«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
من أرض المملكة، حيث تتجاور طبقات التاريخ مع الذاكرة الشعبية، وتتقاطع حكايات الإنسان مع الموروث واللهجات والعادات وأنماط الحياة، انطلق، برعاية مركز سرد الثقافي وفي مقره، «منتدى أنثروبولوجيا الثقافة»، أول منتدى من نوعه في السعودية يُعنى بالأنثروبولوجيا بوصفها مجالًا لقراءة الإنسان والثقافة والموروث؛ إيذانًا بمسار معرفي يتجاوز حفظ التراث إلى دراسته وتحليل دلالاته، واستكشاف التحولات التي أسهمت في تشكيل المجتمع السعودي.
وشهد حفل التدشين، مساء أمس، التعريف برؤية المنتدى وأهدافه ورسالته، بحضور نخبة من المهتمين بالثقافة والتاريخ والأنثروبولوجيا، إلى جانب الجلسة الافتتاحية «الصويان: الإنسان وعلم الإنسان»، بمشاركة الدكتور نايف آل نمرة، وإدارة الدكتور زهير الشهري، التي تناولت التجربة العلمية والفكرية للدكتور سعد الصويان وإسهاماته في دراسة المجتمع السعودي وثقافته الشعبية.
وألقى المشرف العام على المنتدى، الأستاذ الدكتور فهد بن مطلق العتيبي، كلمة استعرض فيها ملامح المنتدى وتوجهاته، مؤكدًا أن المشروع يسعى إلى تأسيس مساحة معرفية مستدامة للبحث والحوار في مجال الأنثروبولوجيا، وربط الدراسات المتخصصة بالموروث والثقافة والإنسان.
أمسيات شهرية ومؤتمر سنوي.. المنتدى يؤسس لتراكم معرفي
وفي أول ملامح برنامجه، أعلن المنتدى تنظيم أمسيات معرفية شهرية متخصصة في الأنثروبولوجيا، وصولًا إلى إقامة مؤتمر سنوي متخصص يجمع الباحثين والأكاديميين والمهتمين بهذا الحقل في مركز سرد الثقافي، بما يتيح حوارًا معرفيًا متواصلًا، ويعزز حضور دراسة الإنسان والثقافة والموروث في المشهد الثقافي السعودي.
ولا تقف أهمية هذا البرنامج عند انتظام الفعاليات، بل تمتد إلى ما يمكن أن ينتج عنها من تراكم معرفي؛ فالأمسيات تتيح تناول موضوعات أنثروبولوجية متخصصة بصورة دورية، فيما يوفر المؤتمر السنوي مساحة أوسع لتبادل البحوث والأفكار، وتعزيز التواصل بين الباحثين والأكاديميين والمهتمين بهذا المجال.
الصويان.. الإنسان مفتاح قراءة الثقافة
واختار المنتدى أن يبدأ مساره من تجربة الدكتور سعد الصويان، فجاءت جلسته الافتتاحية بعنوان «الصويان: الإنسان وعلم الإنسان»، احتفاءً بتجربة علمية وفكرية ارتبط جانب مهم منها بدراسة المجتمع السعودي وثقافته الشعبية. كما كرّم المنتدى الدكتور سعد الصويان تقديرًا لمسيرته العلمية وإسهاماته في دراسة الإنسان والثقافة والموروث السعودي، غير أن ظروفًا صحية حالت دون حضوره حفل التدشين، بعد اعتذاره قبل ساعات من انطلاقه. ويعتزم مدير مركز سرد الثقافي عبدالله الحضيف وأعضاء المنتدى زيارته خلال هذا الأسبوع وتسليمه درع التكريم، تقديرًا لمسيرته وإسهاماته العلمية والثقافية.
ويرتبط مشروع الصويان بدراسة المجتمع السعودي وثقافته الشعبية من خلال علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والفولكلور، مع اهتمام خاص بالشعر النبطي، والرواية الشفهية، والذاكرة الشعبية، وأنماط الحياة في الجزيرة العربية. وفي هذه التجربة، لا يظهر الموروث بوصفه مادة تُستعاد من الماضي فحسب، بل بوصفه أثرًا حيًا يمكن من خلاله قراءة الإنسان والمجتمع؛ فالرواية الشفهية لا تحفظ الحكاية وحدها، والشعر الشعبي لا يحفظ الكلمات فقط، والعادة لا تختزل في ممارستها، بل تحمل جميعها إشارات إلى طريقة تفكير المجتمع وقيمه وعلاقاته وتحولاته.
ومن هنا تتجاوز المادة الشعبية حدود الجمع والتوثيق إلى فضاء أوسع من البحث والتحليل، من خلال ربطها بسياقاتها الاجتماعية والتاريخية، لتصبح الذاكرة الشعبية مادة لفهم الإنسان، لا مجرد سجل لما مضى.
فالتراث، في هذه الرؤية، ليس ماضيًا مغلقًا، بل ذاكرة حية تظل في حوار مع الحاضر، وتكشف كيف تشكل المجتمع، وكيف تغير الإنسان والثقافة مع تغير الزمن.
