أحمد آدم
لم تعد الحرب الروسية - الأوكرانية مجرد نزاع مسلّح يُدار على جبهات المواجهة التقليدية، بل تحولت إلى معادلة جيوسياسية واقتصادية معقدة تجمع بين الضغط الدبلوماسي الأمريكي المتصاعد، والحرب الهجينة في العمق الأوروبي، واختناقات سلاسل الإمداد والطاقة المزدوجة.
وبينما تعيد القوى الكبرى رسم التوازنات في القارة العجوز، يجد الاقتصاد الأوروبي نفسه تحت وطأة ركود تضخمي حاد، مما يضع القطاع المصرفي والمؤسسات المالية العربية أمام ضرورة حتمية لإعادة رسم إستراتيجيات التحوط الائتماني وقياس المخاطر بأسلوب استباقي ومبتكر.
أولاً: آخر مستجدات الأزمة الروسية الأوكرانية
تشهد الأزمة الروسية الأوكرانية حراكاً دبلوماسياً استثنائياً تقوده الولايات المتحدة، يقابله استمرار المعارك العنيفة والقصف الجوي المتبادل بعد انقضاء هدنة مؤقتة بين عاصمتي البلدين:
1 - المسار الدبلوماسي: وساطة أمريكية ومفاوضات ثلاثية محتملة
أجرى مبعوثا الرئيس الأمريكي (ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر) جولة مكثفة شملت محادثات استمرت ثلاث ساعات مع فلاديمير بوتين في موسكو، تلتها زيارة إلى كييف للقاء فولوديمير زيلينسكي؛ لتقديم مقترحات أمريكية جديدة لإنهاء الحرب.
أ - موقف موسكو: أعلن الكرملين أنه لا يستبعد استئناف المفاوضات الثلاثية (روسيا، أوكرانيا، أمريكا)، ووصف لقاء بوتين بالمبعوثين بأنه «خطوة صغيرة نحو السلام»، ملمحاً إلى إمكانية إجراء اتصال هاتفي قريب بين بوتين وترامب.
ب - تحفظ أوكراني وتوقعات بالشتاء: رغم وصف كييف للمقترحات الأمريكية بأنها «أكثر جدوى»، صرّح الرئيس زيلينسكي بأن الحرب تبدو متجهة للاستمرار خلال فصل الشتاء المقبل، لعدم حدوث اختراق جوهري في قضية الأراضي؛ حيث تصر موسكو على انسحاب أوكرانيا الكامل من دونيتسك وتفضيل زيلينسكي لقاءً مباشراً بين الرؤساء.
ثانيا: الموقف الأوروبي من الحرب
اتسم الموقف الأوروبي من الحرب الروسية الأوكرانية بمزيج من التمسك بمبدأ دعم كييف، والقلق البالغ من توسع «الحرب الهجينة» داخل أراضيه، إلى جانب انقسامات داخلية متزايدة حول كلفة الاستمرار في الدعم ومستقبل الترتيبات الأمنية. ويمكن تلخيص المشهد الأوروبي الحالي في النقاط الآتية:
1 - القلق من «الحرب الهجينة» في العمق الأوروبي
تسيطر حالة من الاستنفار الأمنـي على عواصم الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بعد اتهام ألمانيا لروسيا بمحاولة تنفيذ هجوم بمسيرة مفخخة قرب مطار لايبزيغ، والاشتباه بوقوف موسكو وراء حرائق وهجمات سيبرانية متكررة داخل القارة. وقد صرحت مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بأن «الهجمات الهجينة الروسية لن تُخيف أوروبا أو تثنيها عن دعم أوكرانيا»، معتبرة أن هذه العمليات تهدف لزعزعة الاستقرار الداخلي وثني الغرب عن مواصلة تسليح كييف.
2 - الانقسام الداخلي وتبعات الاستنزاف
يواجه الاتحاد الأوروبي صعوبة متزايدة في تبني موقف موحد؛ فبينما تقود بريطانيا ودول البلطيق معسكر الدعم المطلق لكييف، تدفع قوى رئيسية مثل ألمانيا وفرنسا نحو بلورة أفكار لاستئناف الحوار السياسي والوساطة مع موسكو لإنهاء حرب الاستنزاف التي بلغت ذروتها. وفي المقابل، ترفض دول كالمجر، وسلوفاكيا، وبلغاريا تقديم مزيد من الإمدادات العسكرية.
كما تضغط الحكومات لزيادة ميزانيات التسليح، وهو ما يلقى معارضة من الرأي العام الأوروبي الذي يخشى تقليص الإنفاق على الرفاه الاجتماعي والخدمات، مما يمنح قوى المعارضة اليمينية واليسارية الشعبوية ورقة انتخابية قوية.
