عوض علي أحمد الطالبي
جينات الصحراء في مواجهة عصر الـ«ذكاء الاصطناعي»
في عمق الثقافة الشعبية الخليجية والعربية، تتردد عبارة «خلك ذيب» كواحدة من أكثر النصائح حضوراً وتأثيراً في الوجدان الإنساني. هي ليست مجرد كلمة عابرة تقال في مجالس السمر، بل هي دستور سلوكي غير مكتوب، يُورّث من الآباء للأبناء كدرع واقٍ لمواجهة تقلبات الحياة وعاديات الزمن. هذا الاستدعاء المستمر لصفات كائن بري متمرد يطرح تساؤلات عميقة حول كينونة هذه النصيحة في القرن الحادي والعشرين، وكيف تحولت صفات حيوان يخشاه البشر إلى معيار للذكاء والفطنة والقيادة، وهل ما زالت هذه الفلسفة الصحراوية صالحة في عصر العولمة والرقمنة الفائقة أم أنها بحاجة إلى إعادة تعريف تضمن بقاء قيمتها الإيجابية دون السقوط في فخاخ التوحش الاجتماعي.
للوهلة الأولى، قد يبدو استدعاء كائن مفترس في سياق النصيحة التربوية أو التوجيه الأخلاقي أمراً مستغرباً، خاصة إذا نظرنا إلى ثقافات أخرى ترى في الذئب رمزاً للغدر والشر المطلق، كما تجسده القصص الخيالية الغربية التي نشأت عليها أجيال متعاقبة. لكن في البيئة الصحراوية العربية، حظي الذئب بمكانة استثنائية تختلف تماماً عن بقية الضواري كالأسد أو النمر، فالأسد يعتمد على القوة المفرطة والهيبة الجسدية، بينما يعتمد الذئب على الذكاء الحاد والمكر واليقظة المستمرة التي لا تشوبها غفلة. لقد كانت الصحراء بيئة شحيحة الموارد، قاسية التضاريس، لا ترحم الضعيف ولا تجامل الغافل، ومن هنا راقب العربي القديم سلوك الذئب بدقة، ووجد فيه حزمة من الصفات التي تضمن البقاء في أكثر الظروف قسوة، وعلى رأسها اليقظة التامة التي جعلت الرواة يزعمون أن الذئب ينام وإحدى عينيه مفتوحة، بالإضافة إلى الأنفة والحرية العصية على التدجين، فالذئب يفضل الموت جوعاً على سلب حريته أو وضعه في قفص.
مع انتقال المجتمع العربي من حياة البادية والقرية إلى حياة المدن الحديثة وتعاظم دور المؤسسات، لم تختفِ عبارة «خلك ذيب» بل خضعت لعملية تحديث واستعارة اجتماعية واسعة المدى. في العقود الماضية، كان المعنى المباشر للعبارة يدور حول الحذر والنباهة في المعاملات المالية والشخصية اليومية، ففي الأسواق كانت تعني ألا يدع التاجر أو المشتري أحداً يخدعه في الأسعار، وأن يقتنص الفرص التجارية بسرعة قبل غيره، وفي العلاقات الإنسانية كانت مرادفاً للفراسة وقراءة ما بين السطور وفهم النوايا الخفية للبشر قبل أن تتحول إلى سلوك ضار، أما اليوم، وفي بيئات العمل الحديثة والشركات الناشئة، فقد تحولت هذه العبارة إلى مرادف لمصطلحات إدارية عالمية مثل المرونة السلوكية واقتناص الفرص الاستباقية، ليصبح الموظف الموصوف بالذئب هو ذلك الشخص الذي لا ينتظر الأوامر، بل يبادر بحل المشكلات المعقدة بدهاء ويمتلك شبكة علاقات قوية تدعمه في مسيرته المهنية.
رغم الإيجابيات الكثيرة المرتبطة بالذكاء والفطنة، إلا أن المبالغة في تطبيق هذا الشعار، أو فهمه بشكل خاطئ، أنتج بقعاً مظلمة في العلاقات الاجتماعية الحديثة، حيث يرى خبراء علم الاجتماع أن التفسير المشوه للعبارة ساهم في تعزيز ثقافة التوجس وسوء الظن بين الأفراد. فعندما ينشأ الفرد على فكرة أن الجميع من حوله يحاولون استغلاله، وأن عليه أن يكون ذئباً لكي لا تأكله الذئاب، فإن المجتمع ينزلق تدريجياً نحو أزمة ثقة خانقة يصبح فيها الأصل في التعامل هو الشك بدلاً من التعاون، ويتحول السلوك الانتهازي وتجاوز الأنظمة وأخذ حقوق الآخرين إلى شطارة وذكاء يُمتدح صاحبها. هنا تكمن الشعرة الفاصلة التي تناساها الكثيرون، فالذئب في الطبيعة يتميز بذكاء اجتماعي صارم، ووفاء مطلق لأفراد قطيعه، وتحويل النصيحة إلى مبرر للأنانية الفردية هو تشويه للمفهوم الأصيل للعبارة التي أرادت بناء إنسان يقظ يحمي نفسه ومجتمعه، لا وحشاً يمزق النسيج الاجتماعي.
في هذا العصر الذي يعيش فيه العالم ذروة الثورة الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، تكتسب العبارة أبعاداً تكنولوجية وأمنية غير مسبوقة، فلم يعد الخطر متمثلاً في عدو تقليدي أو منافس مباشر في السوق، بل في خوارزميات خفية ومحاولات احتيال رقمي وتزييف عميق يستهدف العقول والمدخرات. إن تطبيق نصيحة «خلك ذيب» في الفضاء الرقمي اليوم يتطلب أعلى درجات الأمن السيبراني الذاتي، حيث يستشعر الفرد الخطر فور ورود رسالة مشبوهة أو رابط مجهول يطلب بياناته السرية، كما يتجلى هذا الذكاء في عدم تصديق كل ما يُنشر والتدقيق في مصادر المعلومات قبل نشرها. ومع قدرة الآلات على أتمتة الوظائف التقليدية، فإن الصفات البشرية الفريدة المستوحاة من فلسفة هذه العبارة، كالحدس البشري والمناورة الذكية والقدرة على بناء التحالفات، تظل هي الخط الدفاعي الأخير والميزة التنافسية التي لا يمكن للآلة تقليدها أو استبدالها.
إن عبارة «خلك ذيب» هي إرث ثقافي حي يعكس عبقرية الإنسان في استلهام قيم البقاء والنجاح من بيئته الطبيعية، وهي دعوة مستمرة لرفض الغفلة والكسل والتبعية العمياء. ولكي تظل هذه النصيحة صالحة لبناء مجتمعات قوية ومتماسكة في المستقبل، يجب الإدراك الواعي بأن الذئبية الحقيقية هي قوة عاقلة وذكاء يخدم الجماعة ويحمي الحقوق، وليست مخالب لافتراس الضعفاء، وبذلك نجمع بين فطانة الذئب في مواجهة الأزمات والمخاطر، وبين تمسكنا بقيم الإنسانية والنزاهة والتعاطف التي تجعل من المجتمع ملاذاً آمناً للجميع.