ماجد البريكان
ليس كل مسؤول يحتاج إلى ضجيج إعلامي حتى يُرى، ولا إلى حضور يومي أمام الكاميرات حتى يُعرف. هناك مسؤولون يختارون أن تتحدث عنهم الملفات التي يديرونها، والنتائج التي يتركونها خلفهم.
المهندس منصور بن هلال المشيطي، نائب وزير البيئة والمياه والزراعة، واحد من هؤلاء.
منذ توليه منصبه نائبًا للوزير في عام 2017، كان حاضرًا في واحدة من أكثر المراحل تحولًا في قطاعات البيئة والمياه والزراعة في المملكة. وهي قطاعات قد تبدو لبعضهم خدمية، لكنها في الحقيقة تمس ملفات استراتيجية شديدة الأهمية: الماء والغذاء والبيئة والاستدامة.
والمتابع لمسيرة المشيطي يلاحظ أنه ينتمي إلى مدرسة المسؤول التنفيذي أكثر من المسؤول الإعلامي. مهندس بدأ حياته المهنية من الميدان، وتدرج في مواقع العمل والتخطيط والتنظيم والإدارة، قبل أن يصل إلى موقع نائب الوزير.
وهذه نقطة مهمة.
فالإدارة الحكومية الحديثة لم تعد مجرد معاملات وقرارات يومية، بل أصبحت إدارة أرقام ومؤشرات واستراتيجيات ومشاريع تمتد آثارها لسنوات. وهذا تحديدًا ما فرضته رؤية السعودية 2030؛ المسؤول اليوم لا يُقاس بعدد تصريحاته، وإنما بما تغير في القطاع خلال وجوده.
وفي منظومة البيئة والمياه والزراعة حدث الكثير.
إعادة هيكلة، وتنظيم للقطاعات، وتوسيع لدور القطاع الخاص، وتحول رقمي، واهتمام أكبر بالأمن الغذائي والمائي، واستخدام للتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مشاريع وبرامج تستهدف رفع كفاءة الإنتاج الزراعي واستدامة الموارد.
ولعل أهم ما يميز تجربة المشيطي هو التعامل مع المياه باعتبارها قضية إستراتيجية وليست مجرد خدمة. فالمملكة واحدة من أكثر دول العالم تحديًا من حيث الموارد المائية الطبيعية، وبالتالي فإن كل ريال يُستثمر في رفع الكفاءة، وكل تقنية تقلل الهدر، وكل مشروع يعزز الاستدامة، له قيمة تتجاوز الحسابات التقليدية للمشاريع.
والأمر نفسه ينطبق على الغذاء.
العالم بعد الأزمات والحروب واضطرابات سلاسل الإمداد أدرك أن الأمن الغذائي ليس ملفًا زراعيًا فقط، بل جزء من الأمن الوطني. ولهذا فإن تطوير الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة الزراعة، واستخدام التقنية، وبناء سلاسل إمداد أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات، أصبحت جميعها استثمارات إستراتيجية للمستقبل.
منصور المشيطي ليس اسمًا كثير الظهور في الإعلام، وربما هذه إحدى سمات تجربته، فهو من المسؤولين الذين تعرفهم أكثر عندما تقترب من تفاصيل العمل، لا عندما تتابع الشاشات.
وفي زمن أصبحت فيه الصورة أحيانًا أسرع من الإنجاز، تبقى القاعدة الأهم في الإدارة الحكومية: ليس المهم كم مرة ظهر المسؤول، بل ماذا ترك عندما ينتهي يوم العمل؟
وعندما نتحدث عن قطاعات بحجم البيئة والمياه والزراعة، فإننا نتحدث عن ملفات تمس حياة كل مواطن، ومستقبل أجيال قادمة.
ولهذا تستحق تجربة منصور المشيطي أن تُقرأ من زاوية مختلفة؛ ليس باعتباره نائب وزير فحسب، وإنما باعتباره واحدًا من رجال العمل التنفيذي الذين شاركوا في ترجمة التحول الكبير الذي تعيشه المملكة من الخطط والإستراتيجيات إلى واقع نراه اليوم.
فالضجيج يصنع شهرة المسؤول، أما العمل فهو الذي يصنع سيرته.