أ.د.عبد الله بن سليم الرشيد
في مطلع رمضان المنصرم (1447) أُعلنَ عن اسم شارع في سوق الزلّ بالرياض، وهي سوقٌ عتيقة متصلة في أذهان الناس بالرياض القديمة، وعبَقِ تاريخها، كان الاسمُ المفترَعُ غريبَ الوجه واللسان (الزلّ ستريت فود)، فانداحت تعليقات الناس عليه، إنكارًا له واستهانةً به، وعجَبًا ممن اقترحه ورضي به!
وكشفت تلك التعاليق والنقاش المتواتر أمورًا مهمة، أجلاها أن الشعورَ بالهُويّة عالٍ عند الناس، وأن انتماءَهم اللغوي ظاهرٌ، ومعرفتَهم بما يليقُ وما لا يليقُ في التعامل اللغوي جليّة. وذلك بلا ريبٍ مظهرُ فخر لأبناء هذه البلاد، إذْ هم حملَة اللغة وحُماتُها الموقنون بأنها منهم وهم منها.
وكشف السِّجالُ أيضًا عن أن في الجهات الحكومية والخاصة وفي طوائف من المتلقين خللًا في استعمالِ اللغة هُويّةً وانتماءً ووجودًا وتاريخًا، وهو خلل بليغ يؤكّد أنه لا بدّ من برامج مكثّفة تعيد الأمورَ إلى نصابها، وتحمي الهويّة، وتردع المتهاونين بها، والمستهينين بشأنها.
وهذه الظاهرة الموجعة ليست في بلادنا السعودية فحسب، بل هي في كل البلاد العربية ولا أستثني، وكأنما تُسابق كلُّ دولة إلى حوزِ قصبِ التقهقر -إن كان له قصب- وهي أوجع ما تكون في دول الخليج التي أضحى كثير من شوارعها ومدارسها وجامعاتها وإعلامها مرتعًا للإساءة إلى ركن الهويّة الركين وسبيلًا إلى هدمه، وأشدُّ الوجع وأضناه أن تستفحلَ في قلب الجزيرة ومهد العربية ومنبع الفصحى.
لقد نُحِّيت العربية في كثير من المؤسسات واستُبدل بها لسان قومٍ آخرين، حتى باتت بعض الجهات تقيم الندوات والمؤتمرات والمحاضرات باللغة الإنجليزية، وإن كان كلّ الحضور عربًا! وهذا من أعجب ما رآه الناس واستنكروه، وصارت الإنجليزية تُختار لأسماء الأحياء والمناشط التجارية، حتى إنك ترى بعضها يهمل العربية إهمالًا كاملًا حتى في قائمة الطعام مثلًا وفي المنشورات التعريفية واللوحات الإرشادية في داخل المحلّ وعلى واجهته! وكشفت منشوراتٌ في وسائل التواصل أن الأسماء الأجنبية للأسواق والمراكز التجارية هي الطاغية! وكلّ ذلك يقع بمرأى من مؤسسات ذات علاقة بحماية اللغة أو في قوانينها منعُ تلك المظاهر!
وزادت المدارسُ المسمّاةُ (العالمية) الشقَّ اتساعًا، إذْ بات الطلاب الصغار في أكثرها مستعجمين حقيقة لا مجازًا، حتى إن أحد من درّسَ فيها يذكر أن الطلاب يجيبون عن أسئلة المقررات العربية -على قلّتها- بالإنجليزية! وهذا نذيرُ خطر، أن يخرجَ جيلٌ يديرُ ظهره لهُويته وقيَمه وثقافته ووطنه!
ومما ينبني على ما وقع الإشارةُ إلى نقاطٍ مهمة في موضوع الحفاظ على اللغة العربية في مهدها:
فمن ذلك أن القرار الحكيم لمجلس الوزراء الموقّر قبل أشهر، القاضي باعتماد «السياسة الوطنية للغة العربية»؛ لتعزيز مكانتها لغةً رسميةً، ملزِمةً الجهاتِ الحكوميةَ والخاصةَ استخدامَها في العقود والوثائق وفي التعليم والإعلام، مع ضرورة نشرها وحمايتها، وذلك لترسيخ الهوية الوطنية ضمن رؤية 2030 أن هذا القرارَ يحتاجُ إلى برامج مساندة لإنفاذه والعمل به، ومتابعته، وإحداثِ العقوبات على من يخالفه.
ولو سُعي في إطلاق حملة وطنية ترعاها الحكومة شعارها (لغتُنا هُويّتُنا) لكان لها أثر حميدٌ في التنبيه والحثّ على إظهار الهوية والانتماء والتحذير من التفريط بها. ويمكن أن تشارك وزارتا الإعلام والثقافة ومجمع الملك سلمان للغة العربية في هذه الحملة، وتؤازرها المؤسسات الخِدْمية كوزارتَي التجارة والسياحة وأمانات المناطق وغيرها.
