محمد بن عبدالله آل شملان
حين يزفّ المسؤول الأول في المنطقة بشرى تنموية ينتظرها الآلاف، فإن كلماته لا تعود مجرد تصريح صحفي عابر أو حبرا على ورق الملاحق الإخبارية، بل تتحول فوراً إلى وثيقة عهد تنموية، وعقد غير مكتوب يُعلق في رقبة الجهات التنفيذية. هذا تماماً ما اختزلته مشاعر أهالي محافظة وادي الدواسر حين أعلن صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض -حفظه الله- خلال زيارته التفقدية التاريخية للمحافظة، عن تخصيص مدينة صناعية جديدة تشرف عليها وتطورها الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية «مدن». كانت فرحة الأهالي عارمة، والآمال بحجم جغرافيا الوادي المعطاء ومقوماته الاقتصادية الشاسعة، إلا أن السنوات دارت دورتها، وتعاقبت الفصول، وظلت هذه البشرى حبيسة الأدراج والخطط النظرية، ولم ترَ النور على أرض الواقع حتى يومنا هذا، مما يضع أكثر من علامة استفهام حول آليات التنفيذ لدى الهيئة المشرفة.
تأتي أهمية وادي الدواسر من كونه ليس مجرد نقطة جغرافية على خارطة منطقة الرياض، بل هو سلة غذاء رئيسية للمملكة، وبوابتها الجنوبية الاستراتيجية التي تربطها بعدة مناطق حيوية كنجران وعسير ومكة المكرمة. بناء على هذه المعطيات، لم يكن حلم المدينة الصناعية ضرباً من الرفاهية أو المطالب الثانوية، بل كان ضرورة ملحة فرضتها المقومات الاستثنائية للمحافظة من خلال ثلاثة أمور، الأمر الأول هو توطين الصناعات التحويلية الغذائية، فوادي الدواسر ينتج آلاف الأطنان من المحاصيل الزراعية والتمور سنوياً. غياب المدينة الصناعية يعني استمرار تصدير هذه المواد الخام إلى المدن الكبرى لتصنيعها، مما يحرم المحافظة من القيمة الاقتصادية المضافة لمواردها. الأمر الثاني هو الحد من الهجرة العكسية، فمحافظة وادي الدواسر تعاني، كغيرها من المحافظات الطرفية، من هجرة متواصلة لعقولها وشبابها نحو العاصمة الرياض بحثاً عن الفرص الوظيفية المهنية والتقنية. كان من المفترض أن يوفر هذا المشروع آلاف الفرص الوظيفية المباشرة وغير المباشرة التي تضمن استقرار البنية الاجتماعية المحلية. الأمر الثالث هو تحفيز الحراك اللوجستي والاستثماري، فوادي الدواسر يمتلك موقعاً جغرافياً يؤهله ليكون مركزاً إقليمياً للتخزين والتوزيع وإعادة التصدير، وهو ما يتقاطع مباشرة مع مستهدفات الصناعة والخدمات اللوجستية في رؤية المملكة 2030.
القيادة الرشيدة ، ممثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظهما الله-، لا تألو جهداً في ضخ الميزانيات واعتماد المخططات الشاملة لضمان التنمية المتوازنة بين المناطق، وهو ما تجسد في المشاريع المليارية التي دشنها سمو أمير الرياض خلال جولات المتابعة المستمرة للمحافظات. بناء على ذلك، فإن المسؤولية المباشرة لتأخر خروج المدينة الصناعية إلى العلن تقع على عاتق الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية «مدن» والجهات الخدمية الشريكة معها. وتتلخص المعوقات المفترضة في ثلاث نقاط أساسية: النقطة الأولى: دوامة الدورة المستندية والبيروقراطية المفرطة، فالتنسيق يستغرق بين الأمانات البلديّة ووزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان وبين هيئة مدن فترات زمنية طويلة لإنهاء إجراءات تخصيص الأراضي، وتحديد المخططات الهيكلية، واعتماد الأبعاد البيئية للمشروع، وهي خطوات تبدو في كثير من الأحيان بطيئة لا تتماشى مع الإيقاع التنموي السريع للمملكة. النقطة الثانية: معضلة البنية التحتية الأساسية، فالهيئة تعجز عن طرح الأراضي الصناعية للمستثمرين قبل تأمين متطلبات البنية الفوقية والأساسية. ويشمل ذلك خطوط الطاقة الكهربائية ذات الجهد العالي، وشبكات المياه الصالحة للصناعة، وقنوات الصرف الصناعي المتطورة. هذا التعثر اللوجستي يعكس غياب التنسيق الاستباقي الفعال مع الجهات الخدمية مثل الشركة السعودية للكهرباء وشركة المياه الوطنية. الأمر الثالث: ضبابية التخطيط ودراسات الجدوى المتكررة، فيُخشى أن يكون المشروع قد دخل في دوامة إعادة دراسات الجدوى وتعديل المخططات بناء على تغير الأولويات الاستثمارية، دون الأخذ في الاعتبار المقومات الثابتة للمحافظة والوعود العلنية التي قُدمت لمجتمعها المحلي.
المملكة اليوم في ظل رؤية 2030 لا تقبل بالمشاريع الورقية؛ فالشفافية هي الركيزة الأساسية للحوكمة الحديثة.
إن الصمت الطويل وغياب التحديثات الرسمية من قِبل إدارة هيئة مدن حول مصير مدينة وادي الدواسر الصناعية يعد قصوراً اتصالياً غير مبرر. يطالب أهالي المحافظة، من رجال أعمال ومستثمرين وشباب طامحين، ببيان مكاشفة واضح وصريح يجيب عن الأسئلة المعلقة: أين يقف المشروع الآن في الهيكل التنظيمي للهيئة؟ ما هي العوائق الحقيقية التي تمنع بدء آليات الحفر والتطوير؟ ما هو الجدول الزمني الفعلي والملزم لبداية التشغيل واستقبال المستثمرين؟
إن البشرى التي زفّها الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز -حفظه الله- حركت مياهاً راكدة وأحيت طموحاً اقتصادياً هائلاً في نفوس أبناء المحافظة. هذا الطموح لا يجب أن ينطفئ بمرور السنوات تحت مبررات المعوقات الإجرائية؛ الكرة الآن بالكامل في مرمى الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية «مدن» لتثبت التزامها بالخطط التنموية الوطنية، وتتحرك بجدية لتحويل تلك الكلمات الموعودة إلى مصانع منتجة، وآلات تعمل، وسواعد وطنية تبني مستقبلها فوق أرض الوادي المعطاء.