3 - معضلة التصنيع والدعم العسكري والمالي
يعاني النظام الدفاعي الأوروبي من ضعف المرونة ومجاراة متطلبات الميدان؛ حيث تواجه مشاريع صندوق الدفاع الأوروبي عجزاً في مجاراة وتيرة الهجمات الروسية وتأمين الصواريخ الاعتراضية والذخائر لكييف.يضغط وزراء الدفاع الأوروبيون حالياً لتسريع صرف الحصص المالية من قرض الاتحاد الأوروبي البالغ 90 مليار يورو؛ تلبيةً لطلب عاجل من الرئيس الأوكراني لمواجهة الشتاء القادم وحماية البنية التحتية للطاقة.
4 - التوجس من الحراك الأمريكي المنفرد
حظيت جولة المبعوثين الأمريكيين (كوشنر ووِيتكوف) بمتابعة دقيقة؛ حيث حضر ثلاثة ممثلين أوروبيين لقاء كييف مع زيلينسكي. وتخشى بعض العواصم الأوروبية أن تفرض إدارة ترامب اتفاق سلام يفتقر لضمانات أمنية حقيقية لأوروبا، أو يجبر أوكرانيا على تقديم تنازلات تمس سيادتها، لذا تتمسك بروكسل بضرورة صياغة أي سلام مستقبلي وفقاً لمبادئ القانون الدولي ومظلة الأمن القاري الشاملة.
ثالثاً: سياسة العصا والجزرة الروسية
اختلفت تعاملات روسيا تاريخياً وجيوسياسياً بشكل جذري بين دول أوروبا الشرقية ودول أوروبا الغربية. فبينما اعتمدت مع الشرق على «الإخضاع والترهيب المباشر»، ركزت مع الغرب على «الاعتماد المتبادل وبناء شبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي».
1 - العصا والجزرة مع أوروبا الشرقية
تنظر روسيا لدول أوروبا الشرقية (بولندا، دول البلطيق، رومانيا) كـ «محيط حيوي سابق» أو دول منشقة عن معسكرها، لذا كان تعاملها معها يتسم دائماً بالاستعلاء العسكري، والتهديد، واختراق الأجواء لإضعاف سيادتها.
وتتعامل موسكو الآن مع الجناح الشرقي لأوروبا، باستراتيجية «العصا والجزرة» (أو ما يُعرف بالضغط العسكري المرن بالتوازي مع الإغراء الدبلوماسي والاقتصادي)، معتمدةً على ثقل الصين كضامن أو وسيط خلفي.
أ - «العصا الروسية»: الاختراقات الجوية والترهيب العسكري
لطالما استخدمت روسيا الطائرات الحربية والمسيرات لاختراق الأجواء واختبار جاهزية الرادارات ودفاعات الناتو في دول أوروبا الشرقية (مثل بولندا، رومانيا، ودول البلطيق). هذه الاختراقات زادت وتيرتها بشكل حاد لترهيب هذه الدول بسبب دعمها لكييف وتعميق وتيرة التهديدات الهجينة. الرسالة الجيوسياسية: تهدف «العصا» الروسية إلى بث الرعب داخل المجتمعات الشرق أوروبية، وإيصال رسالة مفادها أن المظلة الأمنية لحلف الناتو قد لا تحميهم بالكامل إذا ما قررت موسكو التصعيد.
ب - «الجزرة الروسية»: الدبلوماسية الموازية وعروض الاستقرار
في الوقت الذي تهدد فيه موسكو عسكرياً، تترك قنواتها الدبلوماسية مواربة عبر تقديم «جزرة» العلاقات الثنائية المستقرة، مثل استئناف إمدادات الطاقة لبعض الدول المتعطشة لها (كالمجر وسلوفاكيا)، أو التلويح بصفقات اقتصادية بعد انتهاء الحرب لتشجيع العواصم على اتخاذ مواقف أقل حدة تجاه العقوبات الغربية.
جـ - الدور الصيني: «الضامن والميسر» للعلاقات
هنا يبرز دور بكين بدقة؛ فروسيا لا تتحرك في معزل عن حليفتها الكبرى. الصين تقدم لروسيا الدعم الاقتصادي والسياسي الذي يسمح لها بممارسة هذه المناورات، بينما تلعب بكين دور «الوسيط العقلاني» أمام الأوروبيين. طرح الضمانات: تستخدم الدبلوماسية الروسية الثقل الصيني لترغيب دول أوروبا الشرقية؛ حيث تُروّج فكرة أن بكين (باعتبارها الشريك التجاري الأكبر للكثير من دول أوروبا والعالم) يمكنها أن تضمن توازن العلاقات، وأن تكون طرفاً ضامناً لأي ترتيبات أمنية واقتصادية مستقبلية في أوراسيا بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.
