د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
قال سيبويه «واعلم أنك إذا ثنَّيت الواحدَ لحقتْه زيادتان: الأولى منهما حرف المد واللّين وهو حرف الإعراب... وتكون الزيادة الثانية نونًا كأنها عوضٌ لما منع من الحركة والتنوين، وهي النون وحركتها الكسر، وذلك قولك: هما الرجلانِ، ورأيت الرجلَينِ، ومررت بالرجلَيْن»(1).
واختلف الناس من بعده في تفسير قوله، فالسيرافي(368ه) شارح الكتاب يفهم أن النون عوض عن الحركة والتنوين؛ ولذلك يدلل على ذلك، جاء في الشرح «قال أبو سعيد: إن سأل سائل فقال ما الدليل على أن النون عوض من الحركة والتنوين؟ قيل له: الدليل على ذلك أنا رأينا الاسم المنفرد فيه حركة، وتنوين بحق التمكن والاسمية، فلما ضم إليه غيره وثني معه، زيد عليه حرف لمعنى التثنية، فامتنع ما قبل حرف التثنية من الإعراب والتنوين وألزم حركة واحدة، ولم تُزِلِ التثنية عنه ما كان له من الاسمية والتمكن، فعوض النون من الحركة والتنوين؛ لأن المعنى الذي أوجبها لم تزله التثنية»(2).
وقد يفهم من قول سيبويه، إن الزيادة الأولى في المثنى حرف إعراب، لكونها ذات حركة مقدرة عليها كما تقدر على أحرف الإعراب إن منع مانع من ظهورها؛ ولكن هذا يعاند القول بأن النون عوض عن الحركة والتنوين، وهذا ما يجيب الفارسي(377ه) عنه، «قال أبو علي: إن قال قائل: كيف قال: إن النون تكون عِوَضًا من الحركة والتنوين، وقد قلتم إن الألف عنده حرف إعراب وإن فيه إعرابًا فكيف لزم أن يكون عوضًا وفيه الشيء الْمُعَوَّض منه؟ قيل له: لا يمتنع على مذهبه عندنا ذلك؛ وذلك أن الإعراب لما كان تزاد له حركة في غير هذا الموضع ولم تُزَد له هنا، بل صار ذلك في انقلاب نفس الحرف لَزِمَ أن يكون منه عِوَض للنقصان اللاحق له عما عليه الْمُعْرَبات. ألا ترى أنه قد نقَصَ من اللفظ حركة كانت تجب للإعراب، ولم يستنكر أن يُعوّض من هذا الناقص الذي هو الحركة وهو العِوَضُ إنما هو من الحركة لا من الإعراب، ألا تراه قال: كأنّه عَوَّض من الحركة والتنوين ولم يقل: عَوَّض من الإعراب والتنوين فهذا على قوله صحيح»(3).
وأوضح ابن جني قول سيبويه فقال «واعلم أن سيبويه يرى أن الألف في التثنية كما أنه ليس في لفظها إعراب، فكذلك لا تقدير إعراب فيها كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب؛ ألا ترى أنك إذا قلت: هذا فتى، ففي الألف عندك تقدير ضمة، وإذا قلت: رأيت فتى، ففي الألف تقدير فتحة، وإذا قلت: مررت بفتى، ففي الألف تقدير كسرة، وهو لا يرى أنك إذا قلت: هذان رجلان أن في الألف تقدير ضمة، ولا إذا قلت: مررت بالزيدين، وضربت الزيدين أن في الياء تقدير كسرة ولا فتحة، ويدل على أن ذلك مذهبه قوله: (ودخلت النون كأنها عوض لما منع من الحركة والتنوين)، فلو كانت في الألف عنده نيّة حركة لما عوّض منها النون كما لا يعوض منها، في قولك: هذه حبلى ولا رأيت حبلى ومررت بحبلى، النون»(4). وينقل لنا عن شيخه الفارسي دليلًا على صحة قول سيبويه السابق، قال «قَالَ أَبُو عَليّ: وَيدل على صِحَة مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ من أَنه لَيْسَ فِي حرف الْإِعْرَاب من التَّثْنِيَة تَقْدِير حَرَكَة فِي الْمَعْنى كَمَا أَن ذَلِك لَيْسَ مَوْجُودًا فِيهَا فِي اللَّفْظ صِحَة الْيَاء فِي الْجَرّ وَالنّصب فِي نَحْو: مَرَرْت برجلَيْن وَضربت رجلَيْنِ. أَلا ترى أَن الْيَاء إِذا انْفَتح مَا قبلهَا وَكَانَت فِي تَقْدِير حَرَكَة وَجب أَن تقلب ألفًا. وَهَذَا اسْتِدْلَال من أبي عَليّ أَتَى على قِيَاس، وَهُوَ فِي نِهَايَة الْحسن وَصِحَّة الْمَذْهَب وسداد الطَّرِيقَة»(5).
