د.شريف بن محمد الأتربي
ماذا يمكن أن تتعلم وزارة التعليم من الشركات التعليمية، وماذا يمكن أن تتعلم الشركات من الوزارة؟
قضيت جل عمري في التعليم ولازلت أعمل فيه بكل شغف وحب، فهو المجال الذي يحدث أثرا في المجتمع وفي حياة المعلم أيضا، فيكفيه فخرا أن يرى طلابه من حوله وقد توسدوا سدرة المناصب في الدولة، وأصبحوا أعمدتها التي تقوم عليهم. وخلال هذه الفترة الطويلة تنقلت ما بين القطاع الحكومي والأهلي في التعليم، وفي كليهما الخير بإذن الله، ولا أعرف لماذا يصر البعض على وضعهما موضع المقارنة رغم الصعوبة، بل واستحالة المقارنة بينهما في المعطيات مختلفة كليا بين الطرفين، ويمكن أن نشبهما بطرفي المعادلة الصحيحة لنجاح التعليم وتحقيق أهداف الدولة فيه.
فعندما نتحدث عن التعليم في المملكة، غالبًا ما نضع وزارة التعليم في جانب، والمدارس والشركات التعليمية في جانب آخر، وكأننا أمام نموذجين متنافسين ينبغي أن ينتصر أحدهما على الآخر.
لكنني أعتقد أن السؤال الأكثر أهمية ليس: من الأفضل.. الوزارة أم الشركات؟ وإنما:
ماذا يقدم كل نموذج؟ وماذا يمكن أن يتعلم أحدهما من الآخر؟
فالوزارة لا يمكن مقارنتها بشركة تعليمية مقارنة مباشرة؛ فلكل منهما طبيعة مختلفة، وأهداف ومسؤوليات وقيود مختلفة.
الوزارة مسؤولة عن نظام تعليمي وطني واسع، وعن إتاحة التعليم وتحقيق العدالة وتطبيق السياسات العامة وضمان الالتزام بالأنظمة والمعايير.
أما الشركة التعليمية فتعمل في بيئة مختلفة؛ لديها مجلس إدارة ومالك وميزانية وموارد وأهداف تشغيلية، وتستطيع في كثير من الحالات اتخاذ قرارات أسرع وتعديل نماذجها وفق احتياجات المستفيدين والسوق، في حدود الأنظمة المنظمة للتعليم.
لكن اختلاف طبيعة المؤسستين لا يعني أن الخبرة لا تنتقل بينهما.
بل ربما يكون هذا الاختلاف نفسه فرصة للتعلم.
الوزارة تدير منظومة.. والشركة تدير تجربة
الوزارة تنظر إلى التعليم باعتباره منظومة وطنية.
وهذا يفرض عليها التعامل مع ملايين الطلاب، وآلاف المدارس، ومعلمين وقادة وإدارات تعليمية ومناهج واختبارات وتشريعات وميزانيات، إلى جانب مسؤولية ضمان وصول الخدمة التعليمية إلى مختلف المناطق والفئات.
وهذه مسؤولية لا تستطيع شركة خاصة أن تتحملها بالطريقة نفسها.
أما الشركة التعليمية، فعادة ما تكون أقرب إلى نموذج المؤسسة التي تملك مساحة أكبر في تصميم عملياتها الداخلية، واختيار أولوياتها التشغيلية، وتحديد كيفية استثمار مواردها، ومراجعة منتجاتها وخدماتها وفق نتائج السوق ورضا المستفيدين.
والتنظيمات الحالية للتعليم الأهلي والعالمي في المملكة تعطي مثالًا واضحًا على ذلك؛ فقد سمحت الوزارة للمنشآت الأهلية والعالمية، ضمن الضوابط، بإدارة وتعديل هياكلها التنظيمية الداخلية، وتحديد بعض جوانب التقويم الدراسي والجدول المدرسي وساعات العمل وأيام الدراسة والإجازات، إلى جانب استخدام المنصات التعليمية.
وهنا تظهر نقطة جوهرية:
الحرية الإدارية ليست غياب الحوكمة.
الشركة لا تعمل خارج النظام، والمدرسة الخاصة لا تملك حرية مطلقة في اتخاذ القرار، وإنما تعمل داخل إطار تنظيمي يسمح لها بهامش من المرونة.
وهذا الهامش قد يكون أحد أهم العناصر التي تستحق الدراسة.
ماذا تفعل حرية القرار؟
عندما يكون القرار قريبًا من موقع التنفيذ، يمكن أن تكون الاستجابة أسرع.