روسيا تلعب دور «الشرطي الصارم» عسكرياً، ثم تعرض عبر دبلوماسيتها وبغطاء وتنسيق وثيق مع الصين وبكين حلولاً تبدو «منطقية ومغرية» لمن يقبل بتحييد مواقفه.
2 - العصا والجزرة مع أوروبا الغربية
لم تكن روسيا تجرؤ على اختراق الأجواء الجوية لدول مثل فرنسا أو بريطانيا بنفس الجرأة، بل كانت تستخدم معهم «الحرب السيبرانية، ودعم الأحزاب اليمينية واليسارية المتطرفة» لإحداث انقسامات داخلية، إلى جانب عمليات التجسس والاغتيالات المحدودة لخصومها على أراضيهم.
أ - «الجزرة الكبرى» لأوروبا الغربية: خطوط الغاز والاعتماد الاقتصادي
دبلوماسية الأنابيب: لعقود طويلة (وحتى اندلاع الحرب)، تعاملت روسيا مع القوى الغربية الكبرى مثل ألمانيا، فرنسا، وإيطاليا عبر منطق «المصالح المشتركة». ضخت موسكو الغاز الرخيص عبر مشاريع عملاقة (مثل نورد ستريم) لبناء علاقة اعتماد متبادل تمنع هذه الدول من اتخاذ مواقف عدائية صارمة ضدها.
النفوذ المالي والسياسي: ركزت الدبلوماسية الروسية على اختراق النخب السياسية والاقتصادية في الغرب الأوروبي، وتأسيس استثمارات ضخمة في عواصم مثل لندن («لندنجراد» كما كانت تُسمى أحياناً بسبب تدفق أموال الأثرياء الروس).
ب - المتغير الحالي (2026): سقوط الجزرة الغربية والانتقال إلى «التخريب»
بعد غزو أوكرانيا، تكسرت استراتيجية «الجزرة الاقتصادية» مع غرب أوروبا بعد أن قطعت هذه الدول اعتمادها على الغاز الروسي. الوضع الآن: تحول التعامل الروسي مع أوروبا الغربية إلى «حرب هجينة ومحاولات تخريب مباشرة» في عقر دارهم. اتهام ألمانيا لروسيا مؤخراً بمحاولة تفجير مسيرة في مطار «لايبزيغ»، ورصد مسيرات عسكرية فوق السفن الحربية الأيرلندية، يوضح أن موسكو لم تعد تميز كثيراً في لغة التهديد بين الشرق والغرب، بل أصبحت تستهدف البنية التحتية الغربية للضغط عليها لوقف دعم كييف.
جـ - الفجوة في إدراك التهديد
هذا الاختلاف في التعامل خلق فجوة نراها واضحة اليوم في المواقف الحالية؛ فدول أوروبا الشرقية (التي عانت من العصا الروسية تاريخياً) تطالب بـ «سحق روسيا عسكرياً وتأمين الحدود»، بينما دول أوروبا الغربية (التي عاشت عقوداً من العلاقات الدبلوماسية البراتغماتية المريحة مع موسكو) لا تزال شعوبها ونخبها أكثر ميلاً للبحث عن تسويات سياسية ومفاوضات لإنهاء الحرب، لعدم استيعابها الكامل لطبيعة التهديد العسكري المباشر.
رابعاً: موقف أمريكا والصين من الأزمة الروسية الأوروبية
تعكس المواقف الحالية للولايات المتحدة والصين اتجاه الحرب الروسية الأوكرانية والتهديدات الأمنية لأوروبا منذ 7 سبتمبر 2026، تبايناً جذرياً في الأهداف؛ حيث تسعى واشنطن لقيادة هندسة سلام جديدة وتخفيف الأعباء عنها، بينما تحاول بكين الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع موسكو دون خسارة أسواقها الأوروبية.
1 - الموقف الأمريكي (الاندفاع الدبلوماسي الحذر)
يمر الموقف الأمريكي بمنعطف حاسم تتداخل فيه الرغبة في إنهاء الصراع مع الحفاظ على التزامات الأمن القومي:
* الوساطة النشطة وضغط السلام: يقود البيت الأبيض حالياً عبر المبعوثين الخاصين (جاريد كوشنر وستيف ويتكوف) حراكاً مكثفاً. واشنطن قدمت إطار سلام أمريكيا جديدا خلال لقاءات متتالية جمعت المبعوثين ببوتين في موسكو ثم زيلينسكي في كييف لإنهاء أطول حرب استنزاف في أوروبا منذ عقود.