وتابع كثير من النحويين سيبويه ورددوا قوله كالمبرد في المقتضب(6)، والسيرافي، والفارسي في الإيضاح(7)، وابن جني، والزمخشري(8) وابن الناظم(9)، غير أنّ من النحويين من فهم قوله على نحو آخر، فالأعلم الشنتمري(476ه) يقول «فإن قال قائل: هل في هذه الحروف حركة في النيّة، فالجواب أنّ فيها حركةً مقدرةً، وإنْ لم ينطق بها استثقالًا لها كما تكون في (عصًا) و(قفًا) حركة منوية، من قبَل أن هذه الحروف لَمّا دلت على تمام معنى الكلمة في ذاتها وأشبهن ألف (حبلى) و(قفًا) جَرين مجراها في نيّة الحركة إذْ لا موجب للبناء»(10). وأما ابن عصفور فاستعرض أقوال النحويين في النون، وجعل منها ما جاء في قوله «ومنهم من ذهب إلى أنَّ هذه النون زيدت ليظهر فيها حكم الحركة والتنوين اللذين كانا في المفرد، وليست بعوض، وهو الصحيح وإليه ذهب سيبويه»(11). وتابعه في ذلك أبوحيان(12)، ثم قال «ومن الناس من حمل كلامه على أنها عوض منهما»(13). واستعرض ابن عصفور أقوال النحويين في إعراب المثنى ولم يقبل منها سوى قول الجرمي(225ه)، قال «وَإِذَا بَطَلَ جَمِيعُ هَذِهِ الْوُجُوهِ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُمَر الْجَرْمِيُّ: مِنَ أَنَّ الْأَلِفَ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْوَاوَ فِي الْجَمْعِ الَّذِي عَلَى حَدِّهَا حَرْفا إِعْرَابِ، وَأَنَّ انْقِلَابَهُمَا فِي النَّصْبِ وَالْخَفْضِ يَاءً إِعْرَابٌ؛ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ الْأَلِفِ وَالْوَاوِ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ قَبْلَ دُخُولِ عَوَامِلِ الرَّفْعِ عَلَيْهِمَا، وَانْقِلَابِهِمَا يَاءً بَعْدَ دُخُولِ عَامِلِ النَّصْبِ وَالْخَفْضِ، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ عِنْدِي»(14). وسبق أن ألمح إلى ذلك الفارسي في النص الذي اقتبس سابقًا.
وهكذا رأينا أنه نسبت ثلاثة أقوال في إعراب المثنى إلى سيبويه، ومع ذلك توقف ابن مالك في كل أقوال النحويين، وذهب إلى ما ذكره المبرد ولم ينسبه إلى أحد(15)، قال «وليس الإعراب انقلاب الألف والواو ياءً ولا مقدرًا في الثلاثة ولا مدلولًا بها عليه مقدرًا في متلوها ولا النون عوضًا من حركة الواحد ولا من تنوينه ولا منهما. ولا من تنوينين فصاعدًا. خلافًا لزاعمي ذلك. بل الأحرف الثلاثة إعراب»(16)، قال ابن عقيل «وهذا مذهب الكوفيين وقطرب، ونسب إلى الزجاج وطائفة من المتأخرين»(17). وابن عقيل يخالف ابن مالك، قال «وحاصل ما ذكره أن المثنى وما ألحق به يرفع بالألف وينصب ويجر بالياء، وهذا هو المشهور، والصحيح أن الإعراب في المثنى والملحق به بحركة مقدرة على الألف رفعًا والياء نصبًا وجرًّا»(18).
ومهما يكن من أمر فإن أقوال النحويين المختلفة في هذه المسألة ليست بشافية في تقديري، ولعل الصواب الدخول بمدخل صوتي له أصوله في أقوال لم تأخذ حظها من التحرير، منها قول الفراء عن النون، قال أبوحيان «وذهب الفراء إلى أنها نفس التنوين، لا نون غيرها»(19)، وقول السيرافي «والتنوين نون ساكنة»(20)، وما ألمح إليه الأعلم من علاقة بين علامات المفرد، وهي ثلاث الحركات، والحروف، قال «وجعلوا العلامة الدالّة على ذلك حروفًا؛ إذ كانت الحركات قد استوعبها الواحد، وجعلوا تلك الحروف هي المأخوذة منها الحركات وهي حروف المد واللين»(21). والصواب أن المدود مأخوذة من الحركات.
