه نتيجة ينبغي أن نقاومها مبكرًا؛ أعني القول بأن البحث المتميز أكثر مما ينبغي هو من صُنع الذكالي وليس الطالب. إذ الجودة ليست دليلَ إدانة، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك.
ولأجل هذا؛ يَـجدُرُ بالجامعة أن تنتقل من محاولة كشف «بصمة الآلة» في الجملة إلى كشف شيء أعمق بكثير وهو الملكية المعرفية للعمل؛ فلا نسأل فقط: من كتب هذه الفقرة؟ وإنما نسأل: من يملك هذه الفكرة؟ ومن يستطيع إعادة بنائها؟ فإنتاج الرسالة شيء، وتَمكُّن الباحث من أدواته شيء آخر. وجَلِـيٌ أن الذكالي يمكنه أن يجعل المنجَزَ البحثي أفضل، لكن السؤال الذي ينبغي ألا نُغفله هو: هل أصبح الطالب نفسه باحثًا أفضل؟