وسعيًا إلى إنفاذ ذلك القرار الموفّق يحسُن أن تُحدَثَ وظيفة (مراقب لغوي) في كل مؤسسة عامة وخاصة، تكون مهمته الرقابة اللغوية ومنع الاستعجام، واقتراح البدائل العربية. وهذه الوظيفة تؤازر الوظيفة السابقة المجمّدة (المدقق اللغوي) التي ينبغي إذابة جليدها بتجديدها وظائفَ للمختصين بالعربية؛ ليؤدوا واجبهم في حماية اللغة والنِّفاح عنها، وإنزالها منازلها اللائقة بها، وهي في مهدها ومنبعها.
وحتى تنجح هذه الوظيفة يجمُلُ بأقسام اللغة العربية في الجامعات أن تضيف إلى برامجها التعليمية مقررات عملية، كأن يكون منها مقرر باسم (الهُوية اللغوية) تشمل مفرداتُه مفهوم الهوية وأهميتها، والمخاطر والتحديات التي تواجه اللغة، وسبُلَ معالجتها ومواجهتها، وتُلحق به أهم الألفاظ والتراكيب الشائعة المستعجِمة وبدائلها العربية الفصيحة. ومن الحسَنِ أن تحرص تلك الأقسامُ على تخريج المتمكنين الوُعاة ذوي الحماسة، لا أن تخرّج حملة (شهادات الزور).
إن ما وقع في (معركة سوق الزل) يصدق على مظاهر أخرى مشابهة ينبغي أن تتوجّه الهمم إلى إنكارها وفرض الهوية العربية فيها، وحسنٌ كلَّ الحُسْن أن تسرد الألفاظ والتراكيب المدابرة للعربية مثل (بلازا وهاوس وقاليري ومول وكافيه) فيُلزَمَ التجارُ إبدالَ الألفاظ والتراكيب العربية بها. ومن الحسنِ كلَّ الحُسْن أن تُلزَمَ الشركات والمؤسسات أن تكون أسماؤها بالعربية، ولها أن تكتب ترجمتها بغيرها بخط أصغر.
ومن الضرورة بموضع عالٍ أن يعاد النظرُ في مقررات اللغة ولا سيما في المراحل الأولية، فتقوّى وتفرّع ويختار لها كل قويّ أمين، وأن يكون اجتيازها مرهونًا باختبار أسوة بغيرها. وهذه مهمة فرّطت بها وزارة التعليم تفريطًا ظاهرًا، فقد أصبح الطالب يُنهي المرحلة الثانوية وهو لا يستطيع التحدث بلغته، ولا يستطيع أن يكتب جملة صحيحة! وهذا نذيرُ فسادٍ أكبر إن لم تُتدارك الأجيال بمقررات تربطها بهويتها وتُشعرها بأهمية معرفة اللغة الأم.
ولو أعيدت مقررات العربية في المرحلة الابتدائية سيرتَها الأولى، لخرّجنا أجيالًا تعرف لغتها وتعتزُّ بها، وتحسن كتابتها والقراءة بها والتحدث، ولا سيما إذا ارتبط ذلك كلُّه بالهُوية الإسلامية والانتماء الوطني.
ومما يتمسك به المستكينون للاستعجام الزعمُ بأن السائح الأجنبي لا يعرف العربية! وأن الإنجليزية لغة عالمية، فأما الأول فبادٍ فسادُه؛ إذ الأصل أن يخضع السائح لأهل البلاد ولغتهم، لا أن يخضعوا هم له، على أن السائح يطلب ما لا يراه في بلاده، فإذا كان لن يرى سوى الإنجليزية منذ أن تطأ قدمُه المطار فلسان حاله: هذا بلد لا هوية له! ولا يعني الحفاظُ على اللغة الأم أن نترك استعمال الإنجليزية ولكن في حدود المعقول، وعند الحاجة البالغة.
وأما عالمية الإنجليزية فلها مواضعها، والحماسة للعربية والحفاظ عليها لا يعني الغفلة عن تعلم اللغات الأجنبية المهمة، على أن تكون وسيلة لا غاية، والواقع اليوم يقول: إنها صارت غاية عند كثيرين!
تعقيب: شرعتُ أكتبُ هذه المقالة بعد ذلك النقاش المستفيض، وفرغتُ من صياغتها الأولى، ثم دهَمني مرض أقعدني عن لقاء الناس والعمل والقراءة نحو أربعة أشهر، فلذلك تأخر نشرها، وإن كانت تفصيلاتُ موضوعها غيرَ مقيّدٍة بحادثة.