أحمد بن عبدالرحمن السبيهين
ربطتْ صداقةٌ طويلة منذ الصبا بين الدكتور غازي القصيبي والشاعر البحريني عبدالرحمن رفيع، رحمهما الله؛ فقد كانا طالبين في المدرسة «السعيدية» الثانوية في البحرين. وتوطّدت بينهما عُرى الصداقة، ولم يكن عاملها المشترك قدومهما معًا لدراسة الحقوق في جامعة القاهرة في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي فحسب، وإنما شغفهما أيضًا بالأدب والشعر وكتابة القصص القصيرة.
كان الصديقان يقضيان أوقات فراغهما في مقهى كلية الآداب؛ لأن الأجواء هناك كانت أكثر إلهامًا لتجاربهما الشعرية، وكانا يكتبان القصائد الرومانسية والساخرة.
ويُجمع كثيرون على أن عبدالرحمن رفيع هو شخصية «عبدالرؤوف» في رواية «شقة الحرية» التي كتبها القصيبي، ويستشهدون بما ورد في الرواية عن إعجاب رئيس تحرير مجلة «نادي القصة» بالمجموعة القصصية التي كتبها الصديقان، وتطوّعه بتقديمهما إلى كلٍّ من طه حسين وعباس محمود العقاد ونجيب محفوظ!
وقد كانت للصديقين مداعباتٌ شعرية إخوانية يغلب عليها المرح والطرافة؛ نُشر بعضها، وبقي أغلبها أسرارًا بين الأصدقاء، من باب ما اصطلح الأدباء على تسميته «من المضنون به على غير أهله»!
ومن تلك الأبيات ما قيل حين كانت للقصيبي، في زمنٍ ما، لحيةٌ قصيرة. وعندما سأله صديقه عنها ردّ قائلًا:
لا بُدّ للشّاعرِ من لحيةٍ
تُنبئ في الخمسين عن عُمرهِ
تُعلن للنّاس ذهاب الهوى
وحُلوهُ أكثر من مُرّهِ
عُذرُ الهوى كان جُنون الصّبا
فأطبقَ الشّيب على عُذرهِ
الشَّيب للشّيب فما بالهُ
في شَعرهِ دبَّ وفي شِعرهِ
وكان أن حلق القصيبي تلك اللحية بعد فترة قصيرة، فقال رفيع يرثيها:
ما رأينا قبل هذا لحيةً عاشت قليلا
مثلما لحية غازي، لم تدُم عُمراً طويلا
وُلِدتْ ذات صباحٍ واختفتْ عنّا أصيلا
لحيةٌ ويح اللّيالي لم ترَ العيش الجميلا
ما سعى مِشطٌ أنيقٌ في ثناياها مُجيلا
لا ولا شمّتْ بُخوراً وارتوتْ عِطراً أصيلا
لو على اللّحيةِ يُبكى لبكيناها عويلا
قُتِلتْ من غير ذَنْبٍ.. رحم الله القتيلا!
وكتب القصيبي قصيدة «فهد»، وهي مُهداة إلى أكبر أحفاده، قال فيها:
أقولُ لفهدٍ حين طالعني فهدُ
أتجعلني جَدّاً فدى لكَ الجّدُّ
أتجعلني جَدّاً وكُنتُ أنا الفتى
تُجَنُّ به ليلى وتعشقهُ دعدُ
أتجعلني جَدّاً وكانت قصائدي
ورودَ خُدودٍ يشتهي لونها الوردُ
يا مرحباً يا فهدُ بالقادم الذي
أطلّ على الدُّنيا كما يُشرِقُ الوعدُ
فبعث إليه صديقه رفيع بأبياتٍ قال فيها:
سوف تبقى ذلك الشّبلُ وإن أصبحتَ جَدّا
ساحرُ الشّعرِ الذي ينثرُ أزهاراً ووردا
والمليحاتُ على العهدِ وإن أظهرنَ صَدّا
لم تزلْ تمتلكُ الحقلَ، وتُحيلُ القولَ شهدا
فتُصيرُ النّارَ برداً، ويعودُ الثّلجَ وقدا
إنّك المُبدعُ لا ينفدُ طول العُمرِ نِدّا
فهنيئاً لك (فهدٌ) وغداً يُهديك (فهدا)