الأنثروبولوجيا.. حين يصبح الموروث سؤالًا
من هنا تتضح دلالة اختيار الأنثروبولوجيا مجالًا ينطلق منه المنتدى؛ فهي تقترب من الإنسان في تفاصيل حياته وثقافته ولغته وعاداته ومعتقداته وعلاقاته وأنماط عيشه، بحثًا عن إجابة لسؤال يبدو بسيطًا في صياغته، عميقًا في دلالته: كيف أصبح الإنسان كما هو اليوم؟
وفي السعودية، يتسع هذا السؤال مع تعدد البيئات والمناطق واللهجات وأنماط الحياة، وما تختزنه الذاكرة المحلية من روايات وأمثال وأشعار وعادات وحرف وممارسات اجتماعية؛ وهي جميعًا مادة لا تقدم صورة واحدة للمجتمع، بقدر ما تكشف تعدد تجاربه ومسارات تشكله.
لذلك لا تقف الأنثروبولوجيا عند سؤال: «ماذا ورثنا؟»، وإنما تنتقل إلى سؤال أعمق: «ماذا يقول هذا الموروث عن الإنسان الذي صنعه؟ وكيف تغير ذلك الإنسان مع تغير المكان والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية وأنماط الحياة؟»
فاللهجة ليست مجرد طريقة في النطق؛ إنها ذاكرة مكان. والعادة ليست مجرد ممارسة متوارثة؛ إنها انعكاس لقيم المجتمع. والرواية الشفهية ليست حكاية للتسلية؛ إنها مستودع للتجربة الإنسانية. وحتى التحولات في أنماط الحياة يمكن قراءتها بوصفها شواهد على التحولات التي مر بها المجتمع. وهنا ينتقل الموروث من كونه «ماضيًا محفوظًا» إلى كونه «معرفة قابلة للقراءة»، ومن الاحتفاظ بالذاكرة إلى محاولة فهم الإنسان الذي صنعها وحملها وطوّرها.
فهد العتيبي.. من التاريخ إلى الإنسان
ويأتي اختيار الأستاذ الدكتور فهد بن مطلق العتيبي مشرفًا عامًا على المنتدى في سياق ينسجم مع اهتماماته الأكاديمية في التاريخ القديم وتاريخ الجزيرة العربية واللغة والكتابة والأفكار؛ وهي مجالات تتقاطع مع الأنثروبولوجيا في اهتمامها بجذور الإنسان والثقافة وتكوين المجتمعات.
ويقرأ مشروع العتيبي تاريخ الجزيرة العربية من خلال النصوص واللغة والكتابة والأفكار والمعتقدات، بما يفتح التاريخ على أسئلة تتجاوز سرد الأحداث إلى البحث في الإنسان الذي عاش تلك التحولات، والأفكار التي شكّلت وعيه، والثقافة التي حملها وعبّر عنها.
وفي المقابل، انطلق الصويان من المجتمع والذاكرة الشعبية والرواية الشفهية والموروث، لتلتقي التجربتان عند منطقة واحدة: الإنسان بوصفه صانع الثقافة وحاملها وفاعلًا في تحولها. وبين التاريخ الذي يستعيد النصوص، والأنثروبولوجيا التي تصغي إلى المجتمع، تتشكل مساحة معرفية تطرح أسئلة تتصل بكيفية تشكل الثقافة، وانتقالها بين الأجيال، وما طرأ عليها من تغير وما بقي فيها من ثوابت، وما تكشفه هذه التحولات عن الإنسان السعودي.
من المنتدى إلى مشروع معرفي مستدام
ولا تتوقف دلالة المنتدى عند لحظة التدشين؛ فبرنامجه القائم على الأمسيات الشهرية والمؤتمر السنوي يضع أساسًا لمسار معرفي قابل للتراكم، ويفتح مساحة مستمرة للحوار حول الإنسان والثقافة والموروث، بما يمكن أن يسهم في إثراء البحث المتخصص في هذا المجال.
ويمنح هذا المسار الموروث فرصة أخرى للظهور؛ لا باعتباره مادة للاحتفاء وحده، وإنما بوصفه موضوعًا للبحث، وذاكرة قابلة للتفسير، ومصدرًا لفهم التحولات التي مر بها المجتمع.
فحين تُقرأ اللهجة في سياقها التاريخي، وتُفهم العادة في بيئتها الاجتماعية، وتُدرس الرواية الشفهية بوصفها ذاكرة جماعية، ويتحول الشعر الشعبي إلى وثيقة ثقافية، يصبح الموروث جزءًا من معرفة الحاضر، لا مجرد صورة من الماضي.
ومن «الإنسان وعلم الإنسان» بدأ المنتدى مساره؛ من سؤال الموروث إلى سؤال الإنسان، ومن حفظ الذاكرة إلى فهمها، ومن استعادة ما تركه السابقون إلى قراءة ما تقوله تلك الذاكرة عن المجتمع السعودي، وعن الإنسان الذي صنع ثقافته وحملها وطوّرها من جيل إلى جيل.