منصور بن صالح العُمري
ليست القيادةُ ميراثَ السنين، ولا المناصبُ مكافأةً على عدد ما مضى من العمر؛ فكم من شابٍ سبق عمرَه عقلُه، وفاق سنواتِه نضجُه، وصدق فيه قول الحكمة: «المرءُ بأصغريه: قلبه ولسانه»؛ فقد تجتمع حداثة السن مع رجاحة العقل، ويختصر النبوغُ في سنواتٍ قليلة ما يحتاج غيره إلى زمن أطول لاكتسابه.
أمَّر النبي- صلى الله عليه وسلم- أسامةَ بن زيد- رضي الله عنه-، وهو شاب، على جيشٍ فيه كبار الصحابة، ولما طعن بعض الناس في إمارته قال- صلى الله عليه وسلم: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل... وأيمُ الله إن كان لخليقًا للإمارة».
وولّى- صلى الله عليه وسلم- عتّابَ بن أسيد رضي الله عنه مكة، وفيها من سادات قريش وكبرائها من يفوقه سنًّا وتجربة؛ لأن المسؤولية لا تسأل صاحبها: كم بلغتَ من العمر؟ بل: كم بلغتَ من الأهلية؟
ثم جاء محمد بن القاسم، فقاد جيوش الفتح إلى السند وهو في ريعان الشباب، وفتح محمد الفاتح القسطنطينية وهو في الحادية والعشرين؛ لتظل صفحات التاريخ شاهدةً أن بعض الرجال تكبر أعمالهم قبل أن تكبر أعمارهم.
وقد وضع القرآن ميزان الاختيار في كلمتين جامعتين: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)؛ قوةٌ تُنجز، وأمانةٌ تحفظ، ولم يجعل عدد السنين بينهما شرطًا.
ومن هنا يأتي تمكين الشباب في رؤية السعودية 2030: لا إقصاءً لخبرة الكبار، بل استثمارًا لها في صناعة جيلٍ جديد؛ يتعلّم منها، ثم يُفسح له الطريق حين تثبت نجابتُه، ويظهر طموحُه، وتنضج أهليتُه.
فالأوطان البصيرة لا تنتظر حتى يشيب شبابها لتثق بهم؛ تكتشف النابه، وتصقل الموهوب، وتختبر الكفء، ثم تضعه حيث يستحق.
فالسنُّ مرحلةٌ من مراحل العمر لها فضلها وتجربتها،أما الكفاءة فهي التي تكشف مقدار ما يستطيع الإنسان أن يضيف حين توضع الثقة في موضعها.