مدير مدرسة يستطيع، ضمن الصلاحيات الممنوحة له، أن يغير أسلوبًا تشغيليًا، أو يعيد توزيع بعض الموارد، أو يعالج مشكلة ظهرت لدى الطلاب، أو يطلق تجربة تعليمية، ثم يقيس نتائجها.
أما في المؤسسات الكبيرة، فقد يمر القرار عبر مستويات متعددة من الاعتماد والمراجعة قبل أن يصل إلى المدرسة.
وهذا ليس عيبًا بالضرورة؛ فالمؤسسة الوطنية تحتاج إلى الحوكمة، والحوكمة تحمي العدالة والاتساق وتمنع القرارات الفردية غير المنضبطة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحوكمة من حماية جودة القرار إلى إبطاء القرار نفسه.
وهنا يمكن أن نتعلم من الشركات.
ليس المطلوب أن تتحول الوزارة إلى شركة.
وإنما أن تسأل:
كيف يمكن أن نمنح المدرسة الحكومية قدرًا أكبر من القدرة على اتخاذ القرار، مع بقاء المعايير الوطنية والحوكمة والمساءلة؟
هذا سؤال يستحق البحث.
الشركة مضطرة إلى السؤال عن العميل
هناك فرق آخر مهم.
الشركة التعليمية تعرف أن استمرارها مرتبط بقدرتها على تقديم قيمة يراها المستفيد.
فالطالب وولي الأمر والمعلم، بصورة أو بأخرى، جزء من منظومة الحكم على الخدمة.
ولذلك تضطر الشركة إلى السؤال باستمرار:
هل الخدمة مرضية؟
هل النتائج تتحسن؟
هل الأسرة ترى قيمة مقابل ما تدفعه؟
هل المعلم قادر على العمل بكفاءة؟
هل البرامج التي نقدمها تحقق الغرض منها؟
وهذا لا يعني أن الشركات دائمًا أكثر نجاحًا، ولا أن رضا العميل يساوي جودة التعليم.
فالمدرسة ليست مطعمًا، والطالب ليس مجرد مستهلك، والتعليم ليس سلعة عادية.
لكن ثقافة قياس القيمة والاستجابة للمستفيد يمكن أن تكون درسًا مهمًا.
فالوزارة نفسها تتجه إلى تعزيز البيانات وقياس الأداء؛ وتوفر عبر منصتها للبيانات المفتوحة بيانات ومؤشرات للتعليم العام، وتتيح الاستفادة منها في البحوث والتقارير والتحليلات.
والسؤال إذن ليس: هل نحتاج إلى البيانات؟
بل:
هل نستخدم البيانات بالسرعة الكافية لتغيير القرار؟
ماذا يمكن أن تستفيد الوزارة من الشركات؟
يمكن أن تستفيد الوزارة من التجارب المؤسسية للشركات في عدد من المجالات، دون أن تنقل نموذجها كما هو.
أولها سرعة اتخاذ القرار.
وثانيها إدارة الأداء؛ بحيث لا يكون تقييم المدرسة قائمًا فقط على مدى تنفيذ التعليمات، وإنما على ما تحقق فعليًا من أثر.
وثالثها إدارة الموارد؛ فالشركات مضطرة بطبيعتها إلى السؤال عن العائد من كل ريال تنفقه.
ورابعها التجريب.
فالشركة تستطيع في كثير من الحالات أن تجرب نموذجًا في مجموعة محدودة، وتقيس النتائج، ثم تقرر التوسع أو التوقف.
وهذا النموذج يمكن أن يكون أكثر حضورًا في التعليم الحكومي:
جرّب.. قِس.. تعلّم.. ثم عمّم.
بدل أن يكون كل تغيير واسع النطاق منذ البداية.
وخامسها ربط القرار بالمستفيد.
فالمدرسة الحكومية تحتاج إلى أن تعرف بصورة مستمرة ماذا يقول الطالب والمعلم والأسرة عن التجربة التعليمية، لا باعتبار رضاهم مؤشرًا وحيدًا، وإنما باعتباره أحد مصادر المعلومات التي تساعد على تحسين الخدمة.
لكن.. ماذا يمكن للشركات أن تتعلم من الوزارة؟
المقارنة لا ينبغي أن تسير في اتجاه واحد.
فالوزارة تمتلك ما لا تمتلكه كثير من الشركات: النظرة الوطنية الشاملة، والبيانات الواسعة، والخبرة التراكمية، والقدرة على بناء المعايير، والوصول إلى جميع المناطق والفئات.
