إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
بحضورٍ يتنفس شغف المعرفة، شهد «صالون نبل الثقافي» مساء الثلاثاء التاسع والعشرين من سبتمبر لعام 2026م، في فندق مداريم بمدينة الرياض، واحةً استثنائية من واحات الفكر. لم تكن جلسة حوارية عابرة، بل كانت رحلة تتبعت خيوط الضوء في لوحة الكون. تلك الأمسية التي وُسمت بـ «ثقافة اللون الأخضر»، والتي قادت دفّتها بوعي وإلهام د. منال الرويشد، وأدار الحوار أ. عبدالله وافية، فتحت أبواباً مغلقة على تأملات أعمق بكثير مما تراه العين المجردة.
حين ينطق اللون حكاية
حين نتأمل أصل الأشياء، نجد أن الثقافة ليست سوى ذلك النسيج المعقد من العادات، والأفكار، والعلوم التي تصوغ أسلوب حياتنا. وحين يقفز اللون الأخضر إلى المشهد، فإنه لا يولد صدفةً، بل يتسلل خلسة من مزيج متناغم بين أزرق السماء وأصفر الشمس، ليعلن ميلاد الطيف الذي اتخذته الأرض رداءً أزلياً لها. إنه ليس مجرد لون فيزيائي يُرى بالعين، بل هو لغة كبرى تتحدث بها الطبيعة، وتتلون بها عقائد البشر، وتستند إليها ذاكرة الإنسانية منذ أن وطأت قدم الإنسان هذه الأرض.
في حضرة النعيم الأبدي وشموخ الراية
حين غاصت الجلسة في عوالم النصوص المقدسة، تفتحت أمام الحضور بوابات الجنان؛ حيث اتخذ اللون الأخضر وساماً لرفاهية أهل الجنة وثيابهم من السندس والاستبرق، وتوسدت مجالسهم على «رفرف خضر وعبقري حسان». هنا يقف العقل البشري مذهولاً أمام الحكمة الإلهية من تخصيص هذا الطيف بالذات؛ فهو البلسم الشافي للعين، والمهدئ الأجمل للأعصاب، واللون الأعدل الذي يزيل غبار القلق عن مرآة النفس.
ولا يتوقف سحر الأخضر عند حدود السماء، بل يهبط ليستقر بشموخ على أرضنا من خلال الراية السعودية. ففي هذا العلم العظيم، يروي الأخضر حكاية النماء والرخاء والخير، ويزدان بطهر البياض وسلامه، متكئاً على صلابة شهادة التوحيد وسيف العدل والقوة. ومن هناك، من غصن الزيتون التاريخي إلى براعم الربيع المتجددة، يظل الأخضر هو الرمز العالمي الأوحد الذي يُبشر بأن الحياة قادرة أبداً على البدء من جديد مهما اشتد قحط الجفاف.
مرايا الثقافات.. حين يرتدي العالم وشاحاً زمردياً
لم يكن اللون الأخضر يوماً حكراً على بيئة دون أخرى، إنما كان لغة عالمية تتحدث بها كافة الحضارات. ففي الثقافة الإسلامية والعربية، يحظى بقدسية الروح وسمو المعنى. وفي الصين، يتماهى مع حجر «الجاد» الثمين وفلسفة «الفنغ شوي» ليبشر بالتوسع والنمو. وفي الغرب، يترجم لغة الوعد البيئي وثروة العملات واستدامة الاستثمار. أما في إيرلندا، تلك «الجزيرة الزمردية»، فيصبح هو الهوية والروح والحظ السعيد.
وفي العصر الحديث، عبر الأخضر جسور المستقبل ليتحول من رمز جمالي إلى «استدامة» تنقذ كوكبنا، وطاقة نظيفة تتحدى الانبعاثات، وقطاع صحي يعيد ترتيب إيقاع التشافي في جسد الإنسان.
الاقتصاد والأرض.. حين يلتقي النماء بالاستدامة
وفي قراءة متقدمة لثلاثية البيئة والاقتصاد التي طرحتها الأمسية، يتبين لنا أن الأخضر أصبح هو العملة الصعبة للقرن الحادي والعشرين. إنه التجسد الحي لأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة؛ سواء في حفظ الصحة النفسية (الهدف 3)، أو مواجهة المناخ (الهدف 13)، أو حماية الحياة البرية ووقف إزالة الغابات (الهدف 15).
إن التكامل بين الاقتصاد والبيئة عبر الوظائف المستدامة ومصادر الطاقة المتجددة (كالطاقة الشمسية والرياح) لم يعد خياراً ترفيهياً، لكنه عهد مقدّس يفرضه الانتماء لرؤى وطنية كبرى مثل رؤية السعودية 2030، لضمان ألا تأخذ أجيال الحاضر حق الأجيال القادمة في العيش على كوكب نبيل ومعطاء.
«ثقافة اللون الأخضر».. جرس إنذار جمالي في عالم يلهث
إذا أردنا أن نقرأ أبعاد هذه الأمسية بعين الصحفي الناقد والباحث عن الجوهر خلف قشور الأحداث، سنجد أن صالون نبل الثقافي لم يكن يطرح موضوعاً بصرياً بحتاً، بل كان يمارس نوعاً من «المقاومة الناعمة» ضد حالة الصخب والتشوه البصري والنفسي التي تعصف بالإنسان المعاصر.
لقد نجحت د. منال الرويشد، وبحرفية إدارة أ. عبدالله وافية، في نقل الحضور من متلقين لمعلومات تقليدية إلى «شركاء تأمل» في بيولوجيا اللون وعلم نفس التشافي. فالأخضر في المستشفيات ليس ديكوراً، وفي إشارات المرور ليس مجرد علامة عبور، وفي الاقتصاد ليس شعاراً رابحاً فحسب؛ بل هو «إعادة ضبط جذرية» لجهاز الإنسان العصبي والنفسي.
أعتقد جازماً أن أهمية هذه الأمسية تكمن في قدرتها على توطين ثقافة «الوعي الأخضر» في وجدان المجتمع السعودي والعربي، بالتزامن مع التحولات التنموية الكبرى التي تقودها المملكة (كمبادرة السعودية الخضراء ورؤية 2030). إننا بحاجة ماسة اليوم إلى تحويل هذه الجلسات الحوارية النخبوية إلى سلوك مجتمعي يومي، يُعيد للأرض خضرتها، وللأرواح المتعبة سلامها الدفين.
الأخضر ليس لوناً.. إنه الوعد الأبدي بأن الحياة، مهما أجدبت، قادرة على الازهار من جديد.
** **
تويتر: AL_KHAFAJII