صبحي شبانة
ثمة عبارة ساقها سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز في خطابه الأخير أمام مجلس الشورى، تستحق أن تُقرأ وتُدرس لا أن تمر مرور الكرام، حين قال إن الأحداث التي تمر بها المنطقة حاليًا برهان على أن التخطيط الطويل المدى لا يعني الثبات والسكون بل القدرة على التكيف مع المتغيرات، فهذه الجملة وحدها تختزل فلسفة اقتصادية عميقة، وتضع أمامنا مفتاح فهم ما بات يمكن تسميته، دون مبالغة، بالاقتصاد العابر للأزمات، اقتصاد لا يقيس نجاحه بغياب الصدمات، بل بقدرته على استيعابها وتحويلها إلى فرص، وهذا بالضبط ما تكشفه الأرقام والمؤشرات التي تضمنها الخطاب الملكي، وما تعكسه طبيعة الميزانية والتوجهات الاقتصادية التي أعلنتها المملكة في ظل واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا وتقلبًا في تاريخ المنطقة الحديث.
أكتب هذا وأنا أتابع منذ عقود مسيرة هذا الوطن، فقد عايشت محطات كثيرة من تاريخه الحديث، وتنقلت بين مراحل نموه وتطوره، لكنني أستطيع أن أقول بصدق وثقة إن ما تحقق في العشر سنوات الأخيرة يمثل عصر نهضة حقيقية لم تشهد المملكة له مثيلًا من قبل، نهضة لم تكن في الاقتصاد وحده، بل في البنية والفكر والطموح والرؤية، فما أنجزته رؤية المملكة 2030 خلال عقد واحد فقط فاق كل التوقعات التي كانت تُرسم لها حتى من أشد المتفائلين، وتجاوز كل سقوف الطموح التي كانت تبدو بعيدة المنال حين أُعلنت الرؤية لأول مرة، وهذا ليس انطباعًا عابرًا أو مجاملة صحفية، بل خلاصة متابعة طويلة ومتأنية لرجل عاش بعينيه تحولات هذا الوطن جيلًا بعد جيل.
فحين يعلن اقتصاد ما أنه حقق 93 بالمئة من مستهدفات رؤيته الطموحة بعد عشر سنوات من إطلاقها، فإن الرقم بحد ذاته لافت، لكن الأهم منه هو السياق الذي تحقق فيه، فهذه العشر سنوات لم تكن سنوات هدوء واستقرار مثالي، بل شهدت جائحة عالمية شلّت حركة التجارة والسفر، وتقلبات حادة في أسواق النفط، وحروبًا وأزمات إقليمية متلاحقة، واضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية لم يشهد العالم مثلها منذ عقود، ومع ذلك واصلت المملكة مسيرتها التنموية دون أن تتعثر خطاها أو تتراجع عن التزاماتها، وهذا تحديدًا هو جوهر معنى العبور، ليس أن تكون بمنأى عن الأزمة، بل أن تمتلك من المرونة ما يجعلك تخرج منها أكثر قوة لا أقل منها، ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو التحول البنيوي الذي طرأ على تركيبة الاقتصاد السعودي ذاته، فحين نقرأ أن الصادرات غير النفطية سجلت نموًا بنسبة 155 بالمئة مقارنة بعام 2016، فإننا لا نقرأ رقمًا اقتصاديًا عابرًا، وإنما نقرأ قصة تحول عميق في هوية الاقتصاد الوطني، اقتصاد كان لعقود مرتبطًا بمصير برميل النفط صعودًا وهبوطًا، بات اليوم يملك قطاعات متعددة تصدّر وتنتج وتنافس في أسواق عالمية بعيدًا عن الطاقة وحدها، وحين نضيف إلى ذلك ارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51 بالمئة، فإننا أمام مؤشر أعمق من مجرد رقم إحصائي، إنه إعلان عن انتقال مركز الثقل في الاقتصاد الوطني من الإنفاق الحكومي المباشر إلى منظومة إنتاجية تشاركية، يقودها القطاع الخاص بكفاءة، ويصون توازنها القطاع العام، وهذا بالضبط ما يمنح أي اقتصاد قدرته على الصمود، لأن الاقتصاد الأحادي المصدر هش بطبيعته مهما بلغت موارده، بينما الاقتصاد المتنوع يمتلك من آليات الدفاع الذاتي ما يقيه هزات السوق الواحدة.