يمكن القول إن المثنى وجمع المذكر السالم هما امتداد للواحد؛ فنهايات المثنى والجمع متولدة من حركات الواحد، فهي مطل للحركات القصيرة؛ ولذا تكوّنَ مقطع طويل مقفل آخر اللفظ، وهذا ثقيل، فحركت النون بحركة قصيرة لتكوين مقطع جديد ليصير المقطع السابق مفتوحًا، وقال ابن جني «وحركة نون التَّثْنِيَة كسرة وحركة نون الْجمع الَّذِي على حد التَّثْنِيَة فَتْحة وكلتاهما متحركة بالتقاء الساكنين»(22)، وصار الجمع في حالة الرفع على هذا النحو:
ع ـَــ م ر ـُــ ن ) ع ـَــ م ر ـُــ ـُــ ن) ع ـَــ م ر ـُــ ـُــ ن ـَــ =عَمْرونَ )عمْ/رو/نَ
أما في حالة الجر فعلى هذا النحو:
ع ـَــ م ر ـِ ن ) ع ـَــ م ر ـِ ـِ ن) ع ـَــ م ر ـِ ـِ ن ـَــ =عَمْرينَ
وجعلت هذه الصورة مشتركة للمجرور والمنصوب، وأما الفتحة فجعلت علامة للمثنى:
ع ـَــ م ر ـَــ ن ) ع ـَــ م ر ـَــ ـَــ ن) ع ـَــ م ر ـَــ ـَــ ن ـِــ =عَمْرانِ
فألف المثنى هي مطل لفتحة الواحد، ولعل هذا ما عناه ابن رشد في قوله «نحو: الزيدان والعمران، وهذه الألف ليست في الحقيقة ألفًا، وإنما هي مدة نشأت عن إشباع ما قبلها من الحركات، فحصلت صورتها في الخطّ صورة ألف منطوق بها»(23)، وللمدود في المثنى والجمع وظيفتان الدلالة على المثنى أو الجمع والدلالة على حركة الإعراب، ويلاحظ أن النون من المثنى حركت بالكسرة تجنبًا للتماثل بين الحركتين الفتحة الطويلة وفتحة النون فصير إلى الكسر، ويؤيد هذا أنَّ الكسر ملتزم مع الألف، قال أبوحيان «وأجاز الكسائي والفراء فتح نون المثنى في حالة النصب والخفض. ونصّا على أنَّ ذلك لا يجوز مع الألف»(24)، وهذا نجده في الفعل (يذهبانِ) وفي ما جمع بألف وتاء (مسلماتٍ). وأما نون الجمع فمفتوحة، لأن الفتح أخف كما استعمل في مثل: لم يردَّ، ورُدَّ.
وأما في حالتي الجر والنصب فقد أقحمت ياء بعد الفتحة الطويلة فتكوّن مقطع طويل مقفل فقصر بتحويل الفتحة الطويلة إلى قصيرة، هكذا:
ع ـَــ م ر ـَــ ن ) ع ـَــ م ر ـَــ ـَــ ن) ع ـَــ م ر ـَــ ـَــ ي ن ـِــ ) ع ـَــ م ر ـَــ ي ن ـِــ =عَمْرَينِ
**__**__**__**__**__**
(1) الكتاب لسيبويه، 1/ 17-18.
(2) شرح كتاب سيبويه للسيرافي، 1/ 137.
(3) التعليقة على كتاب سيبويه للفارسي، 1/ 34-35.
(4) سر صناعة الإعراب، 2/ 341. وانظر: علل التثنية لابن جني، ص: 58-60.
(5) علل التثنية لابن جني، ص: 58-60.
(6) المقتضب للمبرد، 1/5.
(7) الإيضاح العضدي للفارسي، ص: 22.
(8) المفصل في صنعة الإعراب للزمخشري، ص: 229.
(9) شرح ابن الناظم على ألفية ابن مالك، ص: 25.
(10) الأعلم الشنتمري، النكت في تفسير كتاب سيبويه، 1: 1 21.
(11) شرح جمل الزجاجي لابن عصفور تحقيق يعقوب، 1/90.
(12) التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل لأبي حيان، 1/ 301.
(13) التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل لأبي حيان، 1/ 301-302.
(14) شرح المقرب لابن عصفور،(رسالة دكتوراه) تحقيق: الهويج، ص 222.
(15) المقتضب للمبرد، 2/154.
(16) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك، ص: 13.
(17) المساعد على تسهيل الفوائد لابن عقيل، 1/ 48.
(18) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، 1/ 58.
(19) ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسي، 2/ 570.
(20) شرح كتاب سيبويه للسيرافي، 1/ 214.
(21) الأعلم الشنتمري، النكت في تفسير كتاب سيبويه، 1: 118.
(22) علل التثنية لابن جني، ص: 85.
(23) الضروري في صناعة النحو لأبي الوليد بن رشد، تحقيق: منصور علي عبدالسميع، ط1، دار الفكر العربي، القاهرة، 2002م ص31.
(24) التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل لأبي حيان الأندلسي، 1/ 238.