* الضغط المالي على الحلفاء: تحاول الإدارة الأمريكية تقليص الفاتورة المالية المباشرة الموجهة لدعم أوكرانيا، وتضغط علناً لتتحمل الدول الأوروبية العبء الأكبر لتمويل البنية التحتية والمساعدات العسكرية لكييف.
* التوجس من التهديد الروسي لأوروبا: بالرغم من سعي واشنطن لإبرام اتفاق، إلا أن الاستخبارات الأمريكية تُبدي قلقاً متزايداً من تصاعد «الحرب الهجينة» لروسيا (التخريب، الهجمات السيبرانية) ضد البنية التحتية للناتو داخل أوروبا. وتؤكد واشنطن أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن ضمانات أمنية قوية تمنع روسيا من تهديد الجناح الشرقي لأوروبا مجدداً.
2 - الموقف الصيني (الوسيط الاقتصادي الحذر والداعم الخفي)
تتبنى بكين موقفا يتأرجح بين دعم حليفتها روسيا والحفاظ على صورتها الدولية كصانعة سلام:
* دعم المبادرات الدبلوماسية مع التحفظ: رحبت بكين بالتحركات الأمريكية الحالية؛ حيث دعا نائب مندوب الصين لدى الأمم المتحدة، سون لي، الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات جادة وبناء هندسة أمنية متوازنة ومستدامة لأوروبا. وتروج الصين لفكرة إمكانية عقد «مفاوضات ثلاثية» (أمريكية - روسية - صينية) أو قمة تضم القادة لحل الأزمة.
* التمكين الاقتصادي لروسيا (المحرك الخلفي): على أرض الواقع، تُعد الصين الممكّن الخارجي الحاسم لروسيا في الحرب؛ حيث تواصل شراء النفط الروسي بكميات ضخمة لتمويل خزينة موسكو، وتمدها بالتكنولوجيا والمكونات ذات الاستخدام المزدوج (مثل الطائرات المسيرة والرقائق)، مما أضعف أثر العقوبات الغربية وجعل روسيا قادرة على مواصلة الحرب والصمود أمام الاستنزاف.
* رفض كييف لبكين كـ«ضامن»: أثارت هذه الازدواجية الصينية حفيظة أوكرانيا؛ حيث أعلن الرئيس زيلينسكي مؤخراً أنه لا يرى في الصين ضامناً محتملاً لأي اتفاق سلام بسبب دعمها المستمر لموسكو بالمسيرات. وردت وزارة الخارجية الصينية (عبر المتحدثة ماو نينغ) بالتأكيد على أن بكين ستواصل لعب «دور بناء» لحل الصراع بغض النظر عن التحفظات.
* تجنب القطيعة مع أوروبا: تحرص الصين على ألا تؤدي التهديدات الروسية لأوروبا إلى انهيار علاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي. لذا، تُرسل بكين مبعوثين باستمرار لطمأنة العواصم الأوروبية، محذرة في الوقت نفسه من أن «صب الزيت على النار» (عبر زيادة التسليح الغربي لكييف) يعقد الوصول إلى سلام.
خامساً: الاقتصاد الأوروبي يقع بين شقي الرحى
لقد تعرض الاقتصاد الأوروبي لصدمة مزدوجة غير مسبوقة جراء استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتفجر حرب إيران التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز منذ مطلع عام 2026. هذه الأزمات المتزامنة ضربت أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومعدلات النمو في القارة العجوز بشكل مباشر.
1 - أزمة الطاقة (الصدمة الأشد منذ عقود)
بعد أن نجحت أوروبا جزئياً في تعويض الغاز الروسي بالاعتماد على الغاز الطبيعي المسال (LNG) القادم من الخليج (مثل قطر)، جاء إغلاق مضيق هرمز ليعطل نحو 20 % من إمدادات الغاز المسال العالمية و25 % من تجارة النفط المنقولة بحراً. تسبب إغلاق المضيق في ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا (عقود TTF الهولندية) بنسبة 60 % لتصل إلى 50 يورو لكل ميجاوات في الساعة. كما قفز خام برنت ليقترب من حاجز 97 دولاراً للبرميل، مما جعل ملء مخزونات الشتاء الأوروبية مكلفاً للغاية ومهدداً بالنفاد.