حين نتأمل دور صندوق الاستثمارات العامة في هذه المعادلة، يبرز وجه آخر من ملامح هذا التطور، فالصندوق لم يعد أداة استثمارية تقليدية تبحث عن العائد وحده، بل تحول إلى ذراع إستراتيجية تبني منظومات اقتصادية محلية كاملة، بقدرات تنافسية عالية، وبشراكة محورية مع القطاع الخاص، بما يجعل رأس المال الوطني يعمل في اتجاهين متوازيين في آن واحد، تعزيز المحتوى المحلي من جهة، وتحقيق عوائد مالية مستدامة من جهة أخرى، وهذه المعادلة، بين البناء الداخلي والعائد المستدام، هي جوهر ما يميز الاستثمار السيادي الناضج عن مجرد تكديس الثروة، فالمملكة لا تدّخر لتدّخر، بل تستثمر لتبني، وهذا المبدأ هو ما يصنع الفارق بين دولة تراكم الأموال ودولة تراكم القدرات، ولا يقل عن ذلك أهمية ما تحقق في مؤشرات الجاهزية الرقمية والأمن السيبراني وتنمية الاتصالات والتقنية، حيث تصدرت المملكة عالميًا في هذه المجالات، وهذا ليس ترفًا تقنيًا بقدر ما هو استثمار في البنية التحتية التي سيقوم عليها الاقتصاد العالمي في العقود القادمة، ومن هنا يأتي إعلان عام 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي، ليس كشعار احتفالي، بل كإشارة إلى أن المملكة لا تكتفي باللحاق بالثورة الصناعية الرابعة، بل تسعى إلى أن تكون من صانعيها وروادها، فالدول التي تراهن اليوم على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة هي الدول التي تكتب قواعد الاقتصاد العالمي في الغد، والمملكة تدرك أن موقعها في هذا السباق لن يُحدد بعد عشرين عامًا، بل يُحدد بالقرارات التي تُتخذ اليوم.
غير أن الاختبار الحقيقي لأي اقتصاد لا يكمن في أدائه وقت الرخاء، بل في قدرته على الصمود وقت الاضطراب، وهنا تحديدًا تكمن القيمة الأعمق لما تشهده المنطقة اليوم من توترات وتهديدات أمنية متصاعدة، فحين تتعرض دول مجلس التعاون الخليجي لاعتداءات متكررة، وحين تصبح منطقة الخليج والشرق الأوسط برمتها على صفيح ساخن، يصبح السؤال الأهم هو، كيف يتصرف الاقتصاد في ظل هذا الغموض الأمني الكثيف؟، والإجابة التي قدمتها المملكة عمليًا هي الاصدق والاقوى من أي خطاب، فقد واصلت خططها التنموية دون تعثر، وأكملت مشروعاتها العملاقة دون تأجيل، وحافظت على انضباط ماليتها العامة دون اهتزاز، وهذا ما يفسر العبارة التي وردت في الخطاب الملكي، بأن الظروف الحالية دليل على مرونة الاقتصاد الوطني ونضج قدرات منشآته وقوة إمكانيات مؤسسات الدولة واستدامته المالية، وهي عبارة لا تصف أملًا، بل تصف واقعًا قابلًا للقياس والتحقق.
وربما يكون أبلغ مثال على هذه المرونة هو الدور الذي لعبته المملكة في أزمة الطاقة العالمية المفتوحة الاحتمالات، فبينما تتخبط أسواق النفط العالمية تحت وطأة التصعيد الإقليمي والتهديدات المتكررة لممرات الطاقة، ظلت المملكة صمام أمان حقيقيًا للإمدادات النفطية الدولية، قادرة على توفير احتياجات الأسواق العالمية رغم كل الظروف المحيطة، وهذا الدور لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة عقود من بناء منظومة نفطية متكاملة، وبنية تحتية لوجستية على أعلى درجات الكفاءة، وقرار سيادي واعٍ بأن استقرار أسواق الطاقة العالمية جزء لا يتجزأ من استقرار المملكة نفسها، ومن هنا جاء أيضًا إنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، في خطوة تؤكد أن حماية الممرات البحرية الدولية ورفض استخدامها أداة ضغط سياسي أو اقتصادي ليست مسؤولية أمنية بحتة، بل هي في جوهرها مسؤولية اقتصادية، لأن أي اضطراب في هذه الممرات ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد والتجارة العالمية بأكملها.
