باسم سلامة القليطي
في الماضي كان الطالب يسأل معلمه لأنه لا يملك الإجابة، واليوم قد يسأل الذكاء الاصطناعي لأنه يملك ألف إجابة. لكن السؤال الأصعب لم يتغيّر: أي إجابة تستحق أن تُؤخذ؟
هنا تبدأ حكاية المعلم المواكب.
العالم الذي يدخل إليه المعلم اليوم ليس هو العالم الذي عرفه قبل سنوات. الطالب يحمل في يده جهازاً يفتح له أبواباً واسعة من المعرفة، والمعلومة لم تعد تنتظر في كتاب أو مكتبة، والتقنية تتقدَّم بسرعة تجعل ما كان جديداً بالأمس عادياً اليوم. وفي قلب هذا التحول يقف المعلم أمام مهمة مختلفة؛ لم يعد مطلوباً منه أن يكون الخزانة الوحيدة للمعلومات، بل أن يساعد الطالب في التعامل مع وفرة المعلومات نفسها.
فالمشكلة اليوم ليست أن نجد إجابة، وإنما أن نعرف إن كانت صحيحة، وهل تناسب السؤال، وما الذي يمكن أن نبني عليها. وهنا ينتقل المعلم من ناقل للمعلومة إلى صانع للفهم.
فالطالب قد يجد المعلومة في ثوانٍ، لكنه يحتاج إلى من يعلمه كيف يفكر فيها، وكيف يسأل عنها، وكيف يربط بينها وبين غيرها، وكيف يميز بين ما يلمع وما ينفع. وقد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يشرح له المسألة بأكثر من طريقة، لكن المعلم يستطيع أن يلاحظ أن الطالب لم يفهمها أصلاً، وأن المشكلة ليست في المسألة وإنما في ثقته بنفسه.
ولهذا، فالمعلم المواكب ليس الذي يركض خلف كل تقنية جديدة، ولا الذي يجعل التقنية هدفاً في ذاتها. هو يعرف متى يستخدمها ومتى يستغني عنها. ويفهم أن الشاشة قد تكون نافذة رائعة، لكنها ليست دائماً أفضل من الكتاب، وأن التطبيق قد يسهل التعلّم، لكن الحوار قد يفتح عقلاً، وأن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى جهاز بقدر ما تحتاج إلى إنسان يصغي إلى صاحبها.
ثم هناك شيء آخر لا تستطيع التقنية أن تمنحه بالمعنى الإنساني نفسه: الأثر.
قد ينسى الطالب شرحاً طويلاً، وتفاصيل درس، وربما درجة حصل عليها في اختبار. لكنه قد يتذكر معلماً قال له في لحظة تردد: «أنت تستطيع». وقد يتذكر معلماً لم يسخر من خطئه، أو آخر اكتشف فيه موهبة لم يكن يعرفها. بعض المعلمين لا يتركون في الذاكرة معلومات كثيرة، وإنما يتركون فيها صورة جديدة عن الإنسان الذي كان الطالب قادراً على أن يكونه.
ومن هنا تتجاوز رسالة المعلم حدود الكتاب والفصل. فالمعلم يشارك في تشكيل وعي الطالب بما يدور حوله، وبما يحيط بوطنه. وفي زمن تنتشر فيه الأخبار بسرعة، وتختلط الحقائق بالآراء، وتسبق الشائعة أحياناً عملية التحقق منها، يصبح تعليم الطالب كيف يفكر قبل أن يصدق، وكيف يتثبت قبل أن ينقل، جزءاً من التعليم نفسه.
والمعلم المواكب يغرس في طلابه أن الوطنية ليست عبارة تُردد في مناسبة، وإنما مسؤولية تظهر في السلوك: في احترام الأنظمة، والمحافظة على المكتسبات، والحرص على المصلحة العامة، والوعي بما يقال وينشر. إنه لا يلقنهم موقفاً من خبر عابر، بل يمنحهم أدوات التعامل مع الأخبار والشائعات والتحديات بعقل متزن، يعرف أن حب الوطن لا يحتاج إلى إلغاء التفكير، وإنما إلى وعي يحميه.
ومع كل هذا التغيّر، يبقى جوهر المعلم ثابتاً.
قد تتغيّر السبورة، ويتحول الكتاب إلى منصة، ويصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من أدوات التعلم، لكن المعلم لا يفقد قيمته لأن أدواته تغيَّرت. على العكس؛ كلما اتسعت المعرفة، ازدادت الحاجة إلى من يمنحها سياقاً، وكلما كثرت الإجابات، ازدادت الحاجة إلى من يعلمنا كيف نصوغ السؤال الصحيح.
التقنية تستطيع أن تجيب، لكن المعلم يستطيع أن يسأل السؤال الذي يستحق أن يُطرح. ولهذا فإن المعلم المواكب ليس معلماً ترك ماضيه خلفه، ولا معلماً يعيش أسير المستقبل؛ إنه معلم يعرف كيف يحمل خبرته إلى المستقبل، ويغيِّر أدواته دون أن يفرّط في رسالته.
وفي يوم المعلم، ربما لا يكون أجمل ما نقوله إن المعلم أهم من التقنية؛ فالمسألة ليست منافسة بينهما. الأجمل أن نقول إن التقنية مهما اتسعت، ستظل بحاجة إلى إنسان يعرف كيف يستخدمها، ولماذا يستخدمها، وإلى أين يريد أن يصل بها.
وفي سماء التعليم اليوم كواكب كثيرة؛ كتب ومنصات وشاشات ومحركات بحث وذكاء اصطناعي ومصادر لا تنتهي. وبين هذه الكواكب كلها، يبقى المعلم المواكب كالنجم بين الكواكب؛ لا لأنه الوحيد الذي يملك الضوء، بل لأنه يساعد الآخرين على رؤية الطريق.