والشركة قد تكون أسرع، لكنها لا تستطيع وحدها بناء سياسة تعليم وطنية.
والوزارة قد تكون أبطأ في بعض القرارات، لكنها تمتلك قدرة هائلة على بناء منظومة موحدة وتحقيق قدر من العدالة في تقديم الخدمة.
لذلك، ربما لا نحتاج إلى نقل نموذج الشركة إلى الوزارة، ولا نموذج الوزارة إلى الشركة.
بل نحتاج إلى دمج نقاط القوة في النموذجين.
وزارة تضع المعايير والاتجاه الوطني وتراقب الجودة.
وشركات ومدارس تمتلك مساحة ابتكار وتجريب.
ومدرسة حكومية لديها صلاحيات أكبر لاتخاذ القرار.
ونظام رقابي يقيس النتائج بدلًا من أن يراقب الإجراءات فقط.
ولكن.. هل المدارس الخاصة أفضل فعلًا؟
هنا يجب أن نتوقف.
لأن أي حديث عن مرونة الشركات وسرعة قراراتها قد يقودنا بسهولة إلى استنتاج غير علمي:
إذن التعليم الخاص أفضل من التعليم الحكومي.
وهذا استنتاج لا يمكن قبوله دون دراسة.
فالطلاب الذين يلتحقون بالمدارس الخاصة قد يختلفون في خلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وفي مستوى تعليم الأسرة، والدعم المنزلي، والفرص المتاحة لهم خارج المدرسة، وغير ذلك من العوامل التي يمكن أن تؤثر في نتائجهم.
ولهذا فإن مقارنة متوسط نتائج طلاب المدارس الحكومية بمتوسط نتائج طلاب المدارس الخاصة لا تجيب وحدها عن السؤال الحقيقي.
نحن بحاجة إلى مقارنة أكثر عدالة.
لماذا لا ندرس خريجي آخر عشر سنوات؟
أقترح أن تطلق وزارة التعليم، بالتعاون مع هيئة تقويم التعليم والتدريب والجهات ذات العلاقة، دراسة وطنية طولية مقارنة لخريجي التعليم الحكومي والخاص خلال آخر عشر سنوات.
ولا أقصد دراسة نتائج الاختبارات فقط.
بل نريد أن نعرف:
ماذا حدث لهؤلاء الطلاب بعد أن غادروا المدرسة؟
يمكن أن تشمل الدراسة، على سبيل المثال، خريجي الفترة 2016–2025، وتقارن بين خريجي المدارس الحكومية وخريجي المدارس الأهلية والعالمية وفق منهجية علمية تضبط الفروق الأساسية بين المجموعتين.
ثم نتابع مساراتهم بعد التخرج.
كم منهم التحق بالجامعة؟
وما نوع التخصصات التي اختاروها؟
كم منهم أكمل دراسته؟
كم منهم غير تخصصه؟
كم منهم التحق بالتعليم والتدريب التقني والمهني؟
كم منهم دخل سوق العمل؟
كم استغرق حتى يحصل على أول وظيفة؟
ما مستوى توافق تخصصه مع عمله؟
ما متوسط دخله في السنوات الأولى؟
ما مستوى استمراره في العمل؟
كم منهم أسس مشروعًا؟
كم منهم حصل على شهادات مهنية أو واصل التعلم؟
وما المهارات التي يقول أصحاب العمل إنهم يمتلكونها فعلًا؟
والأهم:
ما الذي حدث للطالب بعد عشر سنوات من تخرجه؟
فهنا يمكن أن ننتقل من قياس مخرجات المدرسة إلى قياس أثر المدرسة.
لا نريد مقارنة بسيطة.. نريد دراسة علمية
ولكي تكون الدراسة ذات قيمة، لا ينبغي أن تكون مجرد جدول يقول:
الحكومي كذا.
والخاص كذا.
بل ينبغي أن نتحكم في المتغيرات المؤثرة.
نقارن طلابًا متقاربين في خصائصهم الاجتماعية والاقتصادية، ومناطقهم، ومستوياتهم الأكاديمية الأولية، ثم ننظر إلى أثر نوع المدرسة.
ويمكن استخدام قواعد البيانات التعليمية والجامعية وسوق العمل، مع الالتزام بالخصوصية وحوكمة البيانات.
كما يمكن بناء عينات طولية لخريجين من مختلف المناطق، ومقارنة المسارات المهنية والأكاديمية والاجتماعية لهم.
