د. أنس عضيبات
تتجرد الأشجار من رداء الصيف بهدوء مهيب، وتتهاوى الأوراق الصفراء لتفترش الأرصفة كرسائل وداع خطّها الزمن ومضى، غير آبه بما تبقّى في النفوس وفي مثل هذا التوقيت من كل عام، يعلن الخريف قدومه ملوحاً ببرد خفيف يختبر صلابة الأغصان بعد شهور من الامتلاء؛ يتوقف العابرون طويلاً أمام مشهد العري النباتي الذي يرمز إلى النهايات الحتمية، تاركاً في الذاكرة صدى لأيام طويلة أحرقتها شمس آب اللاهبة، يوم كان الشجر يتباهى بفيئه وثقله، قبل أن تأتي رياح أيلول لتعيد فرز ما يتساقط وما يقاوم الزوال.
وسط هذا المشهد المتداعي، وعند النظر إلى أعلى شجرة أضناها الرحيل، تشد الانتباه ثمرة وحيدة عاندت السقوط، لكنها بقيت خضراء شاحبة، لم تنضجها حرارة الصيف التي انقضت حيث تقف هذه الثمرة متفردة وسط الفراغ، كأنها وثيقة حية على حكاية لم تكتمل فصولها؛ خاضت شهور القيظ كاملة، وتجرعت نهارات العطش الطويلة، لكنها لسبب ما، لم تبلغ تمام حلاوتها ولا اكتست حمرة النضج التي ميزت شقيقاتها اللواتي ملأن السلال مبكراً، لتغدو شاهداً ناطقاً على قسوة الوقوف في منتصف الطريق.
ولعل هذا الامتناع عن النضج يفتح في أعماقنا نافذة مواربة على ذواتنا؛ فالطبيعة في مرآتها تعكس أدق تفاصيل وجعنا الإنساني المؤجل فكم من ثمار في حياتنا بقيت فجة رغم كل اللهيب الذي احترقنا به من أجلها؟ أحلام علّقنا عليها زهرة العمر، وعلاقات استنزفت أصدق مشاعرنا، وطموحات بذلنا في سبيلها العرق والانتظار، ورغم كل حرارة الشغف وسنوات المحاولة، لم تبلغ قطافها المأمول، بل مضى صيفها مسرعاً، تاركاً في القلب دهشة الخسارة وعتاباً صامتاً مع زمن لا ينتظر المتعثرين.
غير أن التأمل العميق في بقاء تلك الثمرة يزيح الستار عن حقيقة أعمق من مجرد فوات النضج؛ إنه يبرز دهشة التشبث في وجه الريح فبينما استسلمت آلاف الأوراق لجاذبية التراب ورياح التغيير دون تردد، ظلت هي وحدها معلقة بنبض الشجرة، تقاوم الانفصال وكأنها تؤمن بأن الزمن ما زال يتسع لمعجزة قادمة إنها تقدم لنا درساً بليغاً في الشجاعة الأخلاقية؛ فالسقوط سهل ومتاح لكل من يرهقه الثقل، أما الثبات على حافة الغصن العاري فيتطلب بطولة استثنائية، حتى وإن كنا نعلم أن شمس الإثمار قد ولت أدبارها.
ومع قرع الشتاء لأبواب الحقول ببرودته المعهودة، لا نملك أمام هذا الغصن الصامد إلا أن نتصالح مع حقيقة أن الجمال لا يكمن دوماً في كمال الحصاد، بل في نبل المقاومة وقد تخذلنا بعض المواسم وتمر دون أن نبلغ تمام ما رجونا، وتغيب عنا حلاوة الوصول التي نالها الآخرون، لكن مجرد البقاء واقفين، متمسكين بأغصان الحياة وسط تساقط كل ما حولنا، هو في ذاته نضج من طراز فريد، وشهادة فخر لا يفهم لغتها إلا من قاوم السقوط حتى الرمق الأخير.