وفي موازاة هذا الحضور الإقليمي والدولي، لم تغفل الميزانية والتوجهات الاقتصادية الجديدة عن الإنسان السعودي نفسه، فالهدف الأساس المعلن لكل هذه السياسات هو رفعة الوطن وازدهاره وتحسين جودة الحياة فيه، ويتجلى ذلك في الأولوية التي يحظى بها قطاعا التعليم والصحة في الإنفاق العام، وفي قرار نظام التعليم العام الذي يستهدف الارتقاء بجودة التعليم إلى مصاف عالمي متقدم، وفي التحول الصحي المتسارع الذي يسعى إلى تغطية شاملة وخدمة صحية رفيعة المستوى لكل مواطن، كما يتجلى في النجاح المتحقق بخفض نسب البطالة، والاستثمار المتواصل في رأس المال البشري بوصفه القوة المحركة الحقيقية لأي تنمية مستدامة، فالاقتصاد مهما بلغت قوة مؤشراته الكلية يظل عاجز إن لم ينعكس أثره على حياة الإنسان اليومية، وهذا ما تدركه الرؤية الاقتصادية السعودية جيدًا، حين تربط بين النمو الكلي وجودة الحياة الفردية بوصفهما وجهين لعملة واحدة لا ينفصلان، ولا يمكن إغفال الإصلاحات التي شهدها القطاع العقاري، والتي أثمرت خيارات أوسع للمواطنين وكفاءة أعلى في السوق ونسب تملك متصاعدة للمساكن، في مسار إصلاحي مستمر يوازن بين تلبية احتياجات المواطنين الآنية وبين حماية مقدرات الأجيال القادمة من أي أعباء مالية غير محسوبة، وهذا التوازن الدقيق بين الحاضر والمستقبل هو خيط ناظم يمر عبر كل السياسات الاقتصادية المعلنة، فلا قرار يُتخذ بمعزل عن أثره على من سيأتي بعدنا، ولا تنمية تُبنى على حساب استدامتها، وهذا بالضبط ما يميز التخطيط الاستراتيجي الرشيد عن الإدارة اليومية قصيرة النظر.
وحين نضع كل هذه الخيوط جنبًا إلى جنب، التنوع الاقتصادي المتصاعد، والاستثمار السيادي الذكي، والريادة التقنية، والصلابة الأمنية والدفاعية، والاستثمار في الإنسان، والتوازن بين الحاضر والمستقبل، نصل إلى تعريف دقيق لما يمكن تسميته بالاقتصاد العابر للأزمات، فهو ليس اقتصادًا محصنًا من الصدمات بالمعنى المطلق، إذ لا يوجد اقتصاد في العالم بهذه الحصانة، وإنما هو اقتصاد بُني بذكاء كافٍ ليمتص الصدمة حين تقع، ويعيد توازنه بسرعة، بل ويحول أحيانًا التهديد ذاته إلى رافعة لمزيد من الإصلاح والتطور، وهذه هي بالضبط الرسالة التي يحملها الخطاب الملكي حين يصف نجاح المملكة في تحويل التهديدات إلى فرص تعزز مكانتها وتواصل بها أولوياتها التنموية بكفاءة واستدامة.
وفي النهاية، فإن أقل ما يمكن أن يوصف به الاقتصاد السعودي اليوم أنه اقتصاد عابر للأزمات، لا لأنه يتجنب العواصف، بل لأنه تعلم كيف يبحر فيها دون أن يفقد وجهته، وهذا الدرس، في زمن تكاثرت فيه عدم اليقين والمخاطر من حول المنطقة بأسرها، يظل من أثمن ما يمكن أن تقدمه تجربة اقتصادية لغيرها، أن الثبات الحقيقي ليس في غياب الحركة، بل في القدرة على الحركة الذكية وسط الاضطراب، وأن المستقبل لا يُمنح لمن ينتظره، بل يُصنع بيد من يخطط له بصبر، ويحميه بحزم، ويبنيه جيلًا بعد جيل.