وبذلك يمكن أن نجيب عن أسئلة أكبر:
هل التفوق في المدرسة يستمر بعد التخرج؟
هل المدرسة الخاصة تمنح بالفعل قيمة إضافية يمكن قياسها؟
هل المرونة الإدارية تؤدي إلى نتائج أفضل؟
هل هناك ممارسات في المدارس الخاصة يمكن نقلها إلى المدارس الحكومية؟
وهل هناك ممارسات في التعليم الحكومي تستحق أن تتبناها المدارس الخاصة؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من سؤال:
من الأفضل؟
وربما تكون المفاجأة في المنتصف
قد تكشف الدراسة أن بعض المدارس الحكومية تحقق نتائج أفضل من مدارس خاصة كثيرة.
وقد تكشف أن بعض الشركات التعليمية تقدم نماذج يمكن تعميمها.
وقد تكشف أن الفروق التي نراها في النتائج ترتبط بعوامل خارج المدرسة أكثر مما ترتبط بنوع الملكية.
وقد تكشف أن بعض الممارسات الإدارية، وليس نوع المدرسة، هي التي تصنع الفارق.
وهذا بالضبط هو الهدف من الدراسة.
أن نتوقف عن إطلاق الأحكام العامة، ونبدأ في التعلم من الأدلة.
فالوزارة عندما أطلقت «مؤشر ترتيب» اعتمدت على بيانات نتائج الطلبة في اختبارات القبول الجامعي لإتاحة مقارنة أداء المدارس، وهو اتجاه مهم في بناء ثقافة قائمة على البيانات.
لكننا نحتاج إلى الذهاب خطوة أبعد:
لا نريد فقط أن نعرف أي مدرسة حققت نتيجة أفضل في نهاية المرحلة الثانوية؛ نريد أن نعرف أي تجربة صنعت خريجًا أكثر قدرة على النجاح في السنوات التي تلتها.
الوزارة لا تحتاج إلى أن تصبح شركة
هذه نقطة مهمة.
ليس المطلوب أن تتحول وزارة التعليم إلى شركة، ولا أن يصبح التعليم الحكومي خاضعًا لمنطق الربح والخسارة.
فالوزارة لها مسؤولية وطنية أوسع من ذلك بكثير.
لكن يمكنها أن تستفيد من بعض مبادئ الإدارة التي تجعل الشركات أكثر قدرة على الحركة:
وضوح الصلاحيات، سرعة القرار، المساءلة عن النتائج، التجريب، قياس القيمة، الاستماع للمستفيد، وإعادة تصميم الإجراءات عندما لا تحقق الغرض.
وفي المقابل، تستطيع الشركات أن تتعلم من الوزارة معنى المسؤولية الوطنية، والعدالة في الإتاحة، والالتزام بالمعايير، والعمل ضمن منظومة تعليمية شاملة.
وعندها لا تصبح العلاقة بين الوزارة والشركات علاقة رقابة من طرف وتشغيل من طرف آخر فقط.
بل تتحول إلى علاقة تعلم متبادل.
وفي النهاية.. لنجعل السؤال مختلفًا
ربما آن الأوان لأن نخرج من سؤال:
هل التعليم الحكومي أفضل أم التعليم الخاص؟
فهذا السؤال، بصيغته الحالية، لن يقودنا بعيدًا.
السؤال الأهم:
ما الذي يجعل مدرسة ما أكثر قدرة على صناعة خريج ناجح؟
ثم: أي جزء من هذا النجاح سببه المنهج؟ وأي جزء سببه المعلم؟ وأي جزء سببه الإدارة؟ وأي جزء سببه البيئة؟ وأي جزء سببه حرية القرار؟ وأي جزء سببه الطالب وأسرته؟
إذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال دراسة حقيقية لخريجي عشر سنوات، فقد نكتشف أن أفضل نموذج للمستقبل ليس حكوميًا خالصًا ولا خاصًا خالصًا.
بل نموذج يأخذ من الوزارة قوة المنظومة والعدالة والمعايير، ويأخذ من الشركات المرونة والسرعة والابتكار والمساءلة عن القيمة.
وعندها لن يكون الهدف أن تنتصر مدرسة على أخرى.
بل أن ينتصر الطالب.
لأن ما يهمنا في النهاية ليس من يملك المدرسة، ولا من يديرها، ولا كم أنفقت عليها.
ما يهمنا هو السؤال الذي يجب أن نضعه أمام كل مؤسسة تعليمية:
بعد أن يخرج الطالب من هنا.. ماذا أصبح قادرًا على أن يفعل؟