2 - عودة التضخم وضغوط البنك المركزي الأوروبي
الصدمة النفطية والغازية الجديدة دفعت بمعدلات التضخم في أوروبا للارتفاع مجدداً بعد استقرار نسبي. وارتفعت أسعار وقود السيارات والتدفئة والكهرباء بشكل حاد. ووضعت هذه التطورات البنك المركزي الأوروبي في مأزق؛ حيث اضطر الاقتصاديون إلى مراجعة توقعات خفض أسعار الفائدة، بل والتلويح برفعها مجدداً لكبح جماح التضخم، وهو ما يتسبب في خنق الاستثمار والنمو الاقتصادي.
3 - أزمة النقل الجوي والبحري (سلاسل الإمداد)
نتيجة لإغلاق الأجواء فوق إيران ومناطق النزاع، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار وقود الطائرات والسفن، واجهت شركات الطيران الأوروبية قفزة هائلة في تكاليف التشغيل، مما دفعها لرفع أسعار التذاكر وتقليص عدد رحلاتها. كما تزامُن إغلاق هرمز مع التهديدات المستمرة في البحر الأحمر أجبر السفن التجارية على اتخاذ مسارات أطول بكثير (حول رأس الرجاء الصالح)، مما ضاعف تكاليف الشحن والوقت المستغرق لوصول السلع إلى الأسواق الأوروبية.
4 - استنزاف الميزانيات الحكومية والتحول إلى «اقتصاد الحرب»
تضغط واشنطن على الدول الأوروبية لتتحمل العبء المالي الأكبر، مما اضطر الاتحاد الأوروبي إلى إعداد حزم مالية ضخمة (مثل قرض الـ90 مليار يورو) لدعم كييف وحماية شبكتها الكهربائية خلال الشتاء. وبالتالي تجد الحكومات الأوروبية نفسها مجبرة على إعادة توجيه ميزانياتها نحو الدفاع والتسليح ودعم أسعار الطاقة للمواطنين، مما زاد من العجز المالي للدول وفجر احتجاجات شعبية وسياسية استغلتها الأحزاب اليمينية المتطرفة.
دخل الاقتصاد الأوروبي في مرحلة تباطؤ حاد (ركود تضخمي)؛ حيث تسببت حرب أوكرانيا في استنزاف مالي وعسكري مستمر على حدودها الشرقية، في حين جاءت حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز لتقطع «شريان الحياة البديل» للطاقة، مما جعل أوروبا الطرف الأكثر تضرراً اقتصادياً من هذه التقاطعات الجيوسياسية في عام 2026.
5 - توصيات
البنوك العربية عليها الحذر التام واخذ ضمانات اضافية عند منح قروض لاي عملاء نشاطهم الرئيسي يرتبط بالتعامل مع أوروبا . ولترجمة هذا الحذر إلى إجراءات مصرفية عملية دون خنق الحركة التجارية كاملة، نوصي بالآتي:
* اشتراط تأمين ائتمان الصادرات: عدم الموافقة على تمويل أي شحنات أو عقود موجهة لأوروبا إلا بوجود غطاء تأميني شامل ضد مخاطر التعثر التجاري والسياسي من مؤسسات موثوقة.
* طلب ضمانات عينية داخل الدولة: عدم الاكتفاء بالتدفقات النقدية المستقبلية القادمة من أوروبا كضمانة للقرض، والتركيز على أصول ملموسة محلياً (عقارات، ودائع مجمدة، أسهم محلية) تغطي قيمة القرض بنسب أمان أعلى.
* تفعيل بند «القوة القاهرة» والظروف الطارئة بحذر: مراجعة الصياغة القانونية لعقود التسهيلات الائتمانية لتشمل سيناريوهات توسع الحرب أو فرض عقوبات جديدة قد تمنع التحويلات البنكية.
* تقصير آجال القروض والتسهيلات: تحويل التمويلات طويلة الأجل إلى تمويلات قصيرة الأجل قابلة للتجديد والمراجعة بناءً على التطورات الجيوسياسية الراهنة، لتقليل فترة التعرض للمخاطر.
تؤكد معطيات هذه الأزمة المتشابكة أن الشظايا الجيوسياسية للصراعات الكبرى أسرع وصولاً إلى الحسابات المصرفية وأسواق المال من وصولها إلى ميدان المعركة نفسه. إن حماية أمن الاستثمارات وتدفقات الائتمان في منطقتنا العربية لم تعد تتطلب مجرد متابعة مؤشرات السداد التقليدية، بل استيعاب التحولات الكبرى في موازين القوى؛ فالعالم الذي تشكله المسيرات وحروب الممرات اليوم يفرض على القرار المصرفي أن يتسلح بعمق استراتيجي يقرأ التهديدات السياسية قبل أن تتحول إلى تعثرات مالية على شاشات البنوك.