عبدالرحمن ندا
إن كانت أمك على قيد الحياة... فأنت تملك نعمة لا يعرف قيمتها إلا من فقدها
هل شاهدت أمك اليوم؟
إن كانت الإجابة نعم، فأنت محظوظ.
ليس لأنك رأيتها فقط، ولكن لأنك ما زلت تملك فرصة لا يملكها كثيرون.
أما أنا، وحالي كحال كل من فقد أمه، فلم تعد لي هذه الفرصة.
أستطيع أن أتذكرها، أن أستعيد صوتها، أن أتخيل وجهها، أن أبحث عنها في تفاصيل البيت والذاكرة...
لكنني لا أستطيع أن أقول لها الآن: «كيف حالك؟»
ولهذا أقول لك:
تمتّع بوجود أمك.
لا تتعامل مع وجودها باعتباره أمرًا مضمونًا، ولا تؤجل الجلوس معها إلى وقت آخر، ولا تجعل انشغالك بالحياة يأخذ منك أجمل ما فيها.
اغتنم الفرصة.
اجلس بجوارها.
اسمعها.
اتركها تحكي، حتى لو كانت الحكاية قديمة وسمعتها عشرات المرات.
ضحكها.
اسألها عن يومها.
خذ رأيها.
اقبل نصيحتها، حتى لو كنت ترى أنك لم تعد تحتاج إلى نصائح أحد.
قبّل رأسها.
احتضنها.
وقل لها ما ربما تؤجله منذ سنوات:
«أنا سعيد لأنك أمي.»
فالأم لا تمنحنا الطعام والملابس والرعاية فقط.
إنها تمنحنا جزءًا من عمرها.
تسهر حين ننام.
تخاف حين نخرج.
تنتظر حين نتأخر.
وتفرح بأشياء صغيرة ربما لا تعني لنا شيئًا، لكنها بالنسبة إليها تعني العالم كله.
والمشكلة أننا لا نشعر بقيمة هذه الأشياء وهي تحدث.
نعتادها.
نعتبرها حقًا لنا.
نظن أن الغد موجود دائمًا.
ثم يأتي يوم لا يكون فيه غد.
وتكتشف أنك لم تشبع من أمك.
لم تجلس معها بما يكفي.
لم تسمعها بما يكفي.
لم تحتضنها بما يكفي.
لم تقل لها كل ما كان ينبغي أن يقال.
فتبدأ مرحلة أخرى من الحياة...
مرحلة التمني.
ليتني جلست معها أكثر.
ليتني اتصلت بها في ذلك اليوم.
ليتني لم أكن مشغولًا.
ليتني قلت لها كلمة أجمل.
ليتني احتضنتها قبل أن أخرج.
لكن «ليت» لا تعيد أحدًا.
والتمني لا يفتح بابًا أغلقه الموت.
لذلك لا تنتظر أن تصبح الذكرى أغلى من الإنسان.
لا تنتظر أن يصبح صوتها تسجيلًا في هاتفك، أو صورتها إطارًا على الحائط، أو اسمها دعاءً تردده وأنت تشعر أن هناك شيئًا ناقصًا لا يمكن استعادته.
إن كانت أمك أمامك اليوم، فهذه ليست مجرد حياة عادية.
هذه فرصة.
فرصة لأن تعطيها بعضًا مما أعطتك إياه دون حساب.
وفرصة لأن تشبع من وجودها قبل أن تصبح مشتاقًا إلى مجرد وجودها.
فاستمتع بها.
واقتنص كل لحظة معها.
لا تؤجل الحب.
لا تؤجل الزيارة.
لا تؤجل المكالمة.
ولا تنتظر مناسبة لتقول لها ما تشعر به.
فقد يأتي يوم تبحث فيه عن دقيقة واحدة معها...
ولا تجد إلا الذكريات.
أما أنا، فأكتب هذا لأنني أعرف معنى أن تتمنى شيئًا لا يمكن أن يحدث.
وأنت...
ما زالت أمك موجودة.
فماذا تنتظر؟
** **
- مصر